جديد

المقابر الجماعية في الأنبار… هل أصبح دم العراقيين مباحاً؟

Screenshot

المقابر الجماعية في الأنبار… هل أصبح دم العراقيين مباحاً؟

بقلم: د. رياض الدليمي

إن الصور التي خرجت من محافظة الأنبار، وما رافقها من مشاهد القتل والتعذيب والمقابر الجماعية، ليست مجرد أحداث عابرة أو “تجاوزات فردية” كما يحاول البعض تصويرها، بل هي جريمة إنسانية وسياسية وأخلاقية تهز ضمير العالم كله. إنها دليل جديد على أن العراق ما زال رهينة السلاح المنفلت، وهيمنة المليشيات المؤدلجة التي وضعت نفسها فوق الدولة والقانون والدستور.

لقد وصل العراق إلى مرحلة خطيرة، أصبح فيها المواطن العراقي مهدداً في حياته وكرامته وحقه في التعبير، بينما تُستخدم شعارات “المقاومة” و”حماية الوطن” غطاءً لممارسات القمع والاختطاف والتعذيب والقتل خارج القانون. إن من يضع السلاح فوق سلطة الدولة، ويخنق أصوات العراقيين، لا يمكن اعتباره قوة وطنية تحمي العراق، بل طرفاً يشارك في تدمير الدولة وتقويض مستقبلها.

إن الحشد الشعبي، بصيغته الحالية، لم يعد بالنسبة لكثير من العراقيين مؤسسة دفاعية وطنية، بل تحول إلى مظلة لفصائل مسلحة مرتبطة بعقائد ومشاريع خارج الحدود العراقية، تعمل بمنطق القوة والهيمنة، لا بمنطق الدولة والمؤسسات. والأخطر من ذلك أن بعض هذه الفصائل حاولت، ولا تزال، التغلغل داخل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، بما يهدد بتحويل الجيش والأجهزة الرسمية إلى غطاء قانوني لمشاريع المليشيات وسلاحها.

إن اعتقال أحد العناصر المليشياوية الإرهابية في تركيا من قبل الشرطة الفدرالية الأمريكية يثبت أن الجرائم المنظمة العابرة للحدود لم تعد شأناً داخلياً عراقياً فقط، بل أصبحت قضية أمن دولي وملفاً مرتبطاً بالإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان والجريمة المنظمة. وهذا يستوجب تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية العالمية، لفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جرائم القتل والتعذيب والمقابر الجماعية والانتهاكات التي تعرض لها العراقيون خلال السنوات الماضية.

إننا نطالب بما يلي:

* تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة بإشراف الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية للتحقيق في جرائم المقابر الجماعية والانتهاكات المرتبطة بالمليشيات المسلحة.
* محاسبة جميع المتورطين، من المنفذين إلى القيادات والمخططين والداعمين السياسيين، دون أي حصانة أو غطاء حزبي أو طائفي.
* مطالبة الحكومة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على الأفراد والتنظيمات المتورطة بجرائم التعذيب والقتل والإخفاء القسري.
* منع دمج الفصائل المسلحة المؤدلجة داخل مؤسسات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، لأن التجربة أثبتت أن هذه الجماعات يمكن أن تعيد إنتاج نفسها وتستخدم إمكانيات الدولة وسلاحها ضد العراقيين في أي لحظة.
* حصر السلاح بيد الدولة العراقية فقط، وبناء جيش وطني مهني بعيد عن الولاءات الحزبية والطائفية والخارجية.
* حماية الناشطين والصحفيين والشهود الذين يكشفون الجرائم والانتهاكات، وضمان عدم تعرضهم للاغتيال أو التهديد.

إن استمرار الصمت على هذه الجرائم لن يؤدي إلا إلى تكرار المآسي، وفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والانهيار. فلا يمكن بناء دولة حقيقية بوجود سلاح موازٍ للدولة، ولا يمكن تحقيق العدالة بوجود جماعات تعتقد أنها فوق القانون والمحاسبة.

العراق اليوم أمام لحظة مصيرية:
إما دولة قانون ومؤسسات وسيادة وطنية،
وإما استمرار حكم المليشيات والخوف والمقابر الجماعية.

والتاريخ لن يرحم الصامتين.