شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي
مقولة الحلاج: «رأيتُ اللهَ بعينِ قلبي، فقلتُ: مَن أنت؟ قال: أنت» من العبارات الصوفية المكثفة التي تعبّر عن ذروة تجربة الفناء في التوحيد، لكن ينبغي فهمها عرفانيًا لا حرفيًا.
1. «رأيت الله بعين قلبي»
الحلاج لا يتحدث عن رؤية بصرية حسية؛ فـ«عين القلب» عند الصوفية هي البصيرة أو القلب المتطهر الذي يدرك الحقيقة الإلهية إدراكًا ذوقيًا.
فالرؤية هنا ليست رؤية ذات الله في صورة أو هيئة، وإنما هي انكشاف أثر الحق وحضوره في الوجود، حتى يصبح الحجاب بين العارف وبين الحقيقة الإلهية في تجربته الروحية في غاية الرقة.
وهذا قريب من التمييز الصوفي بين علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين: فالمعرفة لا تبقى مجرد معرفة ذهنية، بل تتحول إلى تجربة وجودية.
2. «فقلت: من أنت؟»
السؤال هنا يبدو لأول وهلة سؤالًا عن هوية الله، لكنه في القراءة العرفانية أعمق من ذلك.
فالعارف عندما يبلغ حالة الكشف يسأل: من المخاطِب ومن المخاطَب؟ أين تنتهي ذاتي وأين يبدأ حضور الحق؟
وهنا يبدأ التحول من الثنائية:
أنا ← الله
إلى تجربة يتراجع فيها الشعور بالـ«أنا» المستقلة.
3. «قال: أنت»
هذه هي العبارة الأكثر إثارة للجدل.
لا يعني الحلاج، في القراءة الصوفية الدقيقة، أن الإنسان هو الله من حيث الذات والجوهر؛ فهذا فهم حلولـي أو اتحادي لا يلزم من العبارة.
المقصود أقرب إلى أن «الأنا» التي يظن الإنسان أنها مستقلة عن الله تنهار في مقام الفناء.
أي أن الحلاج لا يقول:
الإنسان = الله
بل إن التجربة الصوفية تقول:
عندما تفنى «أنا» العارف، لا يبقى في وعيه إلا حضور الحق.
ومن هنا تصبح عبارة «أنت» مفارقة لغوية شديدة العمق: فحين يبحث العارف عن «أنا» مستقلة، يجد أن هذه الأنا لا تقوم بذاتها، وأن وجودها مفتقر في كل لحظة إلى الحق.
4. المفارقة الصوفية
يمكن تلخيص التجربة هكذا:
في البداية:
أنا أرى الله.
ثم:
أنا أقترب من الله.
ثم:
أنا أفنى عن نفسي.
وفي مقام الفناء:
لا أرى لنفسي استقلالًا عن الحق.
وهنا نفهم لماذا كان خطاب الحلاج شديد الخطورة بالنسبة إلى القراءة الكلامية الحرفية؛ لأن اللغة في شهود الحق، لا بوصفها تقريرًا عقائديًا بأن الحلاج هو الله.
5. البعد الفلسفي للمقولة
المقولة تطرحالصوفية تحاول التعبير عن تجربة تتجاوز اللغة الثنائية.
ولهذا ترتبط هذه العبارة بمقولته الأشهر:
«أنا الحق»
التي يمكن قراءتها عرفانيًا بوصفها تعبيرًا عن فناء الأنا البشرية سؤالًا بالغ العمق حول حدود الأنا:
إذا كانت «الأنا» التي أقول عنها «أنا» ليست مستقلة بذاتها، وإذا كان وجودها قائمًا بالحق، فماذا يبقى من الأنا عندما يسقط شعورها بالاستقلال؟
هنا يتحول التصوف من سؤال:
«أين الله؟»
إلى سؤال أكثر جذرية:
«من أنا؟»
ومن هنا يمكن قراءة الحلاج ضمن مسار صوفي يجعل معرفة النفس طريقًا إلى معرفة الحق، مع بقاء الفرق بين الخالق والمخلوق محفوظًا في القراءة السنية غير الحلولية.
إذن فجوهر المقولة:
الحلاج لا يريد أن يقول إن الله هو الإنسان، وإنما يريد أن يقول إن العارف، حين يبلغ مقام الفناء، يفقد الإحساس بأناه المستقلة، فيصبح شهوده للحق هو الغالب على شهوده لنفسه.
وهنا تكمن المفارقة: حين بحث الحلاج عن «هو»، ذابت «أنا»؛ وحين ذابت «أنا»، لم يعد السؤال عن «هو» منفصلًا عن تجربة الحضور .