د. فاضل حسن شريف
وعن صلح الامام الحسن عليه السلام مع معاوية يقول السيد مرتضى العسكري: هذا معاوية في عصر علي. ولما قتل علي بسيف ابن ملجم، وبايع المسلمون الحسن، كتب إلى معاوية يطلب منه البيعة، فأبى عليه، ثم سار معاوية بجيوشه نحو العراق فخرج الحسن في جيوشه، وساق أمامه ابن عمه عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب في اثني عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء الكوفة، وآزره بقيس بن سعد بن عبادة، ولما لقي عبيد الله بن العباس معاوية، ووقف بإزائه. جرت بعض المناوشات بين الجيشين. ثم احتال معاوية على عبيد الله، وأرسل إليه في الليل قائلا له: إن الحسن قد راسلني في الصلح، فإن دخلت في طاعتي الأن كنت متبوعا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الأن أن أعطيك ألف ألف درهم، يعجل في هذا الوقت النصف، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسل عبيد الله ليلا فدخل عسكر معاوية. ودس معاوية إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وإلى حجار بن أبجر، وشبث بن ربعي دسيسا: أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه إنك إن قتلت الحسن بن علي، فلك مائة ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي، فبلغ الحسن فاستلام، ولبس درعا وكفرها، وكان يحترز، ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم، فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة. وقال الطبري: بايع الناس الحسن بن علي بالخلافة، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن إلى قوله فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر: ألا إن قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا، ونهبوا سرادق الحسن حتى نازعوه بساطا كان تحته. قال أبو الفرج: وبعث معاوية إلى الحسن للصلح وشرط ألا يتبع أحد بما مضى، ولا ينال من شيعة علي بمكروه، ولا يذكر عليا إلا بخير، وأشياء اشترطها الحسن. ثم دخل معاوية الكوفة، وخطبهم فقال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، إنما قاتلتكم لاتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. وقال معاوية: اشتريت من القوم دينهم.
عن كتاب تفسير التبيان للشيخ الطوسي: قوله عز وجل “وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” ﴿الأعراف 203﴾ معنى الآية انك يا محمد إذا لم تأتهم بآية يقترحونها، قالوا: لم لا تطلبها من الله فيأتينا بها. وقوله “لولا” معناه هلا “اجتبيتها” ﴿الأعراف 203﴾ معناه اختلقتها واقتلعتها من قبل نفسك في قول الزجاج، والفراء والحسن، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، وابن عباس. وفي رواية أخرى عن ابن عباس وقتادة: معناه هلا اخذتها من ربك وتقبلتها منه. ويكون الاجتباء بمعنى الاختيار. وقال الفراء: اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا اقتعلته من قبل نفسك. وقال ابو عبيدة: اخترعته مثل ذلك. وقال ابو زيد: هذه الحروف تقولها العرب للكلام يبتدؤه الرجل لم يكن اعده قبل ذلك في نفسه. فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهم إني لست آتي بالآيات من عندي وإنما يفعلها الله ويظهرها على حسب ما يعلم من المصلحة في ذلك لا بحسب اقتراح الخلق، وإنما اتبع ما يوحي إلي. وقوله “هذا بصائر من ربكم” ﴿الأعراف 203﴾ يعني هذا القرآن حجج وبراهين وأدلة من ربكم. والبصائر جمع بصيرة، وهي البراهين الواضحة والحجج النيرة. وتكون البصائر جمع بصيرة. وهي طريق الدم. والبصيرة الرأس ايضاً. وجمها بصائر، ومعناه ظهور الشيء وبيانه. وإنما قال “هذا بصائر” ﴿الأعراف 203﴾ لأن المراد به القرآن، وقوله تعالى “وهدى” يعني بيان وحجة ورحمة لقوم يؤمنون، فأضافه اليهم لأنهم هم المنتفعون بها، دون غيرهم من الكفار، وان كان بياناً للكل. وقال الجبائي قوله “هذا بصائر” إشارة إلى الادلة الدالة على توحيده وصفاته وعدله وحكمته وصحة نبوة النبي وصحة ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله.
ذكرت كتب السير أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام المعروف بجوده وكرمه، قاسَمَ الله أمواله أكثر من مرّة، فكان يعطي نصف ماله في سبيل الله. وأعتق الإمام زين العابدين مئات العبيد في سبيل الله كصدقات جارية. بالإضافة إلى ذلك، اهتم الأئمة بتعليم شيعتهم آداب الصدقة: فحثّوا على التصدق مما يحب المرء لا مما يكره، تطبيقًا لقول الله تعالى: “حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ” (آل عمران 92). وحثّوا على الأولوية: فصدقة العيال والأرحام مقدمة، ثم الجيران، ثم سائر الناس. ونقل الحر العاملي عنهم قولهم: (إطعام جائع أفضل من ألف صدقة) إذا كان في مقامه المناسب، تأكيدًا على النظر إلى حاجة المجتمع الأهم فالمهم.
وعن تفسير الميسر: قوله عز وجل “وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” ﴿الأعراف 203﴾ اجتبي فعل، التاء ضمير، ها ضمير، اجتبيتها اي اخترتها و اصطفيتها، بصائر: حجج واضحة و براهين بَيِّنة، و البصيرة: الحجة و الشاهد، وكذلك العقل و الفطنة و العبرة. وإذا لم تجئ أيها الرسول هؤلاء المشركين بآية قالوا: هلا أحدَثْتها واختلقتها من عند نفسك، قل لهم -أيها الرسول-: إن هذا ليس لي، ولا يجوز لي فِعْله؛ لأن الله إنما أمرني باتباع ما يوحى إليَّ من عنده، وهو هذا القرآن الذي أتلوه عليكم حججًا وبراهين من ربكم، وبيانًا يهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم، ورحمة يرحم الله بها عباده المؤمنين.
قال الله تعالى “وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ” (التوبة 51) لا تتوقع أن الله لا يجيبك. قال الإمام علي عليه السلام: (أصل الرضا حسن الثقة بالله). عندما تثق بالله تشعر أن كل شيء يأتي من الله وهو لفائدتك حتى البلاء مثل المرض أو صعوبة الحياة. مثلا أبو ذر الغفاري يقول عن ثقته بالله تعالى: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة. عن الامام الحسن المجتبى عليه السلام قال: من اتكل على حسن الاختيار من الله له لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله له. قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه في وصيته لولده الإمام الحسن عليه الصلاة والسلام: (وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به. ولا تغفلوا تعاهد ذلك في ممساكم ومصبحكم. ولاسيما في أوقاته المعروفة، ومواسمه المعهودة، كأدبار الصلوات، وأيام الجمع ولياليه، وشهر رمضان المبارك، والأعياد، وليلة النصف من شعبان). اصابت الامام الحسن عليه السلام حمى في صغره فأتت به سيدة النساء الى الرسول صلى الله عليه و اله و سلم فنزل جبرئيل و قال: اقرؤوا الحمد على وعاء ماء اربعين مرة ثم انثروا الماء على الامام فشفي الامام. ثم قال جبرئيل: (ان الله لم ينزل عليك سورة من القران الا و فيها فاء و كل فاء افة ما خلا الحمد فانه ليس فيه فاء).
وعن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وجل “وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ” هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” (الأعراف 203) “وإذا لم تأتهم” أي أهل مكة “بآية” مما اقترحوا “قالوا لولا” هلا “اجتبيتها” أنشأتها من قبل نفسك “قل” لهم “إنَّما أتَّبع ما يوحى إلي من ربي” وليس لي أن آتي من عند نفسي بشيء “هذا” القرآن “بصائر” حجج “من ربِّكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون”.
روي عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أنه رأى أمه السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ليلة الجمعة قائمة في محرابها تعبد الله وتدعو للمؤمنين والمؤمنات بأسمائهم وتكثر لهم الدعاء ولا تدعو لنفسها، فلما سألها عن ذلك، أجابت: “يا بنيّ الجار ثم الدار”. قال الدكتور طه حسين (كان الإمام الحسن رضي الله عنه عذب الروح، حلو الحديث، كريم المعاشرة، حسن الألفة، محبباً إلى الناس، ويحبّه اترابه من شباب قريش والأنصار لهذه الخصال ولمكانه من النبي صلى الله عليه وآله، ويحبه عامة الناس لكل هذا ولسخائه وجوده، واعطائه المال حين يسأل وحين لايسأل).