إيهاب مقبل
مع حلول فصل الصيف، تتجدد في عدد من الدول العربية المخاوف من تزايد أعداد الكلاب السائبة في الشوارع والأحياء السكنية، وما يرافق ذلك من حوادث مطاردة وعض، ومخاوف من انتقال داء السعار. وفي المقابل، تتكرر حملات فردية لقتل الكلاب أو تسميمها، وسط جدل واسع حول جدوى هذه الأساليب وقدرتها على الحد من الظاهرة.
ويرى الطبيب البيطري الفلسطيني الدكتور بلال أبو هلال، استشاري طب وجراحة الحيوانات ونقيب الأطباء البيطريين الفلسطينيين السابق، أن التعامل مع الكلاب السائبة يحتاج إلى رؤية علمية متكاملة، معتبرًا أن القتل العشوائي لا يمثل حلاً مستدامًا، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى نتائج عكسية إذا لم يكن جزءًا من برنامج شامل لإدارة أعداد الكلاب.
وخلال استضافته في برنامج “بودكاست تقارب” الذي يقدمه الإعلامي الفلسطيني أحمد البيقاوي، تناول أبو هلال ظاهرة الكلاب السائبة من جوانب صحية وبيئية وسلوكية، مستندًا إلى خبرته الأكاديمية والمهنية في مجال الطب البيطري، ودعا إلى الانتقال من ردود الفعل الفردية إلى سياسات مؤسساتية تقوم على التنظيم والوقاية والمعالجة العلمية.
القتل العشوائي لا يعالج جذور المشكلة
يقول أبو هلال إن ضرب الكلاب أو قتلها أو حرقها أو تسميمها ليس وسيلة حضارية أو إنسانية للتعامل مع الظاهرة، مشيرًا إلى أن الحيوانات، كما ورد في قوله تعالى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم”، هي جزء من منظومة الحياة، وتحتاج إلى التعامل معها بمسؤولية ووعي.
واعتبر أن اللجوء إلى هذه الأساليب غالبًا ما يكون نتيجة غياب الوعي أو غياب الجهات المختصة التي تتولى إدارة مشكلة الكلاب السائبة بطرق علمية ومنظمة، مؤكدًا أن الحل لا يكون بردود الفعل العشوائية، وإنما عبر برامج مدروسة تحقق حماية الإنسان وتنظيم وجود الحيوانات في البيئة.
وأوضح أن التخلص من الكلاب بطريقة عشوائية لا يمثل حلًا جذريًا، لأن السيطرة على الظاهرة تحتاج إلى برامج طويلة الأمد تشمل حصر أعداد الكلاب، والتطعيم ضد الأمراض، وخاصة السعار، وتنظيم عمليات التعقيم للحد من التكاثر، إضافة إلى ضبط عملية اقتناء الحيوانات الأليفة ومنع التخلي عنها.
وأكد أن التعامل مع الكلاب السائبة يجب أن يوازن بين حماية الإنسان والحفاظ على التعامل الإنساني مع الحيوان، مشيرًا إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الحلول المستدامة لا تقوم على الإبادة، وإنما على الإدارة المنظمة.
الفرق بين الكلاب الضالة والسائبة
وأوضح أبو هلال أن هناك فرقًا بين الكلاب الضالة والكلاب السائبة، وهو فرق مهم عند التعامل مع الظاهرة.
فالكلب الضال هو كلب كان مملوكًا لشخص ثم فقد صاحبه أو تخلى عنه مالكه، أما الكلاب السائبة فهي الكلاب التي تعيش خارج سيطرة الإنسان، وقد تكون قريبة من التجمعات البشرية أو تعيش في مناطق بعيدة عنها.
وأشار إلى أن بعض الكلاب السائبة تكون معتادة على وجود الإنسان وتعيش بالقرب من الأحياء السكنية، بينما توجد مجموعات أخرى تعيش في مناطق بعيدة عن التجمعات البشرية، وهي عدوانية وشرسه، وقد تقترب من المدن والقرى عند نقص مصادر الغذاء في بيئتها الطبيعية.
الكلاب جزء من الطبيعة لكن انتشارها غير المنضبط يمثل مشكلة
وأشار أبو هلال إلى أن الكلاب، شأنها شأن كثير من الحيوانات، تدخل ضمن المنظومة البيئية، إلا أن زيادة أعدادها بصورة غير منظمة بالقرب من المناطق السكنية قد تحولها إلى قضية مرتبطة بالصحة العامة والسلامة المجتمعية.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن في وجود الكلاب بحد ذاته، وإنما في اختلال التوازن عندما ترتفع أعدادها في الشوارع دون إدارة أو رقابة، خصوصًا عندما تكون بعض هذه الحيوانات جائعة أو غير مطعمة.
لماذا تقترب الكلاب من التجمعات السكانية؟
بحسب أبو هلال، فإن البحث عن الغذاء يمثل أحد الأسباب الرئيسية لاقتراب الكلاب من المدن والقرى، إذ إن النفايات وبقايا الطعام توفر مصدرًا سهلًا للغذاء.
ودعا إلى تحسين إدارة مكبات النفايات وإزالة بقايا الطعام بصورة منتظمة، موضحًا أن توفير مصادر الغذاء في الشوارع يسهم في تجمع الكلاب واستقرارها بالقرب من المناطق السكنية.
وأضاف أن بعض الهجمات أو حالات المطاردة قد تكون مرتبطة بسلوك البحث عن الطعام أو الدفاع عن المكان، وليس بالضرورة بسبب طبيعة عدوانية ثابتة لدى جميع الكلاب.
المدن والقرى.. اختلاف في طبيعة انتشار الكلاب
وأوضح أبو هلال أن أعداد الكلاب في المدن قد تكون أكبر بسبب كثافة السكان وتوفر النفايات ومصادر الغذاء، إضافة إلى ظاهرة التخلي عن الكلاب المنزلية بعد اقتنائها.
أما في القرى، فإن انتشار الكلاب يكون على مساحة أوسع بسبب وجود المزارع والثروة الحيوانية، كما قد تقترب الكلاب القادمة من المناطق البرية من التجمعات البشرية بحثًا عن الغذاء.
وأشار إلى أن وجود الحيوانات المنزلية مثل الأغنام والدواجن قد يجذب بعض الكلاب، خصوصًا في المناطق التي تكون فيها الرقابة والإدارة البيطرية محدودة.
التخلي عن الكلاب المنزلية يزيد الظاهرة
ويرى أبو هلال أن أحد أسباب زيادة أعداد الكلاب السائبة هو اقتناء بعض الأشخاص للكلاب ثم التخلي عنها لاحقًا.
وأوضح أن بعض الناس يربون الكلاب بدافع التسلية أو الحراسة، لكنهم يتخلون عنها عندما تصبح رعايتها مسؤولية صعبة، ما يؤدي إلى انتقالها إلى الشوارع وتكاثرها.
وأكد أن اقتناء أي حيوان أليف يجب أن يكون قائمًا على المسؤولية، وليس قرارًا مؤقتًا، مشددًا على أهمية وجود قوانين تنظم ملكية الحيوانات وتحمل أصحابها مسؤولية التخلي عنها.
عدوانية الكلاب.. أسباب متعددة
وأوضح أبو هلال أن بعض الكلاب التي تبدو شرسة تجاه الإنسان قد تكون تعرضت سابقًا لسوء معاملة أو تدريب على العدوانية، خصوصًا إذا كانت مملوكة لشخص ثم تم التخلي عنها.
لكنه أشار إلى أن العدوانية ليست سببها عامل واحد دائمًا، فقد تنتج أيضًا عن الخوف أو الجوع أو المرض أو الدفاع عن الصغار أو المنافسة على مصادر الغذاء.
لماذا قد يؤدي القتل العشوائي إلى نتائج عكسية؟
من أبرز النقاط التي طرحها أبو هلال أن قتل الكلاب بصورة عشوائية قد يؤدي إلى تعقيد المشكلة بدلًا من حلها، إذا لم يكن ضمن خطة علمية مدروسة لإدارة أعدادها.
وأوضح أن بعض الكلاب التي تعيش في منطقة معينة تصبح متأقلمة مع بيئتها، وقد تفرض نوعًا من السيطرة الإقليمية على المكان، ما يحد في بعض الحالات من دخول مجموعات أخرى من الكلاب إلى المنطقة نفسها. وعند إزالة هذه الكلاب بشكل عشوائي، قد تصبح المنطقة متاحة أمام كلاب أخرى قد تكون أقل ألفة مع الإنسان أو أكثر توترًا وعدوانية، الأمر الذي قد يؤدي إلى استمرار المشكلة أو تغير طبيعة الحيوانات الموجودة في المكان بدلًا من اختفائها.
وأضاف أن إزالة أحد مكونات التوازن الحيواني في منطقة معينة قد يغير طبيعة العلاقة بين الحيوانات الموجودة فيها، وقد يسمح بظهور تحديات بيئية أخرى، مثل زيادة حركة بعض الحيوانات البرية مثل الخنازير أو اقترابها من المناطق السكنية في ظروف معينة، وإن كانت هذه الظواهر ترتبط أيضًا بعوامل أخرى مثل توفر الغذاء وتغير البيئة الطبيعية.
وأكد أبو هلال أن هذا لا يعني ترك الكلاب السائبة دون معالجة، وإنما يعني ضرورة الانتقال من الحملات العشوائية إلى حلول مدروسة تشمل المراقبة، والتطعيم، والتعقيم، وتنظيم النفايات، وتحميل أصحاب الحيوانات مسؤولية اقتنائها والتخلي عنها.
السعار.. الخطر الصحي الأكبر
وأكد أبو هلال أن أخطر ما يرتبط بانتشار الكلاب السائبة هو احتمال انتقال داء السعار، وهو مرض فيروسي يصيب الجهاز العصبي ويُعد من الأمراض القاتلة إذا لم يتلق المصاب العلاج الوقائي المناسب بعد التعرض لعضة أو خدش من حيوان مصاب.
وأوضح أن فيروس السعار لا يقتصر على الكلاب، إذ يمكن أن ينتقل إلى معظم الثدييات، بما فيها القطط والخيول والأبقار وغيرها، إذا تعرضت لعضة من حيوان مصاب. كما أن هذه الحيوانات قد تنقل العدوى إلى الإنسان إذا أصبحت مصابة، وإن كانت الكلاب تظل المصدر الرئيس لمعظم حالات انتقال السعار إلى البشر على مستوى العالم.
وأشار إلى أن اكتشاف إصابة بالسعار في منطقة ما يستدعي تحركًا سريعًا من الجهات البيطرية والصحية، من خلال مراقبة الحيوانات المخالطة، وتعزيز حملات التطعيم، وتوعية السكان بضرورة مراجعة المراكز الصحية فور التعرض لعضة أو خدش من حيوان مشتبه بإصابته.
مخاطر استخدام السموم
وحذر أبو هلال من استخدام السموم في قتل الكلاب، موضحًا أن تأثيرها لا يقتصر على الحيوانات المستهدفة، بل قد يمتد إلى القطط والحيوانات البرية والطيور الجارحة، إضافة إلى ما قد تسببه من أضرار بيئية.
وأشار إلى أن هذه الطريقة قد تؤدي إلى خلل في النظام البيئي، لأنها تقتل حيوانات أخرى قد لا تكون مرتبطة بالمشكلة الأصلية.
كيف يتصرف الإنسان عند مواجهة كلب؟
وأوضح أبو هلال أن بعض الكلاب قد تُظهر مؤشرات سلوكية تدل على حالة من التوتر أو الاستعداد للدفاع عن نفسها أو الهجوم، مثل التركيز بالنظر نحو الشخص، أو اتخاذ وضعية جسدية متوترة، أو الاستعداد للانقضاض، أو تثبيت الذيل وعدم تحريكه. لكنه شدد على أن هذه العلامات لا تعني بالضرورة أن الهجوم سيحدث، إذ يختلف سلوك الكلاب من حالة إلى أخرى بحسب طبيعتها وتجربتها السابقة وحالتها الصحية والظروف المحيطة بها.
ودعا إلى التعامل بحذر مع الكلب الذي يبدو خائفًا أو متوترًا، وتجنب استفزازه أو محاولة الاقتراب منه، مؤكدًا أن الحكم على نية الحيوان لا يمكن أن يعتمد على علامة واحدة فقط، بل يجب النظر إلى مجموعة من السلوكيات والظروف المحيطة بالموقف.
تجارب عربية ودولية في التعامل مع الظاهرة
واستعرض أبو هلال تجارب بعض الدول في إدارة أعداد الكلاب السائبة، مشيرًا إلى تجربة دبي باعتبارها نموذجًا يعتمد على تنظيم اقتناء الكلاب المنزلية.
وأوضح أن تسجيل الكلاب عبر شرائح إلكترونية مرتبطة ببيانات المالك يساعد في معرفة صاحب الحيوان عند فقدانه أو التخلي عنه، كما يسمح بفرض غرامات وإجراءات قانونية على المخالفين.
كما أشار إلى برامج تعقيم الكلاب السائبة في العاصمة الأردنية عمّان، معتبرًا أن التعقيم لا يقضي على المشكلة بشكل كامل، لكنه يساهم في الحد من تكاثر الكلاب وتقليل الأضرار المرتبطة بزيادة أعدادها، عندما يُطبق ضمن خطة متكاملة تشمل التطعيم، والمراقبة البيطرية، والإدارة السليمة للنفايات.
ظاهرة إقليمية تحتاج إلى حلول مستدامة
وأشار أبو هلال إلى أن ظاهرة الكلاب السائبة لا تقتصر على دولة واحدة، بل أصبحت تحديًا تواجهه العديد من الدول العربية والإقليمية، مع تفاوت كبير في أعدادها من بلد إلى آخر.
وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعاونًا بين البلديات والجهات الصحية والبيطرية، من خلال وضع تشريعات واضحة، وتنظيم اقتناء الحيوانات الأليفة، ومنع التخلي عنها، وتنفيذ برامج التطعيم والتعقيم، وتحسين إدارة النفايات، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي.
وبحسب رؤيته، فإن الحل الحقيقي لا يكمن في ردود الفعل المؤقتة، وإنما في بناء منظومة متكاملة تحقق هدفين متوازيين: حماية الإنسان من المخاطر الصحية والسلوكية، والتعامل مع الحيوانات بطريقة علمية وإنسانية.
من هو الدكتور بلال أبو هلال؟
يُعد الدكتور بلال أبو هلال من الأطباء البيطريين الفلسطينيين المتخصصين في طب وجراحة الحيوانات. وُلد في الضفة الغربية عام 1975، وحصل على درجة البكالوريوس في الطب البيطري من جامعة بغداد في العراق عام 1999، ثم واصل دراساته العليا وحصل على درجة الماجستير في طب وجراحة الحيوانات عام 2002.
عمل أبو هلال في المجال البيطري لسنوات داخل فلسطين وخارجها، حيث أمضى نحو خمس سنوات في دولة الإمارات العربية المتحدة، قبل أن يعود للعمل الأكاديمي والمهني في فلسطين. كما عمل محاضرًا في كلية الطب البيطري بجامعة النجاح الوطنية، وتولى منصب نقيب الأطباء البيطريين الفلسطينيين بين عامي 2017 و2022.
ويعمل حاليًا في عيادته البيطرية الخاصة بمدينة طولكرم، إلى جانب نشاطه في مجال التوعية بقضايا الصحة الحيوانية، والرفق بالحيوان، وطرق التعامل العلمي مع الظواهر المرتبطة بالحيوانات السائبة.
المصدر
أُعد هذا التقرير استنادًا إلى الحوار الذي أجراه الإعلامي الفلسطيني أحمد البيقاوي في التاسع من يوليو تموز الجاري مع الدكتور بلال أبو هلال، استشاري طب وجراحة الحيوانات ونقيب الأطباء البيطريين الفلسطينيين السابق، ضمن برنامج “بودكاست تقارب”، والذي تناول فيه ظاهرة الكلاب السائبة من جوانب بيطرية وصحية وبيئية، إضافة إلى طرق التعامل معها والحد من مخاطرها.
يمكن مشاهدة المقابلة كاملة عبر الرابط:
انتهى