خيوط التواطؤ من فيشي إلى واشنطن
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
#تفكيك “الاتفاق الإطاري” وأقنعة السيادة المفقودة
تتسارع التطورات الجيوسياسية في المنطقة، لتكشف عن محاولات أمريكية حثيثة للالتفاف على التزاماتها الإقليمية، والتنصل من الاتفاق مع طهران، لا سيما بند وقف العمليات العدائية في لبنان.
وفي هذا السياق، جاء الضغط الأمريكي المكثف لإنجاز “الإتفاق الإطاري” الثلاثي في واشنطن بتاريخ 26 حزيران/يونيو 2026، كساحة مكشوفة لتقاسم الأدوار بين ترامب ونتنياهو.
#إختلال التمثيل الدبلوماسي وقسم الولاء المزدوج
شكل توقيع الإتفاق من الجانب اللبناني عبر سفيرة لبنان في واشنطن، ندى حمادة معوض، سقطة قانونية وسيادية بالغة الحساسية. فالسفيرة تحمل الجنسيتين اللبنانية والأمريكية، وهي بموجب قسم الولاء الأمريكي ملزمة قانونياً باتباع أوامر وزارة الخارجية الأمريكية وتنفيذ سياستها، حتى وإن تضاربت كلياً مع المصالح الوطنية لبلدها الأم.
هذا التضارب يحول التفاوض إلى عملية تجري بين طرف واحد عملياً؛ حيث يمثل الشريك الأمريكي والوسيط والوكيل اللبناني جبهة موحدة تنفذ الإرادة الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة.
#المستور المكتشف:
#بنود الإذعان وفرحة الاحتلال
لم تدم التبريرات الدبلوماسية طويلاً؛ إذ كشفت تصريحات نتنياهو، ووزير دفاعه كاتس، عن فرحة عارمة، عكست حقيقة البنود الكارثية للإتفاق، التي تشرعن تفكيك السيادة والإحتلال طويل الأمد.
#شرعنة الاحتلال اللانهائي:
بقاء قوات الاحتلال في جنوب لبنان لأجل غير مسمى وربط إنسحابها بشروط تعجيزية، كسحب سلاح المقاومة في ظل وجود الإحتلال، مما يمثل تخليًا صريحاً عن جزء من مساحة لبنان للعدو، خلافاً للمادة الثانية من الدستور اللبناني التي تحظر التنازل عن أي شبر من الأرض.
#التنازل عن حق العودة:
التنازل الضمني عن حق عودة المهجرين قسرًا إلى قراهم الجنوبية التي تعرضت لتدمير كلي ممنهج في مناطق تواجد الاحتلال، وهو ما يمثل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بموجب القوانين الدولية.
#سحب سلاح المقاومة:
فرض نزع سلاح المقاومة كلياً دون تحديد وتسمية الجهة التي ستقوم بهذا الإجراء الأمني المعقد على مستوى البلاد.
#إستباحة الأجواء والأراضي:
إعطاء قوات الإحتلال حرية الحركة العسكرية المطلقة، لضرب وإزالة أي تهديد أمني، في كافة أنحاء لبنان بحسب تصريحات كاتس.
ولنقارن ما فعلتسلطة فيشي الفرنسية:
النموذج التاريخي للعمالة
يعيد هذا المشهد إلى الأذهان حقبة “حكومة فيشي” الفرنسية (1940-1944) التي قادها المارشال بيتان، عقب الهزيمة السريعة أمام ألمانيا النازية.
فقد أسست فيشي نظاماً شمولياً قمعياً لم يقتصر على الرضوخ السلبي، بل تبنى عمالة نشطة، وتنسيقًا أمنيًا وتجسسيًا دقيقًا، لملاحقة حركات المقاومة الوطنية.
وتكلل هذا التواطؤ، بتوقيع إتفاقيات “بوسكي-أوبيرغ” في صيف 1942، لمأسسة التعاون الاستخباراتي والعملياتي، بين الشرطة الفرنسية والغستابو.
كما أنشأ النظام “الميليشيا الفرنسية” الفاشية بقيادة جوزيف دارناند، لتعقب المقاومين وتصفيتهم ميدانياً.
واستخدم الإحتلال الألماني شبكات وشاية واسعة، ضمت مخبرين محليين، لتفكيك خلايا المقاومة الفرنسية، مثل خيانة جان مولان في بلدة كالوير عام 1943.
فبموجب القانون الدولي، فإن أي تفاهم يتم انتزاعه تحت وطأة الإكراه العسكري والضغط على حكومة محتلة هو جريمة ترقى لجرائم الحرب، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني للمحتل سوى مغادرة الأراضي المحتلة دون قيد أو شرط.
وكان مصير قادة فيشي بعد التحرير محاكمات التطهير القانوني، والإعدام بتهمة الخيانة العظمى.
#جدول مقارنة الأنماط السياسية والقمعية
وجه المقارنة | سلطة فيشي الفرنسية (1940-1944) |
الاتفاق الإطاري اللبناني (2026)
| — | — | — |
#السيادة الإقليمية | التنازل عن أراضٍ فرنسية للسيطرة الألمانية | تثبيت الاحتلال الإسرائيلي لأجل غير مسمى بالجنوب
#إستهداف المقاومة |تفكيك المقاومة وملاحقة قادتها كجان مولان | حظر المقاومة ونزع سلاحها كلياً دون تحديد منفذ
#حرية حركة المحتل | استباحة الغستابو للأراضي والمدن الفرنسية | منح إسرائيل حرية الحركة لإزالة التهديد بكل لبنان
#حقوق المواطنين | تهجير وترحيل الآلاف قسراً لمعسكرات الموت | سلب حق عودة المهجرين قسراً لقراهم المدمرة
#المآل والقصاص | محاكمات التطهير الرسمي وإعدام قادة العمالة | المحاسبة والرفض لخرق الدستور والبيان الوزاري
إن استحضار نموذج “فيشي” وتشبيه السلطة الحالية بها، يؤكد أن الرضوخ لإملاءات الخارج تحت حراب الإكراه لا يساوي الحبر الذي كُتب به، وسيبقى باطلاً دستورياً وشعبياً.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
28 حزيران/يونيو 2026