الشعب الكردي في إقليم كردستان لماذا نعشق المظاهر ونخشى الحقيقة؟

الشعب الكردي في إقليم كردستان لماذا نعشق المظاهر ونخشى الحقيقة؟

بقلم: يحيى هركي – كاتب وصحفي/ المانيا

حين تتجول في مدن وبلدات كردستان قد تظن للوهلة الأولى أنك أمام مجتمع يعيش بحبوحة مالية لا تُضاهى. أحدث الهواتف المحمولة، سيارات حديثة، منازل مزينة بأفخم الأثاث ملابس من أشهر الماركات العالمية ومناسبات اجتماعية تُنفق فيها مبالغ طائلة وكأن الجميع من أصحاب الملايين.
لكن ما إن تبدأ الحديث مع الناس حتى تسمع قصة مختلفة تماماً: لا توجد رواتب لا توجد فرص عمل الحياة صعبة والديون تثقل كاهل الجميع.
هنا يبرز السؤال الكبير: هل نحن شعب فقير أم شعب غني؟
الحقيقة المؤلمة أن مجتمعنا يعيش حالة غريبة من التناقض. فالفقراء لا يبدون فقراء وأصحاب الدخل المتوسط يتصرفون كالأثرياء أما بعض الأغنياء فيجيدون لعب دور الضحية والفقر أكثر من الفقراء أنفسهم.
ترى شخصاً يقود سيارة يتجاوز سعرها عشرات آلاف الدولارات ويسكن منزلاً جميلاً ويحمل هاتفاً حديثاً لكنه يؤكد لك أنه لا يملك ثمن حاجاته الأساسية. وتسمع آخر يشكو الفقر صباحاً ثم يخبرك مساءً أنه خسر أو أُحتال عليه بمبلغ عشرين أو ثلاثين ألف دولار!
فأي فقر هذا الذي يسمح بخسارة عشرات الآلاف؟
لقد تحولت المظاهر لدى جزء كبير من المجتمع إلى هاجس خطير. كثيرون باتوا مستعدين للاستدانة من أجل سيارة أجمل أو هاتف أحدث أو حفلة أكبر أو عزيمة أكثر تكلفة حتى لو كان ذلك على حساب راحتهم واستقرارهم ومستقبل عائلاتهم.
وأصبحت الديون جزءاً من الحياة اليومية عند البعض بل إن بعض الناس لا يشعر بأي حرج من تراكمها وكأن الاقتراض أسلوب حياة دائم لا استثناء مؤقت.
المؤلم أكثر أن هذا الإنفاق السخي على المظاهر لا يرافقه اهتمام مماثل بالصحة أو جودة الحياة. فكم من شخص ينفق مئات الدولارات على الكماليات لكنه يتردد في إجراء فحص طبي أو شراء غذاء صحي أو ممارسة أسلوب حياة يحميه من الأمراض.
إننا في كثير من الأحيان نعمل لنجمع المال ثم نهدر صحتنا ثم ننفق المال نفسه لاحقاً لاستعادة ما فقدناه من صحة.
ومن خلال تجربتي ومعيشتي في أوروبا أجد فرقاً واضحاً في النظرة إلى الحياة. فهناك لا يُقاس الإنسان بسيارته ولا بهاتفه ولا بثمن ملابسه. الناس يعيشون وفق إمكانياتهم الحقيقية ويبحثون عن الاستقرار النفسي والأمان المالي أكثر من البحث عن إعجاب الآخرين.
في مجتمعات كثيرة لا يخجل الإنسان من أن يعيش ببساطة بينما عندنا يخجل البعض من البساطة أكثر مما يخجل من الديون.
إن استمرار هذه العقلية سيقودنا إلى مزيد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. لذلك نحن بحاجة إلى مراجعة صادقة لأنفسنا قبل فوات الأوان.
ما الذي نحتاجه؟
نحتاج إلى ثقافة تجعل قيمة الإنسان في أخلاقه وعلمه وعمله لا في سيارته وهاتفه.
نحتاج إلى مصارحة أنفسنا بحقيقة أوضاعنا المالية بعيداً عن المبالغة والتظاهر.
نحتاج إلى إعادة الاعتبار للادخار والتخطيط المالي بدلاً من ثقافة الإنفاق الاستعراضي.
نحتاج إلى احترام الناس كما هم لا كما تبدو ممتلكاتهم.
نحتاج إلى الاهتمام بالصحة والتعليم والمستقبل أكثر من الاهتمام بالكماليات المؤقتة.
ونحتاج قبل كل شيء إلى أن نفهم أن الكرامة لا تُشترى بالمظاهر وأن السعادة لا تُقاس بعدد الأشياء التي نملكها بل بقدرتنا على العيش بسلام واستقرار وصدق مع أنفسنا.
لقد آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصراحة:
هل نريد أن نبدو أغنياء أمام الناس؟ أم نريد أن نكون أقوياء ومستقرين فعلاً
او نبني مستقبلًا حقيقيًا لأبنائنا أم نبني صورة مؤقتة لإبهار الآخرين؟
الجواب عن هذا السؤال اتركها للقارئ الكريم.

#الشعب_الكردي
#إقليم_كردستان
#المجتمع_الكردي
#وهم_الثراء
#ثقافة_المظاهر
#الديون
#الوعي_المالي
#الإصلاح_الاجتماعي
#يحيى_هركي