
رياض سعد
لا أميل إلى التماهي مع الخطاب المتشائم الذي يصور العراق وكأنه بلد بلا قيادة، كما ذهب إليه الكاتب عادل رؤوف في كتابه «عراق بلا قيادة»… ؛ وفي المقابل، لا أستطيع أن أشارك أصحاب التفاؤل المفرط الذين يصورون واقعنا وكأننا نمتلك قيادات استثنائية نجحت في إدارة الدولة وحماية المجتمع وتحقيق تطلعات المواطنين… ؛ فالواقع أكثر تعقيدًا من هذين التصورين؛ إذ إن المشكلة ليست في غياب القيادات بقدر ما تكمن في طبيعة هذه القيادات، ومستوى كفاءتها، واستقلال قرارها، ومدى إخلاصها للمصلحة الوطنية.
لقد علمتنا التجارب الإنسانية أن أخطر أنواع الجهل ليس الجهل البسيط، وإنما الجهل المركب؛ ذلك الذي يجعل صاحبه يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة وهو في الحقيقة يفتقر إلى أدواتها… ؛ وينطبق الأمر ذاته على القيادة؛ فالقائد غير المؤهل، الذي يتوهم امتلاك الحكمة والخبرة، يكون أكثر ضررًا من الشخص الذي يعترف بحدود معرفته… ؛ فالأول يقود الآخرين بثقة زائفة، ويتسبب في خسائر جسيمة في الأرواح والثروات والفرص، ثم يظن أنه أحسن صنعًا.
والأمم لا تنهار بسبب الأزمات وحدها، وإنما بسبب سوء إدارة تلك الأزمات… ؛ فالكوارث قد تكون عابرة إذا أحسن القادة التعامل معها، لكنها تتحول إلى أزمات مزمنة عندما تدار بعقلية ضيقة، أو بمنهج قائم على الارتجال والانفعال وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
وهذا ما عانى منه العراق مرارًا؛ إذ تحولت كثير من الأزمات إلى حلقات متواصلة من الفشل، لأن من تصدوا للقيادة لم يمتلكوا رؤية استراتيجية، ولا مشروعًا وطنيًا جامعًا، ولا استقلالًا حقيقيًا في القرار… ؛ فأصبحت الأخطاء تتراكم، وتضيق الخيارات، وتتعمق الانقسامات، وتتعقد الحلول، حتى غدا المجتمع أسيرًا لأزمات متلاحقة بدل أن يكون قادرًا على تجاوزها.
وكما أن الطبيب الذي يخطئ في تشخيص المرض قد يفاقم حالة المريض بدل أن يعالجه، فإن القيادة التي تسيء تشخيص مشكلات المجتمع لا تنتج إلا حلولًا تزيد الأزمات تعقيدًا… ؛ وقد عبّر العراقيون عن هذه الحقيقة بمثلهم الشعبي: «يذب على النار حطب»؛ أي إن بعض من يتصدرون لمعالجة الأزمات لا يفعلون سوى تأجيجها، فتتعطل الحلول، وتتسع دائرة الخلافات، وتزداد كلفة الأخطاء على الدولة والمجتمع.
ولا يمكن إنكار حجم الضغوط الخارجية والمؤامرات التي تعرض لها العراق عبر تاريخه الحديث، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن العامل الخارجي لم يكن وحده المسؤول عن الإخفاقات المتراكمة، بل إن سوء الإدارة، وضعف الكفاءة، وغياب المشروع الوطني، وارتهان بعض القيادات لإرادات خارجية، كانت عوامل لا تقل خطورة عن أي تهديد خارجي.
ولعل أكثر ما يثير الأسف أن شريحة واسعة من القيادات الدينية والسياسية التي تصدرت تمثيل الأغلبية العراقية لم تنجح في أن تكون معبرة عن همومها الحقيقية، أو مدافعة عن حقوقها، أو حامية لكرامتها… ؛ بل إن بعض هذه القيادات تعامل مع جمهورها بمنطق الوصاية والاستعلاء، لا بمنطق الشراكة والاحترام، وأصبح المواطن بالنسبة إليها مجرد رقم انتخابي أو وسيلة لتحقيق النفوذ، وليس شريكًا في بناء الدولة.
وقد تداول العراقيون، خلال السنوات الماضية، العديد من التصريحات المنسوبة إلى شخصيات دينية وسياسية، والتي تعكس نظرة دونية إلى شرائح اجتماعية أصيلة من أبناء العراق، ولا سيما أبناء الوسط والجنوب… ؛ فبدل أن تكون القيادة عاملًا في تعزيز الانتماء الوطني، تحولت بعض الخطابات إلى وسيلة لتكريس الانقسامات الاجتماعية، وإهانة الفئات التي يفترض أنها تمثلها وتدافع عنها.
ومن المؤسف أيضًا أن بعض الساسة تعاملوا مع الجماهير بوصفها كتلة يسهل توجيهها عبر إثارة العاطفة الدينية أو الخطاب التعبوي، لا عبر البرامج الواقعية والإنجازات الملموسة… ؛ وهذه النظرة تكشف أزمة أخلاقية وسياسية عميقة؛ لأنها تختزل الإنسان العراقي في مجرد ناخب يمكن التأثير عليه بالشعارات، بدل احترام وعيه وحقه في الاختيار الحر المبني على الكفاءة والإنجاز.
ولا تقل خطورة عن ذلك ظاهرة الارتهان للخارج، التي ابتليت بها قوى وشخصيات سياسية ودينية متعددة، فباتت مصالح بعض القيادات مرتبطة بحسابات إقليمية أو دولية أكثر من ارتباطها بالمصلحة الوطنية العراقية… ؛ وعندما يصبح القرار السياسي أو الديني مرهونًا بإرادة خارج الحدود، فإن الخاسر الأول يكون المواطن العراقي، وتصبح سيادة الدولة ووحدتها وثرواتها رهينة لمعادلات لا يملك العراقيون التحكم بها.
وكانت النتيجة الطبيعية لهذه السياسات أن تعرضت الأغلبية العراقية، رغم ما قدمته من تضحيات جسيمة في مواجهة الحروب والإرهاب والدفاع عن الدولة، إلى شعور متزايد بالتهميش والإحباط… ؛ فلم تحصل على مستوى الخدمات والتنمية الذي ينسجم مع حجم تضحياتها، ولم تجد من يدافع عن كرامتها في الداخل والخارج بالقدر الذي تستحقه.
كما تعرض العراق بأسره لحملات إعلامية وسياسية هدفت إلى تشويه صورته، وإثارة الانقسامات بين مكوناته، وإضعاف مكانته الإقليمية والدولية… ؛ وكان يفترض بالقيادات الوطنية أن تواجه هذه الحملات بتعزيز الوحدة الداخلية، وترسيخ الهوية الوطنية، والدفاع عن كرامة جميع العراقيين دون تمييز، لكنها كثيرًا ما انشغلت بصراعاتها البينية، أو بخدمة تحالفاتها الخارجية، أو بحساباتها الحزبية الضيقة.
إن القيادة الحقيقية لا تقاس بكثرة الأتباع، ولا بحجم الشعارات، ولا بعدد الخطب والمنابر، وإنما تقاس بقدرتها على حماية الوطن، وصيانة كرامة المواطنين، وتحقيق العدالة، وإدارة الاختلاف، وبناء المؤسسات، وصناعة المستقبل.
لقد دفعت الأغلبية العراقية، ومعها سائر أبناء العراق، أثمانًا باهظة بسبب سوء القيادة أكثر مما دفعت بسبب ضعف الإمكانات… ؛ فالبلاد التي تمتلك هذا الحجم من الثروات والطاقات البشرية كان يمكن أن تكون في مصاف الدول المتقدمة لو توفرت لها قيادات تمتلك الكفاءة والاستقلال والشجاعة والنزاهة والرؤية الوطنية.
إن الأزمة العراقية ليست أزمة شعب، بل أزمة قيادة… ؛ وليست أزمة إمكانات، بل أزمة إدارة… ؛ وليست أزمة موارد، بل أزمة أولويات… ؛ وما لم تنشأ قيادات وطنية مستقلة، تجعل العراق فوق الولاءات الخارجية، وتقدم مصلحة المواطن على المصالح الحزبية والفئوية، فإن دوامة الإخفاق ستستمر، وستبقى الأغلبية العراقية، ومعها جميع أبناء الوطن، تدفع ثمن أخطاء من ادعوا تمثيلها، بينما كانوا في كثير من الأحيان أبعد الناس عن همومها وآمالها.
إن إنصاف الأغلبية العراقية لا يعني الانتقاص من حقوق أي مكون آخر، وإنما يعني إقامة دولة المواطنة والعدالة، التي يشعر فيها كل عراقي بأن قيادته تمثله حقًا، وتحمي كرامته، وتصون سيادة بلده، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل ولاء خارجي أو حساب سياسي ضيق… ؛ فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الزعامات المتنافسة، بل يحتاج إلى رجال دولة يؤمنون بأن قوة العراق تبدأ من احترام شعبه، وأن استقلال القرار الوطني هو الأساس الذي تبنى عليه التنمية والاستقرار والكرامة.
