الحشود لا تصنع شرعية… ما لم تقله جنازة خامنئي

حاول نظام ولاية الفقيه أن يجعل من جنازة خامنئي استفتاءً بصرياً على بقائه. أراد صوراً مزدحمة، شوارع ممتلئة، كاميرات رسمية، وخطاباً يقول إن الشعب خرج لتوديع المرشد وإن النظام ما زال يملك قاعدة اجتماعية واسعة. لكن الحشود، مهما كبرت، لا تصنع شرعية إذا جاءت في ظل القمع، والتعبئة الحكومية، والخوف من العقاب، وهي لا تستطيع أن تخفي الفجوة العميقة بين السلطة والمجتمع.
منذ اللحظة الأولى، تعامل النظام مع مراسم الدفن كعملية سياسية لا كطقس جنائزي. جرى استدعاء الموظفين، وتحريك مؤسسات الدولة، وتعبئة قواعد الباسيج والحرس، واستخدام الإعلام الرسمي لتضخيم الأعداد وتحويل المشهد إلى إعلان ولاء. لكن السؤال الذي لا يستطيع النظام الإجابة عنه هو: هل خرج الناس حباً، أم خوفاً، أم امتثالاً لضغط إداري وأمني؟ في الأنظمة المغلقة، لا يكون حضور الجنازات دليلاً كافياً على الشرعية، لأن السلطة نفسها تملك أدوات فرض الحضور وصناعة الصورة.
لقد بالغ إعلام النظام في تقديم الحشود بوصفها بيعة شعبية، لكن هذه المبالغة كشفت حاجة السلطة إلى التعويض عن فراغ سياسي حقيقي. فالنظام الواثق لا يحتاج إلى تحويل دفن زعيمه إلى استعراض ضخم لإثبات أنه لا يزال قائماً. وكلما ازداد التركيز على الأعداد، ازداد السؤال عن سبب هذا القلق. الشرعية لا تُقاس بعدد اللقطات التي تبثها القنوات الرسمية، بل بقدرة السلطة على إقناع المجتمع بأنها تمثله. وهذا ما فقده نظام خامنئي منذ زمن طويل.
الأهم أن مشهد الحشود لم يلغِ الوقائع التي كسرت رواية الإجماع. ففي مشهد، وفي لحظة الدفن نفسها، دوّى شعار «لعنة على خامنئي… تحية لرجوي»، ليقول إن المدينة لم تكن كتلة صامتة خلف الجثة. وفي الجامعات، جرى استبدال الصفحات الرئيسية لـ900 موقع تابع لـ12 جامعة برسائل مرتبطة بالمقاومة، في دلالة واضحة على أن الجيل الجديد لا يرى في جنازة خامنئي لحظة ولاء، بل لحظة مواجهة سياسية.
هذه الوقائع تكشف أن النظام يواجه مجتمعاً منقسماً عنه بعمق، لا مجرد أصوات معارضة محدودة. فهناك عائلات ضحايا، وشباب بلا مستقبل، وطلاب واجهوا القمع، وعمال سحقهم الفقر، وسجناء سياسيون، ومجتمع مضغوط بالإعدامات والبطالة وانهيار المعيشة. هؤلاء لا يظهرون في عدسات الإعلام الرسمي، لكنهم يشكلون الحقيقة الأعمق لإيران ما بعد خامنئي.
ومن هنا يصبح الفرق واضحاً بين الحشد والتنظيم. يستطيع النظام أن يحشد جمهوراً ليوم واحد، لكنه لا يستطيع أن يصنع إيماناً سياسياً مفقوداً. أما المقاومة المنظمة، فتظهر في الشارع والجامعة والفضاء الرقمي، وتربط الغضب الاجتماعي بمشروع سياسي. لذلك فإن ما يقلق السلطة ليس غياب الحشود، بل وجود قوة منظمة قادرة على اختراق مشهدها الكبير وتحويله إلى دليل ضعف.
لقد أراد النظام أن يقول إن الملايين خلف الجثة، لكن الشعار في مشهد والجامعات المنتفضة قالا إن المستقبل ليس خلف النعش. الحشود قد تملأ الشوارع لساعات، أما الشرعية فلا تُفرض بالكاميرات ولا بالحافلات ولا بالخوف. وما بعد خامنئي لن يُقاس بعدد من ساروا في جنازته، بل بعدد من ينتظرون لحظة إسقاط النظام الذي حكمهم باسمه.