جديد

 المهندس علي خليل العامري… إنجازاتٌ تُدفن فتعود إلى الضوء

حسن هادي

رُوي في الأثر الشريف أن الله تعالى أوحى إلى أحد أنبيائه في سالف الزمان: «إنك ستشاهد في طريقك طشتًا من ذهب، فإذا رأيته فادفنه في الأرض»… ؛  فامتثل النبي لأمر ربه، وما إن رأى الطشت حتى أخفاه تحت التراب… ؛  ثم عاد في اليوم التالي، فإذا بالطشت نفسه قد ظهر من جديد على قارعة الطريق… ,  فدفنه مرة أخرى… ,  وبعد مدة رجع إلى المكان ذاته، فإذا بالطشت قد خرج للمرة الثالثة من باطن الأرض وكأنه يرفض الاختفاء.

وقف النبي متعجبًا وقال: يا رب، كلما دفنته عاد وظهر للناس!

فأوحى الله إليه: «إنها رسالة لك وللمؤمنين من بعدك؛ فكل عمل صالح تُخفونه ابتغاء مرضاتي، وكل خير تُريدون به وجهي وحدي، فإني أتكفل بإظهاره للناس في الوقت الذي أشاء وبالطريقة التي أشاء».

إن هذه الحكاية ليست مجرد موعظة أخلاقية تُروى على المنابر أو تُسرد في كتب التراث، بل هي قانون من قوانين الحياة ؛ فالخير الصادق يشبه الذهب؛ قد يوارى تحت التراب، لكنه لا يصدأ ولا يفقد بريقه، بل لا يلبث أن يخرج إلى النور… ؛ أما الزيف والادعاء فيشبهان طلاءً رخيصًا يلمع لحظات ثم يتقشر وينكشف.

وفي حياتنا العامة كثيرًا ما نشاهد رجالًا يعملون بصمت، يكدحون بعيدًا عن الأضواء، ويُنجزون أعمالًا كبيرة دون أن يعلقوا صورهم على الجدران أو يرفعوا أصواتهم في وسائل الإعلام.

وقد يأتي آخرون في اللحظة الأخيرة لالتقاط الصورة التذكارية أو تصدر المشهد، فيبدو للناس أنهم أصحاب المنجز الحقيقي، بينما ينسحب أصحاب الجهد الفعليون بهدوء، تاركين أعمالهم تتحدث عنهم.

ومن النماذج الحياتية التي تستحضر إلى الذهن قصة «طشت الذهب» الأستاذ علي خليل العامري، نائب محافظ بغداد ومسؤول ملف الخدمات فيها… ؛ فقد عرفه كثيرون من خلال حضوره الميداني ومتابعته المستمرة للمشاريع الخدمية.

كم من ليلة سهر فيها يتابع أعمال إكساء الشوارع وتبليط الأزقة وتأهيل المحلات السكنية، وكم من جهد بُذل في معالجة المشكلات الخدمية التي عانى منها المواطنون سنوات طويلة.

وما إن يكتمل إنجاز مشروع من تلك المشاريع حتى يظهر من يتصدر المشهد، وكأن العمل قد أُنجز بجهده وحده…!

 وفي كثير من الأحيان يُنسى من تابع التفاصيل، ومن تحمل ضغوط التنفيذ، ومن قضى الساعات الطوال بين الدوائر والورش والمواقع الخدمية… ؛ لكن اللافت في شخصية الأستاذ علي العامري أنه لا يبدو منشغلًا بمعارك الأضواء ولا بصراعات نسب الإنجازات؛ فهو ينسحب بهدوء من ملف انتهى إنجازه، لينتقل مباشرة إلى ملف آخر ينتظر الحل.

ولعل ملف المدارس خير مثال على ذلك؛ إذ لم تقتصر جهوده على المتابعة الإدارية، بل امتدت إلى معالجة المشكلات اليومية التي تواجه المؤسسات التربوية، من توفير الكهرباء والسعي إلى تأمين المحولات الكهربائية ومعالجة النواقص الخدمية، في محاولة لتوفير بيئة تعليمية أفضل للطلبة والمعلمين.

وما إن تُحل مشكلة أو يُنجز عمل حتى يُنسب الجهد أحيانًا إلى غير أصحابه، غير أن ذلك لم يدفعه إلى التوقف أو الانفعال، بل واصل عمله الميداني، مستمعًا إلى هموم المواطنين وشكاواهم.

ولا غرابة في هذا السلوك؛ فالإنسان ابن بيئته وتربيته… ؛  ومن ينشأ في أسرة محترمة، ملتزمة بالقيم الدينية والاجتماعية، ومن العوائل البغدادية والعراقية الأصيلة، يترسخ في وجدانه أن الخدمة مسؤولية قبل أن تكون منصبًا، وأن الواجب يُؤدى ابتغاء المصلحة العامة لا بحثًا عن التصفيق والإشادة.

فكان الاستاذ علي العامري خيرَ خلفٍ لخير سلفٍ، يحمل من آبائه وأجداده صفات العزة والتواضع، ويترجمها في مواقفه اليومية التي تذكرنا بأن الإخلاص ليس شعاراً يرفع، بل طريقاً يسلك.

إن ما يفعله الأستاذ علي العامري هو تطبيق عملي لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ)، فهو يعلم أن البناء الحقيقي لا يهدمه لصوص الإنجاز، وأن الحجر الذي يدفن تحت التراب لإرضاء الله، لا بد أن يصبح يوماً قبةً تَزِينُ سماء الوطن. وهكذا تظل هذه الشخصية مثالاً يحتذى، في زمنٍ بات فيه “الظهور” هو المعيار، و”الاختفاء” يُعدّ هزيمة، ليردّ علينا هذا الرجل بأن التواضع ليس ضعفاً، وأن العمل الصامت هو الذي يبني أوطاناً، ويصنع مجداً لا يمحوه سلبٌ ولا نسيان. فتحيةً لكل من يدفن ذهب إنجازه في أرض الله، ليُخرجه له الناس باقةَ احترامٍ لا تذبل.

إن المجتمعات لا تنهض بالضجيج الإعلامي وحده، ولا بالخطابات الرنانة، وإنما تنهض برجال يشبهون ذلك «الطشت الذهبي»؛ قد يحاول البعض دفن جهودهم أو تجاهل أدوارهم أو الاستئثار بثمار أعمالهم، لكن الحقيقة تملك قدرة عجيبة على الخروج إلى السطح… ؛  فالعمل الصادق لا يضيع، والإنجاز الحقيقي لا يمكن أن يبقى مدفونًا إلى الأبد.

إن الذهب يبقى ذهبًا وإن غُطي بالتراب، والخير يبقى خيرًا وإن جُحد أصحابه، والناس قد تخطئ في التقدير حينًا، لكنها مع مرور الوقت تُدرك من الذي صنع الإنجاز ومن الذي اكتفى بالوقوف أمام عدسات التصوير… ,  وتلك سنة من سنن الحياة: أن الأعمال المخلصة، مهما أُخفيت، لا بد أن تخرج يومًا إلى الضوء، تمامًا كما خرج «طشت الذهب» من تحت التراب ثلاث مرات.