أبناء المحسوبيات والذوات … وأبناء الخنادق والجبهات

رياض سعد

الفصل الأول: وليمة الوداع

كان صيف عام 1987 ثقيلاً كأنه لا يريد أن ينتهي.. لم تكن الشمس وحدها تحرق بغداد، بل كانت الحرب أيضاً.. كانت المدينة تعيش ازدواجيةً غريبة؛ المقاهي مكتظة بالمصريين والسودانيين ، والأسواق تضج بالغرباء والاجانب ، والأطفال  واليتامى يركضون في الأزقة، لكن خلف كل نافذة كانت أمٌّ تخفي دمعة، وأبٌ يحدق في باب الدار كأنه ينتظر خبراً يخشاه أكثر مما يرجوه.

كنتُ يومها في الثالثة والعشرين من عمري.

اسمي سالم الجبوري.

ولم يكن ينقصني من الدنيا سوى حياةٍ عادية، وظيفة متواضعة، وامرأة أحبها، وبيت صغير لا تدخله صفارات الإنذار..  لكن الوطن كان يكتب لنا سيرةً أخرى، سيرةً لا يسأل فيها أحدٌ عن رغبات الشباب، بل عن قدرتهم على حمل البندقية.

حين وصلت ورقة الالتحاق بالخدمة العسكرية، بقيت أحدق فيها طويلاً.

لم أبكِ.

ولم أغضب.

كل ما شعرت به أن اسمي لم يعد ملكي، وأن السنوات القادمة أصبحت ملكاً للحرب.

في تلك الليلة، دخلت أمي الغرفة بهدوء.. وضعت كوب الشاي أمامي وجلست قبالتي.

قالت وهي تتجنب النظر في عيني:

ـ متى ستذهب؟

أجبتها بصوت خافت:

ـ بعد ثلاثة أيام.

هزت رأسها، ثم قامت قبل أن تنطق بكلمة أخرى.

كنت أعرف أنها ذهبت لتبكي بعيداً عني.

في مساء اليوم التالي، جاءني صديقي قاسم الدليمي.

كان يحمل ابتسامةً واسعة، لكنها بدت لي مصطنعة.

قال:

ـ الليلة أنت ضيفي.

ابتسمت.

ـ وليمة وداع؟

رد بسرعة:

ـ بل وليمة نجاة… إن شاء الله.

لم أفهم قصده، لكنه رفض أن يشرح أكثر.

كان منزل قاسم في حي شعبي قديم.. وما إن دخلته حتى فوجئت بأن المائدة كانت تضم رجالاً لا أعرف معظمهم.

كان بينهم رجل خمسيني عريض الكتفين، تتدلى سبحة من يده اليمنى، ويدخن سيجارة تلو أخرى بصمت.

همس قاسم في أذني:

ـ هذا أبو ياسر الخزرجي… إذا قال لك: لا تقلق… فصدق.

جلست وأنا أشعر بأنني دخلت اجتماعاً أكثر منه مأدبة.

بدأ الحديث عن الحرب.

لم يتحدث أحد عن النصر.

ولا عن البطولة.

ولا عن الوطن.

كان الجميع يتحدث عن شيء واحد…

كيف ينجو الإنسان من الجبهة؟

قال رجل أصلع:

ـ ابن أخي نقلوه إلى وحدة تموين لأنه يعرف عميداً في الوزارة.

ورد آخر:

ـ وجارنا صار كاتباً في القيادة لأن خاله صديق لواء.

ضحك ثالث وقال:

ـ اليوم لا تسأل: ماذا تعرف؟ بل اسأل: من تعرف؟

ساد صمت قصير.

ثم نظر أبو ياسر إليّ.

ـ أنت سالم؟

ـ نعم.

ـ سمعت أنك شاب مهذب.

ابتسمت بخجل.

قال وهو ينفث دخان سيجارته:

ـ والمهذبون هم أول من تأكلهم الحروب.

لم أعرف ماذا أقول.

اقترب مني أكثر.

ـ هل عندك واسطة؟

هززت رأسي بالنفي.

ابتسم بأسى.

ـ إذن أنت ذاهب إلى الخطوط الأمامية.

شعرت بأن الجملة سقطت فوق صدري كصخرة.

تدخل قاسم بسرعة:

ـ لهذا السبب جمعتكم الليلة.

أريد أن تساعدوا سالم.

أريده أن يعود إلينا حياً.

نظر الرجال إلى بعضهم.

قال أحدهم:

ـ رئيس أركان الجيش يستطيع أن ينقله إلى وحدة خلفية.

هز أبو ياسر رأسه ساخراً.

ـ أحياناً… هناك من هو أقوى من رئيس الأركان نفسه.

التفتُّ إليه.

ـ كيف؟

قال بثقة:

ـ لأن السلطة ليست دائماً في المكاتب.

قلت متعجباً:

ـ ومن يكون؟

ابتسم، لكنه لم يجب مباشرة.

أشعل سيجارة جديدة، وراح يراقب الدخان وهو يصعد نحو السقف.

ثم قال بهدوء:

ـ ستعرف في الوقت المناسب.

بعد منتصف الليل، غادر الضيوف واحداً بعد آخر.

بقيت مع قاسم وحدنا في الحديقة.

قلت له:

ـ ماذا يقصد أبو ياسر؟

تنهد طويلاً.

ـ سالم… هل تعلم ما هو أسوأ من الحرب؟

ـ ما هو؟

ـ أن تكتشف أن حياة الإنسان قد تتوقف على هاتف، أو معرفة، أو باب يفتحه شخص نافذ..

سكت قليلاً، ثم أردف:

ـ في هذا الزمن، لم يعد الجميع متساوين أمام الموت.

كان القمر يعلو فوق بغداد، لكنني شعرت للمرة الأولى أن الليل أشد ظلمة من المعتاد.

عدت إلى البيت قبيل الفجر.

وضعت رأسي على الوسادة، لكن النوم هرب من عيني.

كنت أفكر في سؤال واحد فقط:

هل سأكون رقماً جديداً في قوائم القتلى… أم أن للقدر باباً آخر لم أره بعد؟

ولم أكن أعلم أن تلك الوليمة، التي بدت في ظاهرها مجرد عشاء وداع، ستكون بداية الرحلة التي ستغيّر حياتي كلها، وتكشف لي أن أخطر المعارك لا تُخاض دائماً في الجبهة… بل قد تبدأ حول مائدة طعام، وبين همسات رجال يبحثون عن نجاةٍ لا يملكها أحد.

الفصل الثاني: أبواب النفوذ

لم يكد الفجر يطلع حتى كان سالم الجبوري مستيقظاً.. لم ينم إلا دقائق متقطعة، وكانت كلما أغمض عينيه رأى نفسه يسير في صحراءٍ لا نهاية لها، بينما أصوات المدافع تقترب منه أكثر فأكثر.

خرج إلى باحة المنزل، فوجد والده، الحاج عبد الكريم، يجلس على كرسي خشبي قديم يحتسي الشاي بصمت.

رفع الأب رأسه وقال:

ـ لم تنم؟

ابتسم سالم ابتسامة شاحبة.

ـ وهل ينام من يعرف أن مستقبله أصبح في يد الحرب؟

ظل الأب صامتاً لحظة، ثم قال بصوت خافت:

ـ يا بني… لقد عشتُ انقلابات وثورات، لكنني لم أرَ زمناً صار فيه الإنسان يبحث عن واسطة لينجو من الموت..

بعد الظهر، جاء قاسم الدليمي مسرعاً.

ـ هيا… أبو ياسر ينتظرنا.

استقلا سيارة أجرة عتيقة، وظل السائق يشكو من غلاء المعيشة وظروف الحرب ، بينما كانت صور الرئيس صدام  تملأ الجدران، وكأن المدينة تحاول إقناع نفسها بأن كل شيء بخير.

توقفا أمام بيت واسع في أحد أحياء بغداد الهادئة.

استقبلهما أبو ياسر الخزرجي بوجهه الهادئ.

قال:

ـ اليوم ستتعرفان إلى رجل لا يظهر اسمه في الصحف، لكنه يفتح أبواباً كثيرة.

دخل رجل أنيق في الخمسين من عمره، عرّفه أبو ياسر قائلاً:

ـ هذا كامل السامرائي.

لم يكن ضابطاً، ولم يكن وزيراً، لكنه كان يعرف الجميع، أو هكذا بدا.

ابتسم كامل وقال لسالم:

ـ سمعت أنك شاب محترم.

أجاب سالم:

ـ أحاول أن أكون كذلك.

ضحك الرجل.

ـ لا… في هذا الزمن لا يكفي أن تكون محترماً، بل يجب أن تعرف كيف تبقى حياً.

نظر سالم إليه طويلاً.

ـ وهل الحياة تُشترى؟

أجاب كامل وهو يشرب الشاي:

ـ أحياناً… تُشترى بمعرفة شخص واحد.

سادت لحظة صمت.

ثم قال كامل:

ـ هناك نوعان من الجنود.

الأول يذهب حيث تأمره الورقة.

والثاني تغيّر ورقة واحدة مصيره كله.

سأل سالم:

ـ وما الفرق بينهما؟

أجاب الرجل:

ـ الفرق… اسم يعرفه ضابط، أو هاتف يرن في الوقت المناسب.

خفض سالم رأسه.

ـ وماذا عن الذين لا يملكون أحداً؟

تنهد كامل.

ـ أولئك هم الذين تمتلئ بهم المقابر وارض الحرام .

في طريق العودة، قال قاسم:

ـ هل غضبت من كلامه؟

قال سالم:

ـ لا…

ثم أكمل بعد صمت طويل:

ـ لكنني شعرت أن الوطن صار طبقتين.

طبقة تموت…

وطبقة تعرف كيف تؤجل الموت.

بعد يومين، دخل سالم بوابة المعسكر.

كان مئات الشبان يقفون في طابور طويل، يحمل كل واحد منهم حقيبة صغيرة ووجهاً أكبر من عمره.

تعرف هناك إلى حسين اللامي، شاب من العمارة، كان يحتفظ في جيبه بصورة طفلته الصغيرة.

قال حسين وهو يناوله الصورة:

ـ هذه زهراء…

لم تكمل عامها الثاني.

أخاف أن تذهب إلى المدرسة يوماً ولا تجد أباها.

ابتلع سالم غصته.

ثم صافحه بقوة.

وفي آخر النهار، جلسا بجوار جندي أربعيني كث الشاربين يدعى جبار الساعدي.

كان جبار يراقب الجنود الجدد بعينين متعبتين.

قال ساخراً:

ـ أنتم ما زلتم تحسبون أن الخطر يبدأ عند الجبهة.

سأله سالم:

ـ وأين يبدأ إذن؟

أجاب وهو ينظر إلى مبنى القيادة:

ـ هناك…

حين يكتب أحدهم اسمك في قائمة، ويشطب اسم آخر لأن هاتفاً رن قبل دقائق.

ساد الصمت.

ولم يعد أحد يجد ما يقوله.

كان كل واحد منهم يدرك أن الحرب ليست مجرد مواجهة مع عدو بعيد، بل مواجهة يومية مع الخوف، ومع نظامٍ قد يغيّر مصير الإنسان بقرار واحد.

وفي تلك الليلة، بينما كان سالم يتمدد على سريره الحديدي، سمع أحد الجنود يهمس:

ـ غداً ستُعلَّق أول قائمة…

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد أحد ينتظر الصباح بشوق، بل بخوف.

الفصل الثالث: القائمة الأولى

لم يكن صباح المعسكر يشبه أي صباح عرفه سالم الجبوري من قبل.

قبل أن تشرق الشمس، دوى صوت الصفارة الحاد، فتدافع الجنود خارج القاعات الإسمنتية كأنهم قطيع أيقظه الرعب قبل أن يوقظه الواجب.

وقف الرقيب نعيم الكرخي في وسط الساحة، وصاح بصوت أجش:

ـ خمس دقائق… وأريد الجميع في الطابور.

كان الجنود يركضون وهم يرتدون أحذيتهم على عجل، بينما كانت الوجوه شاحبة، وكأن أحداً أخبرهم سلفاً أن هذا اليوم لن يكون عادياً.

همس حسين اللامي وهو يقف بجانب سالم:

ـ اليوم ستُعلَّق القائمة.

لم يجبه سالم.

كان قلبه يخفق بعنف حتى خُيل إليه أن من يقف بجانبه يسمع دقاته.

بعد انتهاء التدريب الصباحي، بدأت الأعين تتجه نحو لوحة الإعلانات.

لم تكن اللوحة كبيرة، لكنها كانت تكفي لتغيير مصير عشرات الرجال.

خرج الملازم أول رائد التكريتي حاملاً ورقة مطوية.

توقف أمام اللوحة.

ثبتها بدبوسين.

ثم غادر دون أن ينطق بكلمة.

في لحظة واحدة اندفع الجنود نحوها.

أصوات متداخلة…

ـ اسمي موجود؟

ـ انظر هنا…

ـ لا… اقرأ مرة أخرى…

ـ الحمد لله…

ـ يا ساتر…

شق سالم طريقه بصعوبة.

وقعت عيناه على الأسماء.

الأول…

الثاني…

الثالث…

ثم…

حسين اللامي.

التفت سالم بسرعة.

كان حسين يقف خلفه.

نظر إليه بعينين مرتجفتين.

قال بصوت مبحوح:

ـ وجدته؟

لم يستطع سالم أن يكذب.

خفض رأسه.

فهم حسين كل شيء.

ابتسم ابتسامة صغيرة لا تشبه الابتسام.

ثم قال:

ـ كنت أعرف.

في تلك الليلة، لم يتناول حسين طعامه.

جلس وحده في زاوية القاعة ينظر إلى صورة طفلته.

اقترب منه سالم.

ـ لا تفقد الأمل.

ابتسم حسين بحزن.

ـ أتدري ما يؤلمني؟

ـ ماذا؟

ـ أن ابنتي لن تتذكر ملامحي إن مت.

ظل سالم صامتاً.

ثم أخرج حسين ورقة من جيبه.

ـ إذا لم أعد…

أوصل هذه الرسالة إلى زوجتي.

ارتجفت يد سالم.

ـ ستعود بنفسك.

هز حسين رأسه.

ـ في الحرب…

كل واحد يدعي أنه سيعود.

لكن القطار لا يرجع بكل ركابه.

في زاوية أخرى من القاعة، كان جبار الساعدي يشعل سيجارة.

قال وهو ينفث دخانها:

ـ لا تنظروا إلى القائمة فقط…

انظروا إلى الأسماء التي لم تُكتب.

سأله أحد الجنود:

ـ ماذا تقصد؟

قال:

ـ هناك من كان اسمه في أعلى الورقة…

ثم اختفى قبل تعليقها.

ـ لماذا؟

ضحك جبار ضحكة مرة.

ـ لأن هاتفاً رن.

ساد الصمت.

ثم أضاف:

ـ هنا لا ينجو دائماً الأشجع…

بل الأوفر حظاً، أو الأكثر معرفةً بالوجوه التي تفتح الأبواب.

بعد أيام، لاحظ سالم أمراً غريباً.

بعض الجنود، الذين كانوا يستعدون للذهاب إلى الجبهة، اختفوا فجأة من القوائم.

وحل محلهم آخرون.

كان الجميع يعرف أن شيئاً يحدث.

لكن أحداً لا يجرؤ على السؤال.

وفي إحدى الأمسيات، اقترب سالم من جبار.

ـ هل كل ما يقال عن الوساطات صحيح؟

نظر إليه جبار طويلاً.

ثم قال:

ـ يا سالم…

حين تطول الحروب، لا يتغير الناس فقط…

تتغير الأخلاق أيضاً.

يصبح الخوف تجارة.

وتصبح المعرفة عملة.

ويصبح الموت وظيفةً تبحث عن موظفين.

في تلك الليلة، لم ينم سالم.

كان يفكر في حسين.

وفي أمه.

وفي أبيه.

وفي بغداد.

وسأل نفسه سؤالاً ظل يطارده حتى الفجر:

هل الوطن هو الأرض التي نموت من أجلها… أم العدالة التي تجعل الموت يتساوى بين الجميع؟

لم يجد جواباً.

وكانت صفارة الصباح قد بدأت تعلن يوماً جديداً، وقائمةً جديدة، وخوفاً جديداً.

الفصل الرابع: الطريق إلى المجهول

مرّت الأيام في المعسكر بطيئةً وثقيلة، كأن الزمن نفسه كان يرتدي بدلة عسكرية ويحمل بندقية.

كان سالم الجبوري قد اعتاد على أصوات الأوامر، وصراخ المدربين، ورائحة الغبار التي تلتصق بالملابس والوجوه.. لكنه لم يعتدِ على شيء واحد…

ذلك الشعور الغامض بأن الإنسان قد يصبح رقماً في لحظة واحدة.

كان يرى الجنود في الصباح يضحكون ويتبادلون النكات، ثم في المساء يجلسون صامتين، كل واحد منهم غارق في عالمه الخاص.

بعضهم يكتب رسالة إلى أمه.

بعضهم يحدق في صورة زوجته.

وبعضهم يخبئ خوفه خلف ضحكة عالية.

أما حسين اللامي، فكان أكثرهم صمتاً.

منذ صدور اسمه في القائمة، تغير شيء في داخله.

لم يعد يتحدث عن المستقبل.

لم يعد يقول: “حين أعود سأفعل…”

بل صار يقول:

“إذا عدت…”

وكان سالم يلاحظ الفرق بين الكلمتين.

فكلمة “حين” تحمل يقيناً.

أما كلمة “إذا” فتحمل خوفاً لا يريد الإنسان الاعتراف به.

في إحدى الليالي، جلس الثلاثة: سالم، حسين، وجبار الساعدي، خلف المبنى القديم للسرية.

كانت السماء صافية، والنجوم كثيرة، لكن أحداً لم يكن قادراً على الاستمتاع بجمالها.

قال حسين:

ـ هل فكرتما يوماً لماذا يكون الفقراء دائماً في الصف الأول؟

نظر إليه سالم.

ـ ماذا تقصد؟

ابتسم حسين بحزن.

ـ لا أقصد الفقر بالمال فقط… أقصد الذين لا يملكون أبواباً يطرقونها.

أطرق جبار رأسه.

وقال:

ـ يا أبنائي، الحرب تكشف كل شيء.

تكشف شجاعة الإنسان…

وتكشف ضعفه…

وتكشف أيضاً مقدار العدل في المجتمع.

سأل سالم:

ـ وهل وجدت العدل في الحروب التي عشتها؟

ضحك جبار ضحكة قصيرة.

ـ أنا وجدت شيئاً آخر.

ـ ماذا؟

ـ وجدت أن الرصاصة لا تسأل عن اسم عائلة من يحملها أو من تستقر بجسده .

بعد أسبوع، صدر أمر التحرك.

لم يكن هناك وداع طويل.

فالحروب لا تمنح الناس الوقت الكافي للوداع.

اصطف الجنود في الساحة.

حملوا حقائبهم.

وتقدموا نحو الشاحنات والباصات العسكرية .

كانت الأمهات في البيوت تنتظر أبناء لا تعرف هل سيطرقون الأبواب مرة أخرى.

وكانت المدينة تواصل حياتها، كأنها لا تعلم أن مئات الشباب يغادرون الآن نحو مكان قد لا يعودون منه.

جلس سالم داخل الشاحنة إلى جانب حسين.

كان الطريق طويلاً.

والصمت أطول.

بعد ساعات، قال حسين:

ـ سالم…

ـ نعم؟

ـ إذا عدت إلى بغداد، اذهب إلى أمي.

ـ لا تقل هذا الكلام.

ـ دعني أكمل.

سكت قليلاً ثم قال:

ـ قل لها إنني لم أخف.

نظر إليه سالم.

ـ هل هذا صحيح؟

ابتسم حسين.

ـ لا.

ثم أضاف:

ـ كنت خائفاً جداً.

لكنني لم أرد أن يعرف أحد.

عندما وصلوا إلى المنطقة القريبة من الجبهة، تغير كل شيء.

لم تعد هناك أصوات المدينة.

ولا ضجيج الأسواق.

ولا رائحة البيوت.

كان هناك عالم آخر.

عالم من التراب والانتظار.

في تلك الليلة، جلس سالم داخل الخندق للمرة الأولى.

أمسك بندقيته.

نظر إليها طويلاً.

ثم قال لنفسه:

“كم من الأحلام حملت هذه الأيدي قبل أن تحمل السلاح؟”

تذكر أمه.

وتذكر قاسم.

وتذكر وليمة العشاء.

تذكر الرجل الذي قال إن النجاة تحتاج إلى أبواب.

وفهم الآن أن هناك أبواباً لا يستطيع الجميع الوصول إليها.

لكن أمام الموت…

تسقط كل الأبواب.

في الأيام الأولى، اكتشف سالم أن الجبهة ليست فقط أصوات القذائف.

الجبهة الحقيقية كانت داخل الإنسان.

هناك من يقاتل خوفه.

ومن يقاتل ذكرياته.

ومن يقاتل إحساسه بأنه تُرك وحيداً.

كان جبار يقول دائماً:

ـ أصعب معركة ليست أن تواجه العدو…

بل أن تمنع قلبك من الانكسار.

وفي إحدى الليالي، وصل خبر إلى الوحدة.

أحد الجنود الذين كانوا معهم اختفى اسمه من قائمة الجبهة قبل وصولهم بأيام، لأنه نُقل إلى مكان آخر.

لم يتحدث أحد كثيراً.

لكن الجميع فهم الرسالة.

عاد جبار إلى إشعال سيجارته وقال:

ـ لا تحسدوا أحداً على نجاته.

فكل إنسان يحمل حربه الخاصة.

قد ينجو جسده…

لكن روحه قد تبقى في مكان آخر.

نظر سالم إلى السماء.

كان يبحث عن إجابة.

عن معنى.

عن سبب يجعل بعض الناس يذهبون إلى النار، بينما يقف آخرون بعيداً عنها.

لكنه لم يجد إلا الصمت.

والصمت في الحرب…

كان أحياناً أعلى من صوت المدافع.

الفصل الخامس: رسائل لا تصل

كانت الجبهة تعلّم الرجال أشياء لا توجد في الكتب.

تعلمهم أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، وأن الإنسان قد يحمل في صدره عالماً كاملاً ولا يجد دقيقة واحدة ليحكي عنه.

كان سالم الجبوري قد أمضى أسابيع في المكان نفسه، لكنه شعر أن عمره تغير سنوات..

لم يعد ذلك الشاب الذي خرج من بيت أبيه وهو يحمل خوفاً من المستقبل فقط، بل صار يحمل وجوه الذين جلس معهم ذات ليلة، وأصوات الذين غادروا ولم يعرف أحد مصيرهم.

أما حسين اللامي، فقد أصبح أكثر تعلقاً برسائله..

كل ليلة كان يخرج دفتراً صغيراً ويكتب..

سأله سالم ذات مرة:

ـ لمن تكتب؟

ابتسم حسين.

ـ لابنتي زهراء.

ـ لكنها لا تستطيع القراءة الآن.

نظر حسين إلى الورقة طويلاً.

ـ أعرف… لكنني أريدها أن تعرف يوماً أن أباها كان يفكر بها.

سكت قليلاً ثم قال:

ـ الإنسان يا سالم لا يخاف الموت بقدر ما يخاف أن يختفي وكأنه لم يكن.

كان جبار الساعدي مختلفاً عن الجميع.

لم يكن يكتب رسائل.

ولم يكن يتحدث عن العودة.

كان يجلس قرب الخندق، يراقب الرجال، وكأنه يحاول أن يحفظ وجوههم.

قال له سالم:

ـ لماذا تنظر إلينا هكذا؟

أجاب جبار:

ـ لأنني تعلمت أن الوجوه هي الأشياء الوحيدة التي تبقى بعد رحيل أصحابها.

ثم أضاف:

ـ كل حرب تسرق من الإنسان شيئاً.

مرة تسرق عمره.

ومرة تسرق أصدقاءه.

ومرة تسرق ثقته بالعالم.

في إحدى الليالي الهادئة نسبياً، وصل بريد الوحدة.

كان الجنود ينتظرون الرسائل أكثر من انتظار الطعام.

فقد كانت الورقة القادمة من البيت أقوى من أي دواء.

أخذ سالم رسالته.

كانت من أمه.

فتحها بيدين مرتجفتين.

لم تكن طويلة.

كتبت له:

“يا ولدي سالم…

نحن بخير.

لا تقلق علينا.

أبوك يسأل عنك كل يوم لكنه لا يظهر خوفه.

أما أنا فأدعو لك في كل صلاة.

عد إلينا كما ذهبت…

فالأم لا تريد من الدنيا إلا أبناءها.”

قرأ سالم الرسالة مرات كثيرة.

ثم طواها ووضعها قرب قلبه.

لم يكن يعرف أن بعض الكلمات تصبح درعاً أقوى من الحديد.

في الجبهة، لم تكن هناك طبقية كما كانت في المدن.

كان الجميع يرتدي الزي نفسه.

وينام في الخندق نفسه.

ويواجه الخطر نفسه.

لكن خلف كل جندي كانت هناك قصة مختلفة.

كان هناك ابن التاجر.

وابن العامل.

وابن الفلاح.

وابن المدينة الكبيرة.

وابن القرية الصغيرة.

وكانت الحرب تضع الجميع أمام سؤال واحد:

كم يستطيع الإنسان أن يتحمل؟

ذات مساء، جلس سالم مع جبار.

قال:

ـ هل تعتقد أن هذه الحرب ستغير الناس؟

أجاب جبار:

ـ كل حرب تغير الناس.

لكن السؤال الحقيقي…

هل تغيرهم إلى الأفضل أم إلى الأسوأ؟

سكت قليلاً ثم تابع:

ـ هناك من يخرج من الحرب أكثر رحمة.

وهناك من يخرج منها وقد فقد آخر شيء جميل داخله.

ـ وما الذي يحدد ذلك؟

نظر جبار إلى النار الصغيرة أمامهما.

وقال:

ـ ما يحمله الإنسان في قلبه قبل أن يدخلها.

في تلك الأيام، بدأ سالم يلاحظ تغيراً في رفاقه.

بعضهم أصبح قاسياً.

بعضهم أصبح لا يتحدث إلا عن النجاة.

وبعضهم صار يضحك على كل شيء، حتى الأشياء التي كانت تبكيه سابقاً.

قال حسين ذات ليلة:

ـ أخاف أن نعود من هنا ولا نعرف أنفسنا.

نظر إليه سالم.

ـ لماذا تقول ذلك؟

قال:

ـ لأن الحرب لا تنتهي عندما نغادر المكان…

أحياناً نأخذها معنا.

وفي صباح بارد، جاء الأمر بالتحرك إلى موقع أكثر خطورة.

نظر الجنود إلى بعضهم.

لم يتكلم أحد.

فقد أصبحوا يعرفون معنى الأوامر.

اقترب حسين من سالم.

أخرج صورة ابنته.

وقال:

ـ احتفظ بها قليلاً.

تعجب سالم.

ـ لماذا؟

ابتسم حسين.

ـ لا أعرف…

ربما فقط أريد أن تكون في مكان آمن.

أخذ سالم الصورة ووضعها في جيبه.

ولم يكن يعلم أن تلك الصورة الصغيرة ستصبح بعد أيام شاهداً على قصة إنسانية لن ينساها أبداً.

في ذلك المساء، تحركت القافلة العسكرية نحو المجهول.

وكان كل جندي يحمل شيئاً لا يراه الآخرون:

رسالة لم تصل…

وحلماً مؤجلاً…

وخوفاً لا يريد الاعتراف به.

الفصل السادس: الذين عادوا والذين بقوا

لم يعد الزمن في الجبهة يُقاس بالأيام.

كان يُقاس بالأخبار.

خبرٌ يصل فيغيّر ملامح الرجال.

اسمٌ يُذكر فيصمت الجميع.

رسالةٌ تأتي فتُحيي قلباً.

وأخرى تتأخر فتزرع ألف احتمال.

كان سالم الجبوري يشعر أن الإنسان في الحرب يعيش بين لحظتين فقط:

لحظة ينتظر فيها شيئاً سيئاً…

ولحظة يحمد الله لأنه لم يحدث بعد.

في الموقع الجديد، لم يكن هناك متسع للكلام.

كانت الوجوه متعبة، والعيون تراقب الأفق باستمرار.

جلس سالم بجانب حسين اللامي في ساعة هدوء قصيرة.

قال حسين:

ـ هل تتذكر بغداد؟

ابتسم سالم.

ـ كأنها حلم بعيد.

قال حسين:

ـ أتذكر شارع  الرشيد ، رائحة الخبز صباحاً، صوت الأطفال في الأزقة…

ثم سكت.

وأضاف:

ـ الإنسان لا يعرف قيمة الأشياء الصغيرة إلا عندما تصبح بعيدة.

أجابه سالم:

ـ ربما نحن لا نفتقد الأماكن فقط…

نحن نفتقد النسخة القديمة من أنفسنا.

نظر إليه حسين باستغراب.

ـ ماذا تقصد؟

قال سالم:

ـ قبل الحرب كنا نغضب من أشياء بسيطة، ونحلم بأشياء كثيرة.

أما الآن، فأكبر أحلامنا أن نفتح باب البيت ونسمع صوت أهلنا.

كان جبار الساعدي يسمع الحديث بصمت.

ثم قال:

ـ تذكروا شيئاً يا أولاد.

الحرب لا تجعل الإنسان شجاعاً دائماً.

أحياناً تجعله فقط متعباً.

الشجاعة الحقيقية أن يبقى الإنسان إنساناً رغم كل ما يراه.

في إحدى الليالي، جاء خبر صادم إلى الوحدة.

أحد الجنود الذين كانوا معهم منذ البداية لم يعد.

لم يعرف أحد تفاصيل كثيرة.

فقط اسم.

وسرير فارغ.

وحقيبة بقيت في مكانها.

وقف سالم أمام السرير طويلاً.

لم يكن يعرف الرجل جيداً، لكنه شعر أن غياب شخص واحد يمكن أن يجعل المكان كله أكثر برودة.

قال حسين:

ـ هل تعتقد أن الناس في المدن يعرفون ماذا يحدث هنا؟

أجاب سالم:

ـ ربما يسمعون الأخبار.

ضحك حسين بمرارة.

ـ الأخبار لا تعرف رائحة الخوف.

بعد أيام، جاء دور حسين.

صدر أمر بنقله إلى موقع متقدم.

لم يحاول الاعتراض.

ولم يطلب شيئاً.

كان قد تعب من الانتظار.

قبل أن يغادر، أعاد إلى سالم الصورة الصغيرة مرة اخرى .

قال سالم:

ـ احتفظ بها أنت.

هز حسين رأسه.

ـ لا…

أريدك أن تحتفظ بها.

إذا ذهبت إلى العمارة ، أعطها لزهراء.

وإذا  نجوت …

سأستعيدها منك.

ابتسم الاثنان.

لكن كلاً منهما كان يخفي في داخله خوفاً لا يريد قوله.

مرت أيام.

ثم أسابيع.

ولم يعد حسين.

لم يأتِ خبر واضح.

ولم يصل جواب.

كان ذلك أصعب من الخبر نفسه.

فالانتظار أحياناً أكثر قسوة من الحقيقة.

جلس سالم ذات ليلة وحده.

أخرج الصورة.

كانت طفلة صغيرة تبتسم دون أن تعرف شيئاً عن عالم الكبار.

تأملها طويلاً.

وقال:

ـ يا حسين…

لقد بقي وجه ابنتك هنا.

لكن أين بقي وجهك؟

مع مرور الوقت، بدأ سالم يرى شيئاً عميقاً في رفاقه.

لم تكن الحرب تصنع الأبطال فقط.

كانت تصنع أيضاً الناجين.

والناجون يحملون أحياناً أثقالاً لا يراها أحد.

كان بعضهم يعود إلى البيت بجسده فقط.

أما روحه فتبقى عالقة في مكان ما بين الخندق والذكرى.

بعد أشهر، وصل أمر بعودة بعض الجنود إلى بغداد .

كان سالم بينهم.

لم يشعر بالفرح كما توقع.

ففي داخله سؤال واحد:

ماذا عن الذين لم يعودوا؟

ماذا عن حسين؟

ماذا عن أولئك الذين خرجوا معنا من بوابة المعسكر ولم يدخلوا معنا إلى هذا الطريق؟

حين جلس في الشاحنة العسكرية عائداً، نظر إلى الطريق الطويل.

كان يعلم أنه سيعود إلى بغداد.

لكن شيئاً داخله لن يعود أبداً.

لأن الإنسان حين يرى الحرب عن قرب…

لا يعود كما كان.

الفصل السابع: المدينة التي تغيّرت

حين دخلت شاحنة الجنود أطراف بغداد، شعر سالم الجبوري بإحساس غريب.

كان الطريق نفسه.

الأبنية نفسها.

الأسواق نفسها.

لكن شيئاً ما كان مختلفاً.

أدرك بعد لحظات أن التغيير لم يكن في المدينة…

بل فيه هو.

فالإنسان قد يعود إلى المكان نفسه، لكنه لا يعود الشخص نفسه.

كان يحمل حقيبته الصغيرة، وبعض الأوراق، وصورة طفلة اسمها زهراء لم تغادر جيبه منذ أشهر.

لكنه كان يحمل أيضاً وجوهاً كثيرة.

وجوه الذين جلسوا معه.

وجوه الذين ضحكوا معه.

وجوه الذين اختفوا من الطوابير وبقيت أسماؤهم في الذاكرة.

عندما وصل إلى البيت، لم ينتظر أن يطرق الباب.

كان الباب قد فُتح قبل أن يمد يده.

كانت أمه واقفة.

لم تقل شيئاً.

فقط نظرت إليه طويلاً، ثم احتضنته.

في تلك اللحظة، شعر سالم أن كل أصوات الحرب التي سكنت رأسه طوال الأشهر الماضية قد صمتت قليلاً.

دخل والده ببطء.

كان رجلاً قليل الكلام.

نظر إلى ابنه وقال:

ـ الحمد لله على السلامة.

كلمتان فقط.

لكن سالم عرف أن خلفهما خوف شهور طويلة.

في الأيام الأولى بعد عودته، حاول الجميع أن يعامله كأن شيئاً لم يحدث.

كانت أمه تطبخ له الأكلات التي يحبها.

وكان والده يسأله عن تفاصيل بسيطة.

لكن سالم كان يشعر أن هناك مسافة بينه وبين الحياة القديمة.

كان يجلس في المقهى نفسه الذي كان يجلس فيه قبل الحرب.

يرى الوجوه نفسها.

يسمع الأحاديث نفسها.

لكن داخله كان في مكان آخر.

بعد أسبوع، ذهب لزيارة صديقه قاسم الدليمي.

فتح قاسم الباب، وما إن رآه حتى عانقه طويلاً.

قال:

ـ ظننت أنك لن تعود.

ابتسم سالم.

ـ وأنا أيضاً.

جلسا في الغرفة القديمة.

الغرفة التي بدأت فيها حكاية الوليمة.

نظر قاسم إليه وقال:

ـ هل تغيرت؟

فكر سالم قليلاً.

ـ نعم.

ـ كيف؟

أجاب:

ـ قبل أن أذهب كنت أخاف من الموت.

أما الآن فأخاف من أن ينسى الناس الذين ماتوا.

سأل قاسم:

ـ هل وجدت ما كنت تبحث عنه؟

ابتسم سالم.

ـ ماذا كنت أبحث عنه؟

ـ النجاة.

نظر سالم إلى الأرض.

ـ اكتشفت أن النجاة ليست دائماً أن تبقى حياً.

سكت قليلاً.

ثم قال:

ـ أحياناً النجاة أن لا تفقد نفسك.

بعد أيام، قرر سالم أن يبحث عن عائلة حسين.

لم ينسَ الوعد.

ذهب إلى بيت متواضع في أحد أحياء مدينة العمارة القديمة.

فتحت له امرأة شابة.

كان التعب واضحاً في وجهها.

عرفته فوراً …

ـ أنت صديق حسين؟

أومأ برأسه.

لم تسأله عن التفاصيل.

فبعض الأسئلة تكون مؤلمة أكثر من الإجابات.

أخرج الصورة.

حين رأتها، ارتجفت يداها.

قالت:

ـ كان يقول دائماً إن ابنته ستكون طبيبة.

نظر سالم إلى الصورة.

ثم قال:

ـ كان يحبها كثيراً.

سألته:

ـ هل كان خائفاً؟

صمت سالم.

ثم أجاب:

ـ نعم.

بكت بحرقة و حزن.

خرج سالم من البيت وهو يحمل شعوراً ثقيلاً.

في الطريق، رأى شباباً صغاراً يمشون في الشوارع.

يضحكون.

يحلمون.

يتحدثون عن المستقبل.

توقف لحظة.

فكر:

كم من هؤلاء سيعيشون حياة طبيعية؟

وكم منهم ستغير الحرب طريقهم؟

في المساء، جلس سالم مع والده.

قال الأب:

ـ هل ستعود إلى الجيش؟

نظر سالم إلى السماء.

ـ لا أعرف.

ثم أضاف:

ـ لكنني أعرف شيئاً واحداً.

ـ ماذا؟

ـ أن الحرب لا تنتهي عندما يعود الجندي إلى بيته.

ابتسم الأب بحزن.

ـ بل تبدأ حرب أخرى.

نظر سالم إليه.

ـ أي حرب؟

قال الأب:

ـ حرب الذكريات.

في تلك الليلة، فتح سالم دفتراً جديداً.

لم يكتب عن المعارك.

ولا عن الأسلحة.

ولا عن الأوامر.

كتب عن الناس.

عن حسين.

عن جبار.

عن أولئك الذين كانوا يبحثون عن يوم إضافي من الحياة.

كتب لأن بعض القصص إذا لم تُكتب…

تموت مرتين.

مرة حين يرحل أصحابها…

ومرة حين ينساهم العالم.

الفصل الثامن: الذين حملوا الحرب معهم

مرت السنوات بطيئة، لكن بعض الأيام بقيت واقفة في مكانها..

كان سالم الجبوري يظن أن العودة إلى بغداد تعني انتهاء الحرب، وأن الإنسان عندما يخلع الزي العسكري يستطيع أن يخلع معه الخوف والذكريات.

لكنه اكتشف أن بعض المعارك لا تحتاج إلى ساحة قتال.

تسكن في النفس.

وتختبئ في الروح .

وتظهر فجأة عندما يسمع الإنسان صوتاً يشبه صوتاً قديماً.

كان يلتقي أحياناً ببعض رفاقه القدامى.

كل واحد منهم عاد بطريقة مختلفة.

أحدهم عاد كثير الكلام.

والآخر أصبح قليل الكلام.

وثالث صار يهرب من الحديث عن الماضي كأنه يهرب من رصاصة.

أما جبار الساعدي، فقد وجده سالم بعد سنوات في مقهى شعبي صغير.

كان كما هو تقريباً.

نفس النظرة العميقة.

نفس السخرية الهادئة.

لكن شيئاً ما انكسر داخله.

جلس سالم إلى جانبه.

قال جبار:

ـ ظننت أنك نسيت الطريق إلى هنا.

ابتسم سالم:

ـ بعض الطرق لا تُنسى.

نظر جبار إلى الشارع.

وقال:

ـ هل تعرف ما أغرب شيء في الحرب؟

ـ ما هو؟

ـ أن الإنسان يشتاق أحياناً إلى أيام كان يتمنى انتهاءها.

استغرب سالم.

فأكمل جبار:

ـ لأننا في تلك الأيام، رغم الخوف، كنا نعيش مع أناس يعرفون ألمنا.

أما بعد العودة…

فالجميع يريد منك أن تنسى.

سأله سالم:

ـ هل نسيت أنت؟

ضحك جبار.

ـ النسيان نعمة لا يحصل عليها الجميع.

ثم أضاف:

ـ هناك أشياء لا تُنسى لأنها كانت مؤلمة فقط…

بل لأنها كانت حقيقية.

تحدثا طويلاً عن رفاقهما.

عن الذين رحلوا.

عن الذين عادوا.

عن الذين تغيروا.

قال سالم:

ـ أحياناً أشعر أن الحرب قسمت الناس إلى قسمين.

ـ من ماتوا…

ـ ومن عاشوا.

هز جبار رأسه.

ـ لا.

ثم نظر إليه.

ـ قسمت الناس إلى من فقدوا شيئاً، ومن لم يعرفوا بعد ما الذي فقدوه.

في تلك الفترة، بدأ سالم يكتب أكثر.

لم يكن يريد أن يكون مؤرخاً للحرب.

ولا قاضياً على أحد.

كان يريد فقط أن يحفظ أصوات الذين لم يعد لهم صوت.

كتب عن أم تنتظر.

وعن جندي يخفي خوفه.

وعن شاب كان يريد أن يصبح معلماً، فإذا به يحمل بندقية.

كتب عن الفقراء الذين لم يملكوا سوى أعمارهم ليقدموها.

وكتب عن مجتمع أنهكته سنوات الخوف، حتى صار الإنسان يبحث عن أي نافذة صغيرة للنجاة.

ذات يوم، التقى قاسم الدليمي.

كان قاسم ما زال يتذكر تلك الوليمة الأولى.

قال:

ـ هل تذكر الليلة التي جمعنا فيها الرجال؟

ابتسم سالم.

ـ كيف أنساها؟

قال قاسم:

ـ وقتها كنت أظن أنني أستطيع أن أحميك.

أجابه سالم:

ـ وأنت فعلت ما استطعت.

لكن قاسم هز رأسه.

ـ لا…

لقد تعلمت شيئاً.

ـ ماذا؟

ـ أن الإنسان مهما حاول، لا يستطيع أن ينقذ الجميع من زمن كامل.

في الليل، عاد سالم إلى دفتره.

كتب:

“الحرب لا تجعل الناس أشراراً دائماً، لكنها تكشف ما كان مخفياً في داخلهم.

تكشف الخوف.

تكشف الأنانية.

وتكشف أيضاً أناساً يحملون قلوباً أكبر من قدرتهم على الاحتمال.”

ثم توقف.

نظر إلى صورة زهراء القديمة التي احتفظ بها طوال تلك السنوات.

لم يكن يعرف أين أصبحت.

لكنه كان يعرف أن خلف تلك الصورة قصة إنسان.

وقصة وطن كامل عاش سنوات طويلة يبحث عن طريق للخروج من الألم.

وفي صباح اليوم التالي، تلقى خبراً قديماً متأخراً.

لقد عُرف مصير حسين.

جلس سالم طويلاً دون كلام.

لم يبكِ.

ربما لأن بعض الأحزان تكون أكبر من الدموع.

أغلق الدفتر.

وقال:

ـ أخيراً عرفت أين أنت يا صديقي.

ثم فتح النافذة.

كان الصباح يدخل بهدوء.

وكأن العالم، رغم كل شيء، يحاول أن يبدأ من جديد.

الفصل التاسع: دفتر الناجين

لم يكن سالم الجبوري يعرف متى تحولت الذكريات إلى مسؤولية.

في البداية كان يكتب لكي يخفف عن نفسه ثقل الماضي، ثم اكتشف بعد سنوات أن ما يحمله في صدره ليس حكايته وحده.

كانت حكاية جيل كامل.

جيل خرج من بيوت صغيرة يحمل أحلاماً كبيرة، ثم وجد نفسه في وسط زمنٍ أكبر من قدرته على الفهم.

فتح سالم دفتره القديم.

ذلك الدفتر الذي بدأه في الليلة الأولى بعد عودته.

كان مليئاً بأسماء.

ليس أسماء المشاهير.

ولا أسماء القادة.

بل أسماء الرجال العاديين.

أولئك الذين لا تذكرهم الكتب عادة.

كتب:

“كان حسين يريد أن يرى ابنته تكبر.

كان جبار يريد أن يفهم لماذا تكرر الحروب أخطاءها.

وكان هناك آخرون كثيرون يريدون فقط أن يعودوا إلى بيوتهم.”

في أحد الأيام، ذهب سالم إلى بيت جبار.

كان الرجل قد تقدم به العمر، لكن صوته بقي يحمل تلك النبرة الساخرة نفسها.

قال جبار:

ـ هل ما زلت تكتب؟

أجابه سالم:

ـ نعم.

ـ ولماذا؟

نظر سالم إليه.

ـ لأنني أخاف أن تضيع أصوات الذين لم يستطيعوا الكلام.

ابتسم جبار.

ـ إذن أنت لا تكتب عن الحرب.

ـ عن ماذا؟

ـ عن الإنسان الذي حاول أن يبقى إنساناً داخل الحرب.

جلسا طويلاً.

تحدثا عن الماضي، لكنهما لم يتحدثا عن القذائف.

تحدثا عن التفاصيل الصغيرة.

عن كوب الشاي في الصباح.

عن نكتة قالها جندي قبل الرحيل.

عن رسالة احتفظ بها صاحبها حتى آخر لحظة.

قال جبار:

ـ الناس يظنون أن التاريخ تصنعه الأحداث الكبيرة فقط.

لكنني أعتقد أن التاريخ الحقيقي يسكن في الأشياء الصغيرة.

في دمعة أم.

في انتظار زوجة.

في صورة طفل داخل جيب جندي.

بعد أيام، عاد سالم إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء.

بيت قاسم.

المكان الذي أقيمت فيه وليمة العشاء قبل سنوات.

جلسا في الحديقة نفسها.

لكن الأشجار كبرت.

والوجوه تغيرت.

قال قاسم:

ـ غريب كيف يمر الزمن.

أجاب سالم:

ـ الزمن لا يمر وحده.

ـ ماذا تقصد؟

ـ يأخذ معه أشخاصاً، ويترك لنا ذكرياتهم.

تحدثا عن الشباب الذين كانوا يبحثون عن النجاة.

عن أولئك الذين كانوا يحاولون تغيير مصيرهم بوساطة أو معرفة أو طلب صغير.

لم يكن سالم يريد إصدار الأحكام على أحد.

فقد رأى خلال السنوات أن الخوف يمكن أن يدفع الإنسان إلى طرق لم يكن يتوقعها.

لكنه كان يؤمن أيضاً أن المجتمعات التي تفقد العدالة تجعل أبناءها يبحثون عن النجاة الفردية.

قال لقاسم:

ـ أكبر خسارة للحرب ليست عدد الذين رحلوا فقط.

ـ فما هي؟

ـ أن الناس يفقدون ثقتهم بأن الفرص متساوية.

في تلك الليلة، عاد سالم إلى بيته.

جلس أمام مكتبه.

وكتب الصفحة الأخيرة في دفتره:

“لم تكن قصتنا قصة جنود فقط.

كانت قصة أمهات انتظرن.

وقصة آباء أخفوا خوفهم.

وقصة شباب وجدوا أنفسهم في زمن لم يختاروه.

كانت قصة وطنٍ حاول أبناؤه أن يعيشوا رغم كل شيء.”

ثم أغلق الدفتر.

لكنه لم يغلق الذاكرة.

بعد سنوات، صار سالم يرى شباباً جددًا يمشون في الشوارع.

كان يراقب ضحكاتهم وأحلامهم.

وكان يتمنى لهم حياة لا يعرفون فيها معنى الانتظار الطويل.

لا يعرفون معنى أن يكون الإنسان بعيداً عن أهله ولا يملك سوى رسالة.

ولا معنى أن يصبح البقاء حلماً.

كان يعرف أن الأجيال الجديدة لا تحتاج فقط إلى أن تسمع عن الحروب.

بل تحتاج إلى أن تفهم كيف تمنع تكرار أسبابها.

لأن الإنسان الذي لا يتعلم من آلامه…

قد يرثها مرة أخرى.

الفصل العاشر: ما تبقى من الحرب

لم تكن نهاية الحرب لحظة واحدة.

لم يكن هناك يوم استيقظ فيه الناس ليجدوا أن كل شيء انتهى.

الحروب الحقيقية لا تنتهي بهذه البساطة.

قد تصمت المدافع…

لكن أصواتها تبقى في الذاكرة.

قد يعود الجنود إلى بيوتهم…

لكن بعضهم يبقى واقفاً هناك، في مكان بعيد، بين خندق قديم ورفاق رحلوا.

كان سالم الجبوري يعرف ذلك أكثر من غيره.

فمنذ سنوات طويلة وهو يحمل في داخله مدينة كاملة من الوجوه.

وجه حسين اللامي وهو يبتسم رغم خوفه.

وجه جبار الساعدي وهو يحاول أن يحمي الآخرين بكلمة حكيمة.

وجه أمه وهي تنتظر عند الباب.

ووجه أبيه وهو يخفي دموعه خلف الصمت.

في أحد الصباحات، فتح سالم دفتره للمرة الأخيرة.

لم يكن يريد أن يكتب عن الحرب فقط.

كان يريد أن يكتب عن الدرس الذي تركته.

كتب:

“الحرب لا تكشف قوة السلاح فقط…

بل تكشف قوة المجتمع وضعفه.

تكشف من يقف مع الناس، ومن يبحث عن نجاته وحده.

تكشف قيمة العدالة، لأن الإنسان حين يشعر أن الجميع يقفون أمام المصير نفسه، يتحمل الألم أكثر.

أما حين يشعر أن بعض الأرواح أثمن من أرواح أخرى، فإن الجرح يصبح أعمق من الحرب نفسها.”

ذهب سالم إلى مقبرة الشهداء في النجف الاشرف .

لم يكن يبحث عن قبر محدد.

كان يبحث عن معنى.

وقف بين الأسماء.

أسماء كثيرة.

بعضها يعرف أصحابها.

وبعضها لم يعرف أحد قصتها.

لكنه كان يؤمن أن خلف كل اسم حياة كاملة.

شاب كان له حلم.

وأم كانت تنتظره.

وبيت كان يفتح بابه له كل مساء.

تذكر حسين.

وتذكر وعده.

أن يحفظ صورة ابنته.

أخرج الصورة القديمة من محفظته.

كانت قد بهتت ألوانها مع الزمن.

لكنه ظل يرى فيها ذلك الوجه الصغير المبتسم.

قال في نفسه:

“ربما لم نستطع أن ننقذ كل الذين أحببناهم…

لكننا نستطيع أن نحفظ قصصهم.”

بعد سنوات، سأل أحد الشباب سالم:

ـ عمي سالم، لماذا تكتب كثيراً عن ذلك الزمن؟

ابتسم وقال:

ـ لأن الذين عاشوا تلك الأيام يعرفون أن الذاكرة ليست رفاهية.

هي أمانة.

ـ أمانة لمن؟

نظر إليه طويلاً.

ـ لمن لم يعودوا.

كان سالم يعرف أن الناس يختلفون في تفسير التاريخ.

كل إنسان يرى الأحداث من زاويته.

لكن هناك حقيقة لا تختلف عليها القلوب:

أن الإنسان البسيط هو دائماً من يدفع الثمن الأكبر حين تتحول الأوطان إلى ساحات صراع.

الجندي الذي يحمل بندقيته.

الأم التي تحمل خوفها.

الطفل الذي ينتظر أباه.

والشاب الذي يؤجل أحلامه.

كل هؤلاء كانوا وجهاً واحداً لقصة طويلة.

في آخر صفحة من دفتره كتب سالم:

“لم أكتب لأدين زمناً مضى.

ولم أكتب لأحاكم أشخاصاً.

كتبت لأن الإنسان ينسى بسهولة.

والنسيان أحياناً يجعل الألم يعود في صورة جديدة.

كتبت لأقول إن قيمة الوطن ليست في عدد الحروب التي يخوضها…

بل في عدد الأرواح التي يستطيع أن يحميها.

وإن أعظم انتصار ليس أن يعود الجندي حياً من المعركة فقط…

بل أن يعود الإنسان من داخله.”

أغلق سالم الدفتر.

ووضعه في مكان آمن.

ثم خرج إلى الشارع.

كانت بغداد تمضي في حياتها.

أصوات الأطفال.

حركة الأسواق.

ضجيج السيارات.

كل شيء يبدو عادياً.

لكنه كان يعرف أن تحت هذا الهدوء طبقات من القصص التي لم تُروَ بعد.

رفع رأسه إلى السماء.

وقال بصوت خافت:

ـ رحم الله من رحلوا…

وحفظ الله من بقوا.

ثم واصل طريقه.

فقد أدرك أخيراً أن بعض الناس لا يعودون من الحروب ليحكوا عن الموت…

بل ليشهدوا للحياة.