الكشف المبكر عن سرطان القولون: دليلك للحماية الدائمة.
شمسان اليفاعي
مؤلم جداً أن يذهب أحدنا يوماً للطبيب يشكو من ألم، فيكون الرد عليه بكلمة واحدة وكأنها تهدم الدنيا فوق رأسه: تأخرت… لو كنت أتيت قبل فترة لكنا استطعنا معالجته ببساطة . جملة تتحول فيها كل أماني الدنيا إلى حسرة، وكل خطط المستقبل إلى دموع.
سرطان القولون هو الذي يصنع هذه اللحظة القاسية، لأنه يتسلل بلا ألم ينبهك، ولا وجع يوقظك، حتى إذا كبر وأنهك الجسد بدأت أعراضه بالظهور وتكون حينها قد تأخرت. لكن هناك حلاً لهذا وهو الكشف المبكر، وبابك اليوم عزيزي القارئ مفتوح لم يغلق بعد. فهل تنتظر حتى تسمع كلمة تأخرت. ؟ أم توقظ وعيك الآن، وتتعرف على أدوات الفحص، فتشتري صحتك.؟
هنا في هذه السطور سأخط لك دليلك في الكشف المبكر، ضمن فعاليات الحملة الوطنية العاشرة للتوعية بسرطان القولون التي أتت بجهود وطنية مباركة من صندوق مكافحة السرطان الذي يعمل جاهداً على مساعدة المرضى من خلال تقديم العلاج، والتركيز على بناء الإنسان، فمد أياديه المباركة لإنشاء وحدات لعلاج الأورام في صعدة وتعز والمحويت وذمار وحجة وعمران، مقرباً الخدمة من المريض وأهله لتسهيل العلاج. كما استكمل المرحلة الأولى من مشروع المدينة الطبية لعلاج الأورام، ووفر الأدوية الكيماوية. كل هذه المنجزات البنيوية هي رسالة طمأنة، أن هناك من يسهر على توفير السند اللازم لمن يواجه المرض، ويسهل عليه سبل العلاج.
فسرطان القولون يبدأ بنمو غير طبيعي للخلايا في الأمعاء الغليظة. ويُعد هذا المرض من السرطانات الشائعة عالمياً، وغالباً ما يبدأ في مراحله الأولى دون أعراض واضحة، لكن بالكشف المبكر نقي أنفسنا حيث يتم اكتشاف اللحميات الصغيرة في جدار الأمعاء وإزالتها قبل أن تتحول إلى خلايا سرطانية. تلك اللحميات الصغيرة، هي الشرارة الأولى التي يمكن إخمادها قبل أن تتحول إلى حريق مدمر.
ونحن سنأخذكم هنا في رحلة توعوية لنتعرف على توقيت الفحص وأبرز أدوات الفحص المتاحة، لنعطيكم القدرة على اتخاذ قرار واعٍ يحمي صحتكم ومستقبلكم.
فالتوقيت هو مفتاح الوقاية، وهو يختلف باختلاف عوامل الخطورة. ينقسم جدول الفحص الدوري إلى فئتين رئيسيتين. الفحص العام، وهو للأشخاص ذوي الخطورة العادية، يبدأ عند بلوغ سن الـ 45 عاماً. لماذا هذا العمر تحديداً؟ لأن الدراسات تشير إلى أن احتمالية نمو لحميات القولون، تلك البذور الصغيرة للسرطان، تزداد بشكل ملحوظ بعد الأربعين، لذا فإن البدء في هذا السن يحميك لسنوات طويلة قادمة، ويمنحك درعاً واقياً. أما الفحص المتقدم، فيجب تبكير الفحص إلى سن الـ 40 أو أقل (بناءً على استشارة الطبيب) في حالات الخطورة العالية، مثل وجود تاريخ عائلي لإصابة قريب من الدرجة الأولى (الأب، الأم، الاخوة) بسرطان القولون أو اللحميات، أو إذا كنت مصاباً بأمراض القولون المختلفة و المزمنة لسنوات طويلة. هذه العوامل تزيد من احتمالية الإصابة وتستدعي يقظة أكبر، ورعاية طبية.
بفضل الله الطب اليوم يتيح لنا خيارات متنوعة ومريحة للفحص الدوري، و تصنف إلى نوعين. أولاً، الفحوصات المخبرية وهي خيارات غير جراحية، سهلة، وهو فحص سنوي بسيط جداً يُجرى في المختبر عبر عينة براز للبحث عن جزيئات دم مجهرية لا تُرى بالعين المجردة (والتي قد تفرزها اللحميات أو الأورام المبكرة). وهناك أيضاً اختبار الحمض النووي وهو فحص متطور يبحث عن التغيرات الجينية في الخلايا التي تفرزها الأمعاء، ويُجرى عادة كل 3 سنوات .
ثانياً، الفحوصات البصرية (المناظير والأشعة)، وهي الفحوصات الأكثر دقة لأنها تتيح للطبيب الرؤية المباشرة واستئصال اللحميات فوراً. فمنظار القولون الكامل وهو الأفضل للفحص، حيث يدخل أنبوب مزود بكاميرا لرؤية القولون بالكامل. إذا كان سليماً، يكفي إجراؤه مرة واحدة كل 10 سنوات. ميزته أنه تشخيصي وعلاجي في نفس الوقت؛ فلو وجد الطبيب لحمية صغيرة يستأصلها فوراً خلال الفحص دون ألم، فيقتلع جذور المرض قبل أن ينمو. وهناك أيضاً المنظار السيني الذي يفحص الجزء الأخير من القولون فقط، ويُجرى كل 5 سنوات. ولمن يبحث عن بديل غير جراحي، توفر أشعة القولون المقطعية تصويراً ثلاثي الأبعاد للقولون باستخدام الأشعة المقطعية، ويُجرى كل 5 سنوات، لكنه لا يتيح استئصال اللحميات لهذا فإن المنظار هو الخيار الأفضل لكل شخص.
الخوف من المنظار يمنع الكثيرين من اتخاذ هذه الخطوة. لكنه أبسط بكثير مما يتخيلوا، والراحة النفسية التي تمنحها لك هذه الدقائق لا تقدر بثمن. الأمر لا يتعدى ساعة، فدقائق معدودة تمنحك تطميناً لعشر سنوات. وهنا يأتي دور الشراكة المجتمعية؛ فمسؤولية الأبناء أن ينبهوا والديهم بموعد الفحص، وكذا الأصدقاء الذين يتجاوز أعمارهم 45 سنة.
فمكافحة السرطان مسؤولية وطنية ومجتمعية متكاملة.
في الختام، نوجه رسالة شكر للجهود التي يبذلها صندوق مكافحة السرطان في مواجهة هذا المرض، من رعاية للمرضى وتطوير للبنية التحتية العلاجية، وصولاً إلى إطلاق الحملات التوعوية التي قد تكون سبباً في سلامة آلاف المواطنين.
#وعيك_يحميك
#الحملة_الوطنية_العاشرة_للتوعية_بسرطان_القولون