الأبعاد الخفية لتشيع الفصائل الولائية العراق للمأتم الجنائزي القسري بعد انتهاء زيارة الأربعين؟

صباح البغدادي

(*) والأهم ما نسعى إلى تسليط الضوء عليه وما نريد بدورنا أن نوصله إلى الرأي العام من واقع المسؤولية الوطنية تتمثل حاليا بأن خلايا العملاء باتت في حالة إنذار قصوى، سواء في إيران أو العراق أو لبنان. وهؤلاء العملاء ليسوا بالضرورة أفراداً عاديين جُنّدوا سابقاً، وإن وُجدوا، فإن الأخطر منهم هم من يشغلون مواقع مسؤولية تتيح لهم الاطلاع على خفايا وأسرار ومعلومات كان يُفترض ألا يصلوا إليها، حتى لو تمتعوا بمناصب حكومية.وفي العراق اليوم، أصبح التباهي بالقرب من المسؤولين ونشر ذلك علناً عبر وسائل التواصل الاجتماعي أمراً شائعاً، ما يسهّل على أجهزة المخابرات الأجنبية اكتشاف نقاط الضعف والثغرات واستغلالها لتجنيد مثل هؤلاء. أما أجهزة الاستخبارات العراقية بمختلف مسمياتها، فتبدو غارقة في سبات عميق، وكأنها نائمة في العسل.

(*) وكأنّ قدراً مظلماً كُتب على العراق أن يعيش معظم أيامه في مأتم جنائزي مفتوح، بعيداً عن مواكب الأفراح ومهرجانات المسرّات . وليس آخر فصول هذا المشهد المأساوي ما تطالب به الفصائل الولائية من الحكومة العراقية، إذ تمنحها مهلة للرد على القصف الأمريكي-السعودي، محذّرة من أن ضبط النفس قد ينفجر في أي لحظة. أما الحكومة فتبدو حائرة ومذهولة أمام هذه المطالب، في مشهد يعكس انقلاباً واضحاً في موازين السلطة، وكأن الفصائل الولائية أصبحت هي الدولة، بينما تحولت الحكومة الرسمية إلى تابع لها.

(*) رغم أن المنطق الجمعي يفرض على الجميع، في هذه اللحظات الحرجة التي يمر بها العراق، التحلي بأقصى درجات العقل والهدوء والحكمة، والامتناع عن أي تصعيد سواء مع إيران أو الولايات المتحدة أو دول الخليج، لان العباد وسائر البلاد ليست بحاجة إلى مزيد من الأزمات الأمنية. فالعراق يعاني أصلاً من أزمات متراكمة، أبرزها نقص الأموال في الخزينة وعدم القدرة على دفع الرواتب، ما يجعل الجوع شرارة جاهزة لإشعال انتفاضة جماهيرية عنيفة قد تلتهم الأخضر قبل اليابس.

(*) قيادة الفصائل الولائية، أنتم تعلمون جيداً كما نعلم نحن، أن الصورة باتت واضحة ولا تحتاج إلى عبقرية لكشف خفاياها: إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد وفق الرؤية العالمية الراهنة، وفي ظل وجود الرئيس ترامب . أنتم وإيران تحاولون تأمين موطئ قدم لكم في هذا الشرق الأوسط الجديد، لكن المحاولات تبدو بلا جدوى حقيقية . فأحزاب الإسلام السياسي أصبحت من بقايا الماضي، وفي تجربة الإخوان المسلمين أسوة وعبرة لكم عسى ولعلى إن يكون في اتعاظ لكم  . فما يجري لها اليوم من تصنيف كجماعات إرهابية من قبل معظم دول العالم يذكرنا جيداً كيف كانت قياداتها تُستقبل بالأمس القريب استقبال الأبطال في العواصم الغربية، وعلى يد رؤسائها أنفسهم، لأنهم كانوا أداة مفيدة في مواجهة الشيوعية. واليوم انقلبت الموازين تماماً، وأنتم لستم بأفضل حالاً منهم.

(*) يثير التواجد الكثيف لعناصر الحرس الثوري الإيراني حالياً، تحت ستار تأمين الزوار الإيرانيين خلال زيارة أربعينية الإمام الحسين (ع)، تداعيات أمنية خطيرة. فهؤلاء العناصر، إلى جانب الفصائل الولائية، يُنظر إليهم على أنهم متهيئون في أي لحظة لاستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج.غير أن ما يثير الغضب الأكبر ويصعب على المواطن العراقي تحمّله هو ظهورهم بأسلحتهم الشخصية، وإشرافهم المباشر على تدقيق هويات الزائرين العراقيين داخل كربلاء . وقد انتشرت شهادات مصورة حية على مواقع التواصل الاجتماعي توثق هذا السلوك، مصحوبة بنبرة غضب شديد من المواطنين الذين اعتبروا طريقة تعاملهم معهم وكأنهم في مدنهم الخاصة.

في اليوم الـ 45 من توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وبعد 154 يوما من اندلاع الحرب ومع استعار التهديدات المتبادلة لكلا الأطراف المتحاربة الى مديات غير مسبوقة واكثر أصرارا وتأثير من قبل وسعي المحموم للوصول إلى أمتار الاخيرة لهذا الماراثون الجنائزي سواء من قبل طهران أو واشنطن أو تل ابيب بحسم نهائي للمعركة خلال الأيام القادمة وبضبط إيقاع الحرب حسب مصالح الأطراف المتحاربة وحسب ما تم تداوله في وسائل الاعلام قبل ساعات قليلة بإن الولايات المتحدة وإسرائيل تخططان تستعدان لما قد يكون واحدة من أقسى حملات القصف ضد أهداف البنية التحتية للطاقة في إيران، مشيرين إلى أنها قد تبدأ خلال عطلة نهاية الأسبوع وما نقلته بالمقابل وكالة تسنيم الإيرانية عن مسؤول أمني رفيع المستوى، قوله إن :” بلاده أعدت خطة شاملة للرد على أي (حماقة أمريكية محتملة)، معتبرا الحديث عن ضرب البنية التحتية الإيرانية “ضربا من الجنون” ولكن ما يهمنا نحن في العراق الواقعين مرغمين وقسرا بين فكي كماشة هذه التهديدات المتبادلة بالقصف والتي تستعد بدورها تنسقية فصائل المقاومة العراقية بالاشتراك الفعلي وبالأخص بأن ما تزال ردود الأفعال على القصف الأمريكي السعودي المشترك على مقار الحشد الشعبي تتواصل وتطالب بدورها حكومة بغداد بالرد والانتقام وإلا سوف تقوم هي بأخذ زمام الأمور من الان وصاعدا ؟ ولا نعرف كيف سترد الحكومة العراقية هل بقطع العلاقات الدبلوماسية بكافة تفرعاتها السياسية والاقتصادية والتجارية أم يقوم سلاح الجو العراقي بشن ضربات انتقامية ؟ ومع المهلة التي سوف تنقضي بعد ايام قليلة حيث ما تزال تواصل ردود الفعل على القصف الأمريكي-السعودي الذي استهدف مقار الحشد الشعبي، مع إعلان ما يُعرف بـ«المقاومة العراقية»منح الجهات الحكومية المطالبة بحصر السلاح مهلة حتى 23 صفر الموافق 6 آب من الشهر الحالي، لاختبار قدرتها على ردع «المعتدين» وحماية السيادة. وأكدت أن ردها على الهجوم «قادم لا محالة»، مشيرة إلى إمكانية أن يطال أهدافاً داخل السعودية بعد انتهاء زيارة الأربعين. كما نفت أي صلة لها باستهداف المنشآت النفطية السعودية، واعتبرت الضربة التي طالت الحشد الشعبي وموكباً للزوار في كربلاء “جريمة سقط على إثرها عشرات الشهداء والجرحى” وهذه ليست المرة الأولى التي تُستهدف فيها ميليشيات مدعومة من إيران داخل العراق، لكنها المرة الأبرز التي تشارك فيها السعودية علناً وبشكل فعال في عملية مشتركة داخل الأراضي العراقية. هنا يبرز لنا السؤال الاستقصائي والذي نحاول ان نبحث عن اجابة عليها بين عبارات وجمل التصريحات الإعلامية الانتقامية المرتقبة :” هل كانت الضربة مجرد رد فعل عسكري روتيني، أم جاءت بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة كشفت عن اجتماعات تنسيقية لإدارة الهجمات على منشآت الطاقة في الخليج ؟ فهل كانت هناك “معلومة ذهبية” سربت عمدا مع سبق الإصرار والترصد ومن خلال القنوات السرية المشفرة الى القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”  عن وجود اجتماعات متتالية لقيادات عسكرية وامنية رفيعة المستوى ومؤثرة مما تسبب في التعجيل لهذه الضربة وسقوط قتلا من الحرس الثوري الإيراني في هذه الضربة وبعد ان تم تشيعهم علنآ  لان وجود عناصر الحرس الثوري غير الرسمي داخل العراق أعاد فتح جدل قديم في الإعلام والسياسة العراقية حول طبيعة هذا التواجد وحدود السيادة وفي السياق الإقليمي الأوسع، تأتي هذه العملية بعد فترة من التوترات المتصاعدة، وبعد سنوات من هجمات متكررة على منشآت سعودية. الرسالة السعودية، اصبحت واضحة ولكن مزدوجة: ” أولاً، أن ضبط النفس الدبلوماسي له حدود، وأن أي قصف يستهدف أراضي المملكة سيقابل برد مؤثر. ثانياً، أن العراق لم يعد مساحة آمنة لتنسيق عمليات خارج السيطرة الحكومية الرسمية” وهذه الضربة المفاجئة تحيلنا الى نسقها كان اشبه الى حد كبير وقد يكون متطابق في اهم جوانبه ومن خلال ضربة إسرائيل الجوية لزعيم حزب الله اللبناني “حسن نصر الله” في أيلول 2024 فما هو مشترك بينهما هو استخدام الضربات الجوية الدقيقة لإرسال رسائل سياسية وعسكرية في آن واحد. النتيجة المباشرة: جدل عراقي حول صفة تواجد ضباط الحرس الثوري، وإدانات رسمية، وتصعيد محتمل. أما النتيجة الأعمق فهي إعادة رسم خطوط الردع في المنطقة. سواء اعتمدت العملية على معلومات استخباراتية حساسة سربت عمدا لاجتماعات قيادة الحرس الثوري أم على تراكم هجمات سابقة، فقد أثبتت أن المعادلة السابقة لم تعد كما كانت.

وفقاً لما تداولته وسائل إعلام أمريكية قبل ساعات نقلاً عن مسؤولين، تخطط الولايات المتحدة وإسرائيل وتنفذ استعدادات لما قد يكون إحدى أقسى حملات القصف ضد أهداف البنية التحتية للطاقة في إيران، وقد تبدأ خلال عطلة نهاية الأسبوع، بهدف إجبار طهران على الرضوخ وتوقيع صفقة. في المقابل، وعلى الجانب غير المرئي، تستعد ميلشييات الفصائل الولائية المسلحة، بالتنسيق مع الحوثيين، لضرب محطات الطاقة في السعودية والكويت. ورغم استمرار القنوات الخلفية المفتوحة بين بغداد والرياض، فقد حذرت السعودية بشدة من أن أي استهداف لمنشآتها النفطية ينطلق من الأراضي العراقية سيواجه رداً قاسياً وحتمياً، مطالبةً بضبط إيقاع هذه الفصائل والسيطرة عليها لأن العواقب ستكون وخيمة، مؤكدة أن معادلة الردع قد تغيّرت إلى الأبد وأن الأمس لم يعد كاليوم. أما رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، فقد ألغى زيارته المقررة إلى السعودية ليس بسبب الضربات الجوية حسب ما تم تداوله في وسائل الإعلام ، بل بسبب حملة التخوين الإعلامية التي طالته، بعد تهديدات من قادة الإطار التنسيقي والفصائل الولائية بإطلاق وسائل الإعلام والجماهير في مظاهرات صاخبة عنفوانية . ويُنظر إلى هذه الحملة على أنها محاولة لصرف الأنظار عن حملات مكافحة الفساد التي يقودها “الزيدي” بصفته الشخصية ، وإيقافها عند حدودها، رغم الدعم الأمريكي الواضح له. حيث جاءت الضربات السعودية بمثابة حبل إنقاذ غير متوقع لهذه الفصائل الولائية، لتعزيز إصرارها على عدم نزع سلاحها. وفي الساعات الماضية سارعت بعض وسائل الإعلام الرسمية إلى الترويج بأن الزيدي هدد بتقديم استقالته، بينما تشير المعلومات إلى أنه هدد بالبحث عن بديل له، لأن الأوضاع في العراق أصبحت لا تطاق ولا تحتمل , لان استقالة رئيس الوزراء في ظل هذه الظروف الصعبة تعني بان العراق سوف يدخل في نفق مظلم حتى بصيص ضوء لا يوجد به . وما تزال حالة الشد والجذب قائمة حول هذا الملف، ومن المتوقع أن تتضح الصورة أكثر في الأيام المقبلة مع بدء القصف الأمريكي-الإسرائيلي المحتمل: فهل ستكون هذه المعركة الأخيرة بعد استهداف منشآت الطاقة الإيرانية وتحويل طهران إلى ظلام دامس، أم ستتحول إلى دوامة لا نهاية لها؟.
وتندرج هذه التحذيرات كذلك ضمن أزمة دفع الرواتب الخانقة التي تورطت فيها حكومة الزيدي، وهي أزمة متراكمة ناتجة عن سنوات طويلة من الفساد المستشري. فالشعب العراقي قد يثور في أي لحظة، رغم محاولات حقن التهدئة والتخدير التي ما يزال الجسد العراقي يتلقاها. أما إذا انهار هذا الجسد تماماً، فإن العراق سيتحول إلى مأتم جنائزي كبير يعجز الحكومة عن استيعابه أو السيطرة عليه. فقد أصبح الشارع العراقي أشبه ببرميل بارود قابل للانفجار في أي وقت، بينما تبدو الحكومة غير مكترثة بما يكفي بهذا الخطر المتصاعد.