الخمور والمخدرات ..أم الخبائث آفة الآفات
قال تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) “سورة المائدة :
91″ .
قال النبي محمد ﷺ :” كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا فَماتَ وهو يُدْمِنُها لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ” .
وقال النبي محمد ﷺ: “ما أسْكرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرامٌ” .
احمد الحاج جود الخير
كشفت منظمة الصحة العالمية في تقريرها لعام 2025 ” أن عدد مستخدمي المخدرات والمؤثرات العقلية بلغ 316 مليون شخص خلال عام واحد فقط ، وبما يُعادل 6% من السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15- 64 ،محذرة من خطر المخدرات الداهم على الأمن والسلامة والتنمية والبيئة الدولية، واستنزاف الناتج المحلي والإجمالي للعديد من الدول على خلفية النفقات المتعلقة بالصحة والجريمة وفقدان الإنتاجية وانتشار الامراض النفسية، والجرائم الجنائية ،والتهاب الكبد الفيروسي،والسل، وأمراض القلب والأوعية الدموية بسبب ادمان المخدرات وتعاطيها، مع الاشارة الى وجود 64 مليون شخص يعانون من اضطرابات ناجمة عن تعاطي المخدرات الصناعية أو الطبيعية المهلكة .
وأما عن كارثة الخمور بأنواعها فكشفت منظمة الصحة العالمية عام 2024 ، أن “الكحول يعد المسؤول الرئيس عن وفاة واحدة تقريباً من بين كل 20 حالة وفاة حول العالم وبما يعادل 2.6 مليون انسان يموتون سنويا بسبب الخمور، على خلفية الحوادث المرورية المروعة الناجمة عن السكر ، ومثلها الأمراض العقلية ، والاضطرابات النفسية ،والأمراض العضوية المزمنة التي يسببها تناول الكحول، وعلى منوالها الجرائم البشعة بأنواعها التي ترتكب بتأثير الخمور حتى لقب الخمر بـ ” القاتل الثالث ” على مستوى العالم .
وهذه العالمة البريطانية ديفي سريدهار، وهي أستاذة في جامعة أوكسفورد سبق وأن طالبت في مقال لها نشر في مجلة “نيتشر” البريطانية الشهيرة “منظمة الصحة العالمية إلى التحرك العاجل للحد من سوء استخدام الخمور، التي تقتل مليونين و500 ألف شخص سنويا”لافتة إلى،أن ”عدد الوفيات بسبب الكحول يفوق عدد ضحايا مرض الإيدز والملاريا والسل مجتمعة ،ولابد من اتفاقية دولية مُلزِمة للحد من سوء استخدام الكحول لأنه بات التهديد الأكبر لحياة البشر في الدول ذات الدخل المتوسط والتي يعيش فيها نحو نصف سكان العالم !!” .
والأحاديث النبوية الشريفة في حرمة الخمر كثيرة، قال رسول ﷺ:“الخمر أم الخبائث”، : (لعن في الخمرة عشرة، عاصرها ومعتصرها، وشاربها وحاملها، والمحمولة إليه وساقيها، وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشترى له).
وجاء في حديث آخر أن رسول الله ﷺ:قال: (أن على الله عهدًا لمن شرب المسكر أن يسقيه الله من طينة الخبال، قالوا، وما طينة الخبال يا رسول الله، قال: عرق أهل النار أو قال عصارة أهل النار).
ومن الأمراض الخطيرة جدًّا التي يسببها تعاطي الخمور ما يعرف بذهان كورسا كوف،واعتلال الدماغ الفرنيكي، والخرف الكحولي، والهلوسة وهبوط القلب، وارتفاع ضغط الدم وسرطان الكبد وتليفه، ودهنية الكبد مع تزايد النزعات الانتحارية والمشاكل الأسرية.
وهناك مع شديد الاسف من من يشيع بأن البيرة والنبيذ الأحمر لا تسببان ضررًا كبيرًا لمدمنيها قياسًا بأنواع الخمور الأخرى، وهذه واحدة من أفدح الأخطاء التي يبررها المدمنون لتعاطي الخمور، وأود أن أنقل لهؤلاء ما ورد في المجلة الطبية الكندية المجلد 97 صـ883 عن أخطار البيرة الفتاكة وكالآتي (إن شاربي البيرة بصورة خاصة يصابون بمرض قلبي مفاجئ من أعراضه سرعة خفقان القلب وتضخمه وضعفه، واحتقانه مع ضيق في التنفس وألم في أعلى البطن والنزيف) علمًا بأن مادة – أسيد ساليسيلك- المضافة إلى شراب الشعير المخمر لحفظه من التعفن هي مادة مخرشة للكلى ومخربة لها وبالتالي ليست البيرة كما يظن البعض خطأ أنها مفيدة للكلى بل العكس تمامًا فهي مخربة لها.
أما بشأن النبيذ الأحمر فهذه طامة كبرى لا تقل فداحة عن سابقاتها وخطأ آخر يقع فيه بعض الأطباء ممن لا دين لهم والعياذ بالله، فهذه المؤسسة الأمريكية لأمراض القلب أصدرت تحذيرًا طبيًّا إلى جميع الأطباء في العالم عام 2000م تنصحهم بعدم وصف النبيذ الأحمر كدواء لأن المواد المضادة للأكسدة الموجودة فيه موجودة أيضًا في عصير العنب العادي غير المخمر مع الفارق في عدم وجود الكحول الضار جدًّا في عصير العنب مقارنة بالنبيذ الأحمر المستخرج منه .
ناهيك عن أن الخمرة تؤدي إلى الجلطات القلبية والسكتات الدماغية، كما تؤدي إلى انخفاض حرارة الجسم ، وبإيجاز فإن الخمرة وكما وصفها العالم البريطاني أوبري لويس رئيس قسم الأمراض النفسية بجامعة لندن ((هي السم الوحيد المرخص بتداوله على نطاق واسع في العالم كله لذا فإن الكثير من مضطربي الشخصية في العالم يتناولونها بكثرة وإن جرعة واحدة تؤدي إلى الهيجان أو الخمود مع تعرض المدمنين منهم إلى التحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون).
وحسبنا أن نذكر بالحديث النبوي الشريف: ” كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ” ، وأن عرج قليلا على إحصائية منظمة الصحة العالمية والتي كشفت على صفحتها الرئيسة ،بأن ” استهلاك الكحول ينطوي على مخاطر صحية ويخلّف آثاراً اجتماعية لها علاقة بقدرته على الإسكار وإحداث التسمّم والإدمان ..ويقتل الخمر على نحو ضار 2.5 مليون شخص، 320000 منهم من الشباب الذي تتراوح أعمارهم بين 15 – 29 سنة، وهو عامل الخطر الرئيس الثالث المسبب للوفاة حول العالم “.
لقد تدرج القرآن الكريم في تحريم الخمر، حتى حكم الله تعالى بتحريمها نهائيًّا، بل وباجتنابها أيضًا، والاجتناب كما تعلمون هو أبلغ وأشد من التحريم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فالتحريم= المنع من الفعل ذاته،فالميتة على سبيل المثال محرم علينا أكلها و لكن بالامكان الانتفاع بصوفها وبقرونها،كما جاء في “ملتقى أهل التفسير”، ولأن تحريم الخمر هو النص بعدم احتسائها، وأما اجتناب الخمر فهو أقوى من التحريم دلاليا لأنه أمر بعدم الوجود في أماكنها أيضا وعدم الدخول الى حاناتها ولا الجلوس على موائد من يعاقرونها ولا بيعها ولا تسويقها ولا الترويج لها ولا الإعلان عنها ولا تأجير العقارات والمحال لمن يرومون بيعها أو تصنيعها ، بل وعدم بيع محصول العنب وإن كان في أصله مباحا لمن عرف بين الناس بالمتاجرة بالخمر أو المجاهرة والاقرار بتصنيعها من العنب وبقية المحاصيل الزراعية والفواكه والثمار التي تصنع منها الخمر تخميرا أو تقطيرا ، ولكل شعب من شعوب الأرض عبر التاريخ خمرته التي – يدوخ بها جمجمته – ليرتكب بتأثيرها المسكر المغيب للعقل وهو مناط التكليف وقد جاءت الشريعة الغراء للحفاظ عليه ضمن الضرورات الخمس التي أمر المسلمون بحفظها : ” حفظ الدين ، حفظ النفس ، حفظ العقل ، حفظ النسل ، حفظ المال “، جملة آثامه وخطاياه وخطيئته على قول أجدادنا في أمثالهم !”،فالاجتناب = المنع من الفعل وما يقاربه وما يفضي إليه ، وجاء في لسان العرب عن الاجتناب :” وجنّب الشيء وتجنّبه وجانبه وتجانبه واجتنبه : أي بعُد عنه ” ، ولقد أبدع الاستاذ جمال نصار حسين ، في بحثه الموسوم :”الاجتناب والتحريم في اللسان القرآني…مقاربة لسانية-فقهية” ،في تفصيل هذا الموضوع وتوضيح ما أشكل على عوام الناس منه حتى صار مادة للجدل والمراء والتفيقه والتمنطق،وبما يثار هنا وهناك !
وبَيَّنَ نصار بأن الاجتناب صيغة تشريعية أقوى وأعمّ من التحريم، لأنه يستأصل الفعل من جذوره ويمنع الاقتراب من سياقاته، والاجتناب وفي سياق معظم الآيات القرآنية قد جاء لتحريم أكبر الكبائر وأشد الفواحش ضررا، وفي ذلك قال تعالى : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (النجم: 32)، وقوله تعالى : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: 36)، وقال تعالى : ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: 30) ، وقال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: 12).
فكل هذه الكبائر المرعبة والفواحش المروعة ، معلومة التحريم بداهة وبالأخص عبادة الأوثان ولعب القمار وشهادة الزور،وقد أمرنا نحن المسلمين باجتنابها جميعا كالخمر ،بمعنى الابتعاد عن مقدماتها وعن نتائجها كليا، وليس ممارستها أو الوقوع فيها فقط كما يقتضي التحريم ، فاجتناب الأوثان لا تعني تحريم عبادتها فحسب،وإنما اجتناب الدخول أو الاقتراب من مواضعها ومعابدها وتحريم بيع قرابينها أو مخالطة كهانها وسدنتها ودجاجلتها ، وعدم المشاركة في طقوسها واحتفالاتها ولا تناول عصائرها واطعمتها ولحوم ذبائحها أيضا، وعلى نحوها اجتناب الميسر والقمار فلايحرم لعبها فحسب،وإنما اجتناب الدخول الى صالاتها وكازينوهاتها والترويج لمواقعها ونشر روابطها والإعلان عن أماكنها وتشجيع الناس على لعبها أو توفير الأماكن وتأجير العقارات للعبها وهلم جرا،ومثل ذلك الخمر التي أمرنا باجتنابها رغما عن أنف من يحاول خداع الناس بتخفيف حرمتها ، متذرعا باجتنابها فقط لا غير، وما درى المغفل أو المتغافل ، بأن الاجتناب هو أغلظ من التحريم ، وأوسع منه إشارة ودلالة وحكما في الحرمة !
وهذه مؤسسة أبحاث السرطان في المملكة المتحدة وفي منشور لها عبر حسابها على منصة “إنستغرام”، تكشف في تموز / 2026 بأن”ضرر معاقرة الخمور لا يرتبط بنوع معين من المشروبات الكحولية، بل بالكحول نفسه، لأن الكحول يسبب سبعة أنواع من السرطان، حتى ولو بكميات قليلة، من بينها سرطان الثدي وسرطان الأمعاء وسرطان الفم وسرطان الكبد، وبعض أنواع سرطان الحلق ولا بد من تقليل استهلاك الكحول، ومراقبة عادات الشرب، وتخصيص أيام خالية من الكحول، واستبدال المشروبات الكحولية ببدائل غير كحولية!!” .
سبقتها دراسة علمية أمريكية أجراها علماء جامعة بنسلفانيا نشرت في مجلة جورنال نيشر كوميونيكيشنز عام 2022 م ،تضمنت تحليل البيانات الطبية لـ 36 ألف شخص، كشفت عن أن ” تناول الخمور خطير حتى ولو تم تناولها بقدر ضئيل ، إذ تبين خلال الدراسة – تناقص حجم الدماغ – مع شرب الخمور والكحوليات بمعدل متوسط قدرة وحدة كحوليات واحدة في اليوم ، وهي أقل نسبة كحولية معروفة تسمى محليا بـ “البيك ” وبما يهدد المخ بالتعرض لخطر التدمير والتلف وتناقص الحجم” وفقا للدراسة .
الحقيقة وعندما قرأت أول مرة تفاصيل هذه الدراسة العلمية الرصينة التي نشرت في كبريات الصحف والمجلات والمواقع العلمية ، تذكرت ما قاله يوما أحد المتنمطقين داخل مقهى شعبي معروف وبأعلى صوته بعدما لمح مجلة ورقية في يدي وهي تحذر على صدر غلافها وبعنوان بارز وبالمانشيت العريض من خطر معاقرة الخمور، ليقول لصاحبه المريض ما نصه وبكل عنجهية :”تريد تتخلص من مشاكل البروستات والضغط والسكري والقلب والشرايين اللي عندك ؟!” فقال له صديقه الغرقان بأمراضه المتعلق ولو بقشة لانقاذ حياته، على الفور ” اي لك داد ..إليَّ بالعلاج الشافي والناجع يا أبا قراط زمانه ، ويا داود انطاكي القرن الـ 21 !” فقال له المتنطق وباللهجة البغدادية الدارجة : “شوف عيني.. أخذلك يومية وقبل ما تنام بالليل – بيك ويسكي- وباوع شلون راح تستعدل أمورك ،ولا تنسى تدعيلي !!!” فقال له صديقه وبعد أن صعق من هول الإجابة غير المتوقعة ولاسيما وأنه كان يرتدي الدشداشه والعرقجين ويبدو عليه أمارات التدين وبأنه من المصلين :” يمعود حرااام ..أنت صدك تحجي ، ومن كل عقلك ؟!” فلم يسكت المتنطق خجلا بل وانبرى يبرر ويسوغ قائلا :” لك بابا افهموها ، البيك والبيكين الي ما تسكر الشخص على زعم الشحروريين ، مو حراااام ..الحرمة على حالة السكر والإسكار وليس على معاقرة قليل الخمر دون الإسكار !!”.
لتتحفنا ولترد على المتنمطق الموما إليه دراسة علمية نشرت نتائجها عام 2022 بعد متابعة حالة 371 ألف شخص بأنّ استهلاك الكحول ولو كان باعتدال بمعدل بيك واحد للنساء وبيكين للرجال ،يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالضغط الدموي المرتفع بنسبة 1.3 ضعف، وزيادة خطر الإصابة بشريان القلب التاجي بنسبة 1.4 ضعف!!
سبقتها دراسة علمية أجريت في جامعة واشنطن حللت بيانات الوفيات المرتبطة بالمسكرات في(195) دولة للفترة بين 1990-2016، أكدت عدم وجود مستوى آمن من شرب الكحول، لتضيف احدى الباحثات المشاركات في الدراسة ،الدكتورة إيمانويلا جاكيدو ،بأن “المخاطر الصحية المرتبطة بالكحول هائلة، وأخطرها الوفاة المبكرة، لأن تناول الكحول يرتبط بـ 23 نتيجة صحية سلبية، تشمل أمراض القلب، والسرطانات، وتليف الكبد، والسكري،واضطرابات تعاطي الكحول، فضلاً عن الغرق وإيذاء النفس”.
فيما كشف الدكتور ماكس جريسوولد،أن ” شرب الخمور يسبب خسائر صحية كبيرة، في جميع أنحاء العالم ، وهو ما ينفي خرافة أن كأس أو اثنتين من المشروبات الكحولية يوميًا -على زعم متمنطق المقهى – يعد أمرا غير مضر بالصحة “وفقا لصحيفة النبأ الوطني ، بعددهاالصادر في آب / 2018 .