الحرب الناعمة وإثارة الفوضى عبر الخطاب والتحشيد

الحرب الناعمة وإثارة الفوضى عبر الخطاب والتحشيد

✍️_『هاشميه ⃟ الولاء𓆩١⁵』

لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده، فاليوم انتقلت البندقية من الميدان إلى الشاشة، وأصبحت الرصاصة قد تكون كلمة، وقد تتحول الغارة الجوية إلى منشور أو شائعة تُطلق في توقيت مدروس بهدف التأثير وإرباك المجتمع.

ما نشهده في محافظة الجوف وغيرها من مناطق اليمن ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو أحد أوجه الحرب الناعمة التي تستهدف العقل والوجدان قبل الأرض، حرب هدفها التأثير على المجتمع من الداخل، وإثارة الخلافات والفتن بأقل تكلفة وأكبر أثر.

تُدار الحرب الناعمة عبر أدوات متعددة، قد تبدو بسيطة لكنها شديدة التأثير، ومن أبرزها الخطاب التحريضي الذي يزرع الكراهية بين أبناء المنطقة الواحدة، ويحاول تحويل الخلافات السياسية أو الاجتماعية إلى صراعات وثارات داخلية.

كما تُستخدم الشائعات كسلاح خطير، من خلال نشر أخبار غير صحيحة أو معلومات غير مكتملة عن أحداث أو وقائع معينة، خصوصًا في أوقات التوتر، بهدف زيادة الاحتقان وإثارة ردود الأفعال.

ومن أدواتها كذلك التحشيد الرقمي عبر حسابات ومنصات تسعى إلى تضخيم الأحداث، ونشر محتويات استفزازية وتعليقات تهدف إلى السخرية أو التقليل من الآخرين، إضافة إلى اجتزاء المقاطع والصور من سياقها واستخدامها لإشعال الغضب وتوجيه الرأي العام.

والهدف في النهاية هو دفع الناس إلى مربع “نحن ضدهم”، حتى ينشغل المجتمع بخلافاته الداخلية، ويغيب عنه إدراك المستفيد الحقيقي من حالة الفوضى والانقسام.

وقد تكون محافظة الجوف من المناطق التي تستهدفها مثل هذه الأساليب لما تتميز به من أهمية اجتماعية ولأن أي شرخ في نسيجها الاجتماعي قد ينعكس على مناطق أخرى. فالحرب الناعمة تختار الأماكن الحساسة وتستغل الأحداث الصغيرة أو الخلافات القائمة ثم تضخمها حتى تتحول إلى مصدر توتر وصراع.

وهنا يأتي دورنا كإعلاميات وناشطات والمجتمع ككل في مواجهة هذه الأساليب فالمواجهة لا تكون بالرد بالمثل وإنما بالوعي والمسؤولية.

فالتثبت قبل النشر ضرورة وعدم الانجرار خلف الأخبار غير الموثوقة مسؤولية الجميع قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.

كما أن تجفيف منابع التحريض يبدأ بتجاهل الحسابات والمحتويات التي تهدف إلى الاستفزاز وإشعال الخلافات، فعدم التفاعل معها يقلل من تأثيرها وانتشارها.

ويجب أن يكون الخطاب الإعلامي جامعًا، يركز على ما يوحد أبناء اليمن، ويبرز دور القبيلة والمجتمع في الصلح والإصلاح، لا في الصراع والانقسام.

كما أن نشر البديل الإيجابي مسؤولية مهمة، فمقابل كل محتوى يدعو إلى التحريض، يجب أن يكون هناك محتوى يعزز الوعي، وينشر قيم التعاون والسلام المجتمعي.

الحرب الناعمة لا تنتصر إلا إذا خسرنا عقولنا، وإذا أردنا حماية الجوف واليمن فعلينا أن نحصّن وعينا أولًا.

فقلم الكاتبة اليوم هو خط الدفاع الأول، فلتكن كلماتنا جسورًا للسلم، لا معاول للهدم، فاليمن أكبر من كل خطاب كراهية، وأهلها أوعى من أن يُستدرجوا إلى فتنة تضر الجميع.