لا وطن ينهض بالتبعية: في الدفاع عن الهوية الوطنية العراقية

رياض سعد

لا ينهض وطنٌ ما لم ينهض المواطن، ولا ينهض المواطن ما لم يؤمن بأن وطنه هو مرجعيته العليا، وأن الدولة التي ينتمي إليها ليست مجرد بقعة جغرافية، بل إطارٌ جامعٌ لهويته وحقوقه وكرامته ومستقبل أبنائه… ؛ وكذلك لا ينهض المواطن إذا استسلم للجهل، أو أغرق نفسه في الفساد، أو جعل ولاءه للخارج فوق ولائه لوطنه… ؛  فالدول لا تُبنى بالإسمنت وحده، ولا بالجيوش وحدها، ولا بالثروات وحدها، وإنما تُبنى أولًا بالإنسان الذي يدرك أن الدفاع عن وطنه دفاعٌ عن نفسه، وأن سقوط الدولة هو سقوطٌ للجميع.

ولذلك فإن أخطر ما يواجه الأمم ليس دائمًا الغزو الخارجي، بل انهيار مناعة المجتمع من الداخل… , فحين يفقد المواطن ثقته بوطنه، أو يقدم الولاءات الخارجية على المصلحة الوطنية، أو يستهين بسيادة دولته، يصبح المجتمع أكثر قابلية للاختراق، وتتحول الدولة إلى ساحة مفتوحة تتنازعها الإرادات الأجنبية والمصالح المتعارضة.

لقد أثبت التاريخ أن القوى الخارجية لم تكن قادرة على فرض نفوذها في أي بلد إلا عندما تجد في الداخل من يمنحها الشرعية أو يسهل لها الطريق… ؛ ولهذا فإن التبعية السياسية، والارتهان للخارج، والفساد، والخيانة، ليست مجرد أخطاء سياسية، بل هي عوامل تقوض الدولة من أساسها، لأنها تنقل مركز القرار من الداخل إلى الخارج، وتجعل مصلحة الوطن تابعة لمصالح الآخرين.

إن الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا قصيدة تُلقى في الاحتفالات، وإنما هي سلوك يومي، يبدأ باحترام القانون، وينتهي بالدفاع عن سيادة الدولة وثرواتها وحدودها ومؤسساتها… ؛ فالمواطن الوطني هو الذي يختلف مع حكومته إذا أخطأت، لكنه لا يختلف مع وطنه، وينتقد السلطة، لكنه لا يساوم على سيادة بلده، ويعارض السياسات، لكنه لا يجعل من العراق مجرد ورقة في صراعات الآخرين.

ومن هنا يجب التمييز بين معارضة السلطة ومعاداة الدولة… ؛  فالسلطات تتغير، أما الوطن فيبقى… ؛ والحكومات تذهب وتأتي، أما العراق فهو التاريخ والجغرافيا والناس والحضارة… ,  لذلك فإن تحويل الخلاف السياسي إلى استخفاف بالدولة أو تشكيك بشرعيتها أو الدعوة إلى إضعافها لا يخدم الإصلاح، بل يفتح الأبواب أمام مزيد من الانقسام والتدخل الخارجي.

إن بعض الخطابات السياسية والإعلامية لا تكتفي بانتقاد الأداء الحكومي، بل تتجاوز ذلك إلى التقليل من قيمة الدولة العراقية، أو تصوير حدودها وسيادتها وكأنها أمر ثانوي، أو تبرير الارتهان لقوى خارجية بذرائع أيديولوجية أو دينية أو قومية… ؛ وهذه النزعة، مهما اختلفت شعاراتها، تشترك في نتيجة واحدة: إضعاف مفهوم الدولة والهوية الوطنية.

وقد عرف العراق عبر تاريخه الحديث أثمانًا باهظة دفعتها أجيال متعاقبة نتيجة تغليب المشاريع العابرة للحدود على المصلحة الوطنية… ؛ فكل مشروع يطلب من العراقي أن يقدم ولاءه لغير العراق، أو يجعل ثروات العراق وأرضه وقراره السياسي جزءًا من حسابات خارجية، هو مشروع ينتقص من السيادة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.

إن العراق ليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا ممرًا للمشاريع المتنافسة، ولا خزانًا مفتوحًا لثروات الآخرين… ؛  إنه وطن له شعبه، وله حقه في أن تُسخر موارده أولًا لتنمية الإنسان العراقي، وتطوير التعليم والصحة والاقتصاد والبنية التحتية، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.

ومن هنا، فإن معالجة الأفكار الهدامة لا تكون بالإقصاء، وإنما بالحوار، والتعليم، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز الانتماء للعراق بوصفه وطنًا جامعًا لجميع مواطنيه المتساوين أمام القانون، مع محاسبة كل من يرتكب أفعالًا تُشكّل خيانة للدستور أو تعاونًا غير مشروع مع جهات أجنبية وفق الإجراءات القضائية العادلة.

لقد بلغ الاستهتار عند بعض الأصوات حدّ السخرية من العراق، والاستخفاف بمؤسساته، وتقديم مصالح دول أخرى على مصلحة الشعب العراقي، تحت ذرائع سياسية أو أيديولوجية مختلفة… ؛ إن حرية التعبير لا تعني شرعنة التحريض على الكراهية أو تقويض سيادة الدولة.

لذلك، فإن العراق بحاجة إلى تشريعات واضحة تحمي رموزه الوطنية، وتحفظ هيبته وسيادته، وتجرّم كل فعل يثبت قانونًا أنه يهدف إلى الإضرار باستقلال البلاد أو التعاون مع جهات معادية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق المواطنين في النقد السلمي والمسؤول.

ومن هنا فإن حماية الهوية الوطنية لا تقل أهمية عن حماية الحدود، لأن الحدود قد تُرسم على الخرائط، أما الهوية الوطنية فتُبنى في الوعي.. , وإذا انهارت الهوية الجامعة، تحولت الدولة إلى جماعات متناحرة، لكل جماعة مرجعيتها الخاصة، وحساباتها الخاصة، وولاءاتها الخاصة، وعندها يصبح الوطن مجرد اسم، لا مشروعًا جامعًا.

ولهذا فإن الدولة مطالبة بأن ترسخ ثقافة المواطنة، وأن تربي الأجيال على أن الانتماء الأول هو للعراق، وأن القانون فوق الجميع، وأن الثروة الوطنية ملك لجميع العراقيين، وأن الوظيفة العامة مسؤولية لا غنيمة، وأن الخلاف السياسي لا يجوز أن يتحول إلى استقواء بالخارج أو تفريط بالسيادة.

كما أن من حق الدولة، في إطار الدستور وسيادة القانون، أن تجرّم الأفعال التي تمثل تعاونًا مع جهات أجنبية للإضرار بأمن البلاد أو استقلالها أو مؤسساتها، وأن تكافح الفساد، والتمويل غير المشروع، وكل ممارسة تجعل القرار الوطني رهينة لمصالح خارجية.. , فحماية السيادة ليست اعتداءً على الحريات، بل هي من أهم واجبات الدولة الحديثة.

إن مكافحة الفساد، وتطبيق العدالة، وتعزيز الشفافية، وإقرار مبدأ «من أين لك هذا؟»، كلها خطوات أساسية في بناء الدولة، لكنها لا تكتمل إلا ببناء وعي وطني يجعل مصلحة العراق فوق كل اعتبار، ويحصن المجتمع من ثقافة التبعية والارتهان.

فالوطن لا يُقاس بكثرة الشعارات، بل بصدق الانتماء إليه.. , والدولة لا تقوى إلا عندما يشعر مواطنوها أن اختلافاتهم السياسية أو الفكرية لا تلغي حقيقة أنهم يشتركون في أرض واحدة، ومستقبل واحد، ومصير واحد.

إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للمواطنة، ويجعل الكفاءة والنزاهة والعمل أساسًا لبناء الدولة، ويؤكد أن ثروات العراق ينبغي أن تكون أولًا لخدمة العراقيين جميعًا، وأن سيادته ليست محل مساومة، وأن استقلال قراره هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية.

فالأوطان لا تبنيها التبعية، ولا تصنعها العمالة، ولا يحميها الارتهان للخارج ، وإنما يبنيها مواطنون أحرار، يؤمنون بأن العراق ليس مجرد مكان يعيشون فيه، بل قضية يحملونها، ومسؤولية يورثونها للأجيال القادمة.