هل أصبح الصراع على السلطة أخطر من الصراع مع الخارج؟

تكشف متابعة الصحف الإيرانية أن الجدل الدائر داخل أروقة السلطة لم يعد يقتصر على تفاصيل المفاوضات أو أسلوب إدارة العلاقات الخارجية، بل أصبح يعكس خلافاً أعمق حول كيفية إنقاذ النظام من أزمته المتفاقمة. فهناك من يرى أن استمرار التصعيد سيقود إلى مزيد من العزلة والخسائر الاقتصادية، فيما يعتقد تيار آخر أن أي تراجع أو انفتاح سيُفسَّر على أنه ضعف، ويهدد تماسك المؤسسة الحاكمة نفسها. وهكذا لم تعد القضية تدور حول السياسة الخارجية بقدر ما أصبحت صراعاً على إدارة مرحلة شديدة الحساسية من عمر النظام.

وتظهر المقالات والتحليلات المنشورة في الصحف الحكومية أن الانقسام بين دعاة التفاوض وأنصار التشدد بات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. لكن هذا الانقسام لا يعكس وجود مشروعين مختلفين لمستقبل إيران، بل يعكس اختلافاً في الوسائل. فالفريق الأول يريد تخفيف الضغوط الخارجية لشراء الوقت وإعادة ترتيب أوضاع النظام، بينما يرى الفريق الثاني أن استمرار المواجهة والتعبئة الأمنية هو السبيل الوحيد للحفاظ على تماسك السلطة ومنع انتقال الأزمة إلى الداخل.

ويزداد هذا الجدل في وقت تتعرض فيه بنية النظام لضغوط متراكمة. فالاقتصاد يعاني من تراجع الاستثمار، وتفاقم التضخم، واستمرار العقوبات، بينما تتوسع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم. ولذلك أصبح الخلاف الحقيقي يدور حول السؤال التالي: كيف يمكن حماية النظام من الانهيار السياسي والاجتماعي، وليس كيف يمكن تحقيق انتصار دبلوماسي أو عسكري.

وفي هذا السياق، يمثل قرار الحكومة البريطانية بشأن الحرس الثوري الإيراني تطوراً بالغ الدلالة. فهذه الخطوة تضيق هامش الحركة أمام المؤسسة الأكثر نفوذاً داخل النظام، والتي لعبت دوراً محورياً في رسم سياسات التدخل الإقليمي ودعم الميليشيات المسلحة. ومع ازدياد الضغوط الدولية على الحرس، يتصاعد أيضاً الجدل الداخلي حول جدوى استمرار السياسات التي قادت إلى هذا المستوى من العزلة.

ويتقاطع ذلك مع البيان الذي وقّعه أكثر من 120 شخصية عربية، والذي أدان تدخلات النظام الإيراني في الدول العربية ودعا إلى إنهاء سياسات تصدير الأزمات. وتكمن أهمية هذا البيان في أنه يعكس اتساع الرفض الإقليمي لمشروع الحرس الثوري، ويؤكد أن المشكلة لم تعد خلافاً سياسياً بين حكومات، بل أصبحت مرتبطة بصورة النظام نفسه في الوعي العربي بعد سنوات من النزاعات والميليشيات.

لكن العامل الأكثر تأثيراً يبقى الداخل الإيراني. فالمواطن الذي يواجه الغلاء والبطالة وتراجع الخدمات لا يرى أن الصراع بين أجنحة السلطة يقدم حلولاً لمشكلاته اليومية. كما أن استمرار الاحتجاجات الاجتماعية، وتصاعد نشاط وحدات المقاومة في مدن مختلفة، يزيد من قناعة دوائر الحكم بأن الخطر الحقيقي يأتي من الداخل أكثر مما يأتي من الخارج.

ولهذا، يحاول كل جناح تحميل الآخر مسؤولية الإخفاقات. فأنصار التفاوض يتهمون المتشددين بإضاعة الفرص وتعميق العقوبات، بينما يحمّل المتشددون خصومهم مسؤولية تقديم التنازلات وإضعاف موقع النظام. غير أن هذا السجال لا يغير حقيقة أساسية، وهي أن كلا الطرفين يتحرك ضمن هدف واحد يتمثل في المحافظة على بنية النظام، وليس معالجة الأسباب التي أوصلت البلاد إلى هذه المرحلة.

إن ما تكشفه الصحف الإيرانية اليوم هو أن أزمة النظام تجاوزت حدود السياسة الخارجية، وأصبحت أزمة إدارة وبقاء. ولذلك فإن الصراع بين دعاة التفاوض وأنصار التصعيد ليس خلافاً حول مستقبل إيران، بل هو خلاف حول أفضل السبل لإطالة عمر السلطة. أما مستقبل البلاد الحقيقي، فيبقى مرتبطاً بإرادة الشعب الإيراني وقدرته على فرض مسار جديد يضع حداً لدورات الأزمات التي أنهكت الداخل وهددت استقرار المنطقة.