من المنبر الوائلي إلى المنبر الشعبوي

رياض سعد

لم تكن المنابر الدينية في العراق، ولا سيما المنبر الحسيني، مجرد مكان لإلقاء الخطب أو استثارة العواطف، بل كانت عبر أكثر من قرن مدرسةً للتربية والثقافة والوعي. فمن فوق تلك المنابر تخرجت أجيال تعرفت على القرآن، والسيرة، والأخلاق، واللغة، والتاريخ، وتعلمت أن الكلمة أمانة، وأن الاختلاف لا يبرر الإساءة، وأن الخصومة الفكرية لا تعني سقوط الأخلاق.

لقد عرفت الحوزة العلمية العراقية أسماءً كبيرة امتازت بالعلم والرزانة، وكان الخطيب يُقاس بعمق معرفته، وسلامة لغته، وقدرته على الإقناع، لا بعلو صوته ولا بعدد الشتائم التي يطلقها… ؛  وكان المستمع يخرج من المجلس أكثر معرفةً وأوسع أفقًا وأهدأ نفسًا، لأن الهدف كان بناء الإنسان، لا تعبئة غرائزه أو تأجيج انفعالاته.

ويُعد الدكتور أحمد الوائلي من أبرز الأسماء التي أسهمت في تطوير الخطابة الحسينية والدينية في العصر الحديث… ؛  فقد عُرف بفصاحته وبلاغته، وسعة اطلاعه، واعتداله في الطرح، وحسن سيرته وسلوكه، حتى لقّبه كثير من محبيه بـ”لسان الشيعة الناطق”.

ولم تقتصر مكانته على أبناء المذهب الشيعي، بل امتد حضوره إلى أوساط إسلامية متعددة، لما امتازت به خطاباته من عمق علمي، ورصانة فكرية، واحترام للمخالف.

وقد حرص الوائلي على تقديم صورة مشرقة عن المذهب الشيعي، معتمدًا لغة الدليل والحوار بعيدًا عن الإثارة والانفعال، فناقش كثيرًا من الشبهات والاتهامات التي أُثيرت حول المذهب بمنهج علمي هادئ، وأسهم في ترسيخ ثقافة التقارب الإسلامي ونبذ الفرقة والتكفير والطائفية… ؛  وكانت دعوته إلى الاعتدال والتسامح والوحدة الإسلامية حاضرة في معظم محاضراته وخطبه، إيمانًا منه بأن رسالة المنبر الديني هي بناء الإنسان وجمع الكلمة، لا تأجيج الخلافات أو تعميق الانقسامات.

لا تكاد توجد رسالة سماوية أو مدرسة فكرية أو حركة سياسية في العالم إلا وجعلت من حسن الخطاب، وقوة الحجة، واحترام المخالف، وسيلةً لكسب العقول والقلوب… ؛  فالناس لا تُقاد بالإهانة، ولا تُقنع بالسباب، ولا تُستمال بلغة الكراهية والتكفير والتفسيق ، وإنما بالعلم والأخلاق والمنطق.

لكن المؤسف أن بعض المنابر الدينية في العراق ابتعدت عن هذا المنهج، فتحول الخطاب عند بعض المتصدرين إلى سيل من الشتائم والتخوين والتشهير والتكفير، حتى غدا الصراخ بديلاً عن البرهان، والإثارة بديلاً عن المعرفة، والسباب بديلاً عن الحوار.

إن أخطر ما أصاب بعض المنابر ليس ضعف المستوى العلمي فحسب، بل انحدار المستوى الأخلاقي. فمن غير المقبول أن يتحول رجل دين، يفترض أنه قدوة في الكلمة والسلوك، إلى شخص يوزع أوصاف الخيانة والعمالة والفسق، أو يتناول أعراض الناس، أو يطلق أحكامًا قاسية بحق كل من يخالفه في الرأي أو الموقف… ؛  والأسوأ من ذلك أن هذه اللغة لا تُوجَّه أحيانًا إلى الخصوم التقليديين فحسب، بل إلى أبناء الطائفة نفسها، لأنهم اختلفوا في اجتهاد أو موقف سياسي أو رؤية وطنية.

إن هذا الخطاب لا يهدم جسور الحوار فقط، بل يهدم صورة المؤسسة الدينية ذاتها. فالشباب الذي يرى رجل الدين يخاصم ويشتم ويحرض، لن يميز دائمًا بين الشخص والدين، ولا بين الخطيب والمذهب… ؛  وهكذا يدفع الدين ثمن أخطاء من يتحدث باسمه، وتتحمل الطائفة تبعات تصرفات أفراد لا يمثلونها بالضرورة.

ولا تقف المشكلة عند حدود اللغة، بل تمتد إلى مضمون الخطاب… ؛ فقد أصبح بعض الخطباء أسرى لمحاور سياسية وإقليمية، فتراهم يبالغون في تمجيد شخصيات أو قوى خارج العراق، ويقدمون الولاءات العابرة للحدود على الانتماء الوطني، حتى يخيل للسامع أن العراق يأتي في آخر سلم الأولويات… ؛  أما المواطن العراقي، الذي دفع أثمان الحروب والعقوبات والإرهاب والانقسام، فلا يحظى أحيانًا إلا بالتقريع أو الاتهام أو التشكيك في وطنيته إذا خالف تلك الاصطفافات.

وللأسف، أسهمت بعض الممارسات والخطابات غير المسؤولة في تشويه صورة المنبر الديني، حتى أصبح في نظر كثيرين مادةً للتندر والسخرية بعد أن كان مدرسةً للعلم والإصلاح… ؛  فبدل أن يرتقي الخطيب بعقول الناس، انشغل بعضهم بطرح روايات لا تستند إلى دليل، أو بترديد خرافات لا يقبلها العقل، أو بإطلاق مواقف سياسية وإقصائية تزيد الانقسام ولا تخدم الدين ولا المجتمع.

فمنهم من يروي قصصًا عجيبة لا أصل لها، ومنهم من يهاجم الوطن ويطعن في هويته وتاريخه، ومنهم من يستهين بقيمة الوطنية ويصف الوطنيين بأوصاف ازدرائية، ومنهم من يجعل المنبر ساحةً للسباب والقدح في الأعراض وتخوين المخالفين، ومنهم من يهوّن من معاناة الفقراء وكأن الفقر قدرٌ لا يستحق المعالجة، ومنهم من يطالب الناس بالسكوت عن الفساد بحجة الخوف من بديلٍ أسوأ، وكأن مكافحة الظلم والفساد ترفٌ لا ضرورة.

إن المنبر الديني لم يُنشأ ليكون وسيلةً لنشر الخرافة، أو منصةً للتشهير، أو أداةً لتبرير الفساد أو إثارة الأحقاد، وإنما وُجد ليهدي إلى الحق، وينشر الوعي، ويعزز مكارم الأخلاق، ويجمع الناس على كلمة سواء… ؛  وكل خطاب يبتعد عن هذه الرسالة يفقد هيبته ورسالته، ويُسهم، من حيث يشعر أو لا يشعر، في زعزعة ثقة الناس بالمنبر وبمن يمثله.

ليس المطلوب من رجل الدين أن يتخلى عن معتقده أو انتمائه المذهبي، ولكن المطلوب ألا يتحول ذلك الانتماء إلى مبرر لتهميش الوطن أو الانتقاص من أبنائه… ؛  فالوطن ليس خصمًا للدين، والانتماء الوطني لا يناقض الانتماء المذهبي، بل إن حفظ المجتمع واستقراره من المقاصد التي أكدتها النصوص الإسلامية.

ومن المؤسف أن بعض أصحاب هذا الخطاب يتعاملون مع المخالف كما لو كان عدوًا يجب سحقه، لا مواطنًا له حق الاختلاف… ؛  فتكثر الدعوات إلى المقاطعة أو الإقصاء، ويعلو منطق التحريض على منطق الإقناع، بينما يعلم الجميع أن المجتمعات لا تُدار بهذه الطريقة، وأن السلم الأهلي لا يصمد في ظل خطاب يؤجج الأحقاد ويقسم الناس إلى معسكرات متصارعة.

والأشد خطورة أن هؤلاء يقدمون مادة دعائية مجانية لكل من يريد تشويه صورة المذهب أو الإساءة إلى شيعة العراق… ؛  فحين تنتشر مقاطع مليئة بالشتائم والتحريض، فإن المتلقي خارج العراق أو داخله لن يقرأ عشرات الكتب التي تمثل الاعتدال، بل سيحكم على الطائفة من خلال أكثر الأصوات صخبًا… ؛ وهكذا يصبح المتطرف، لا المعتدل، هو الواجهة الإعلامية، وتصبح الإساءة إلى المذهب صادرة من بعض أبنائه قبل أن تأتي من خصومه.

لقد عُرف علماء الشيعة عبر قرون طويلة بالمناظرات العلمية، والبحث الفقهي، والتأليف، والاحتجاج بالدليل، لا بالسباب والابتذال… ؛ وتراثهم مليء بالنقاشات الفكرية العميقة التي واجهت الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، دون أن تجعل الانحدار الأخلاقي وسيلة للإقناع… ؛ ولذلك فإن اختزال هذا التراث الكبير في خطابات انفعالية لا يمثل إنصافًا للتاريخ ولا خدمةً للحاضر.

إن المنبر ليس حقًا شخصيًا، بل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية… ؛ ومن يصعد إليه ينبغي أن يمتلك العلم، وسعة الصدر، وأدب الاختلاف، والوعي بتأثير كلمته في مجتمع يعاني أصلًا من الاستقطاب والانقسام… ؛  فلا يجوز أن يتحول المنبر إلى وسيلة للشهرة، أو إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية، أو إلى أداة لبث الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.

ومن هنا، فإن حماية الدين لا تكون بالدفاع عن كل من يرتدي الزي الديني، وإنما بحماية قدسية المنبر من الجهل والابتذال والارتزاق … ؛  كما أن حرية التعبير لا تعني منح المنابر والإعلام لكل من يحرض على الكراهية أو يستخدم الألفاظ النابية أو يشجع على العنف اللفظي تجاه المخالفين… ؛  ومن حق المؤسسات الدينية والإعلامية، بل من واجبها، أن تضع معايير علمية وأخلاقية لمن يتصدر الخطاب العام، وأن تحاسب من يسيء إلى السلم المجتمعي أو يفرغ الدين من مضمونه الأخلاقي.

لقد خسر العراقيون كثيرًا بسبب خطابات التحريض والانقسام، ولم يعودوا بحاجة إلى مزيد من الأصوات التي تستثمر في الكراهية… ؛  إنهم بحاجة إلى خطاب يعيد الاعتبار للإنسان، ويحترم العقل، ويعلي قيمة الوطن، ويقدم الأخلاق على الانفعال، والحكمة على الضجيج.

فالدين الذي انتشر بالكلمة الطيبة لا يمكن أن يحافظ على حضوره بالكلمة الجارحة، والمذهب الذي بقي حيًا عبر القرون بفضل العلم والتضحية لن يخدمه من يحول منابره إلى ساحات للشتيمة والخصومة… ؛  وأولى الناس بالدفاع عن الدين هم الذين يصونون أخلاقه، لا الذين يسيئون إليه وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا.

الخلاصة

قد تسلل إلى بعض المنابر نمط جديد من الخطابة، لا يقوم على العلم بقدر ما يقوم على الإثارة، ولا يعتمد قوة الدليل بقدر ما يعتمد استدرار العاطفة وإثارة الغضب… ؛  وأصبح بعض من يتصدر المشهد يظن أن ارتفاع الصوت دليل قوة، وأن كثرة السباب دليل شجاعة، وأن تحقير الآخرين نوع من الانتصار للمذهب، بينما الحقيقة أن هذه الممارسات لا تنتصر إلا للجهل.

لقد ساهمت الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي في صناعة “الخطيب النجم”، حيث أصبح معيار النجاح عند بعضهم عدد المشاهدات والمقاطع المثيرة، لا قيمة الفكرة ولا أثرها التربوي والاخلاقي والديني … ؛  فكلما كانت العبارة أكثر صدمة، والاتهام أشد قسوة، والشتيمة أكثر ابتذالًا، زادت فرص انتشارها… ؛  وهكذا أصبح بعض الخطباء أسرى لمنطق السوق الإعلامية، لا لمنطق الرسالة الدينية.

والنتيجة أن المنبر فقد جزءًا من هيبته… ؛  فكثير من الشباب لم يعد ينظر إلى بعض الخطباء بوصفهم قدوات أخلاقية، بل بوصفهم شخصيات إعلامية تبحث عن الشهرة والجدل… ؛  وهذا من أخطر التحولات؛ لأن سقوط هيبة الخطيب لا يعني سقوط شخصه وحده، بل قد يؤدي إلى اهتزاز ثقة الناس بالمؤسسة الدينية كلها.

ولا يمكن إنكار أن جزءًا من هذه الأزمة يعود إلى تسييس المنبر… ؛  فعندما يصبح الخطيب لسان حال حزب أو دولة أو محور إقليمي، يفقد استقلاله المعنوي، ويتحول الدين إلى أداة في الصراع السياسي… ؛  عندئذٍ تُقاس المواقف بميزان الولاءات، لا بميزان الحق، ويصبح الدفاع عن الخارج أكثر حضورًا من الدفاع عن الإنسان العراقي الذي يعاني الفقر والبطالة والفساد وضعف الخدمات.

إن رجل الدين الذي يهاجم أبناء وطنه، ويكيل لهم أوصاف الخيانة والانحراف، بينما يغض الطرف عن أخطاء القوى التي يؤيدها لأنها تنتمي إلى المحور نفسه، لا يقدم خدمة للدين ولا للوطن، بل يكرس الانقسام ويعمق فقدان الثقة بين المجتمع والمؤسسة الدينية.

والمفارقة أن هؤلاء يرفعون شعارات الدفاع عن المذهب، بينما يقدمون لخصومه أفضل الأدلة على مهاجمته… ؛  فما يسيء إلى المذهب ليس النقد العلمي، وإنما الخطاب المنفلت الذي يتزين بلباس الدين وهو يخالف جوهره… ,  إن من يشتم الناس فوق المنبر، أو يحرض عليهم، أو ينزع عنهم وطنيتهم وإنسانيتهم، لا يدافع عن المقدسات، بل يسيء إليها.

لقد كان الإمام علي بن أبي طالب، وهو المرجعية الأخلاقية الأولى عند المسلمين جميعًا، ينهى أصحابه عن السباب حتى في أوقات الحرب، ويقول: «إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين»… ؛  فإذا كان هذا هو خلق الإمام مع أعدائه في ساحة القتال، فكيف يليق بمن ينتسب إلى مدرسته أن يجعل السباب منهجًا مع أبناء وطنه وشركائه في المجتمع؟!

إن إصلاح المنبر لم يعد قضية دينية فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية… ؛  فالكلمة التي تخرج من فوق المنبر لا تبقى حبيسة الجدران، بل تنتقل إلى البيوت والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وتؤثر في تشكيل وعي المجتمع وسلوكه… ؛  ولذلك فإن إصلاح الخطاب الديني هو في الوقت نفسه إصلاح للثقافة العامة، وحماية للسلم الأهلي، وترسيخ لقيم المواطنة.

ولعل أول خطوة في هذا الإصلاح أن يُعاد الاعتبار إلى الكفاءة العلمية والأخلاقية، وأن تُغلق المنابر أمام كل جاهل ومتاجر بالدين، وأن يُحاسب كل من يحول الدين إلى منصة للكراهية أو وسيلة لتصفية الحسابات السياسية… ؛  فالمنبر ليس ملكًا لأحد، بل هو أمانة في أعناق من يعتليه، وأمانة المجتمع أن يحميه ممن يسيء إليه.

إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تفرق أبناءه، بل إلى خطاب يعيد للمنبر رسالته الأولى: أن يكون مدرسةً للحكمة، ومنبرًا للعدل، وجسرًا بين الناس، لا خندقًا يفصل بينهم… ؛  فالدين الذي حفظه العلماء بالأخلاق والعلم لا يجوز أن يُختزل في صخب الجهال، ولا أن يُترك رهينة لمن يسيئون إليه باسم الدفاع عنه.