خالد الغريباوي
لم يعد اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد تفاهم دفاعي بين ثلاث دول، بل يمكن قراءته بوصفه مؤشراً على تحوّل أعمق في بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. فالمنطقة التي اعتادت خلال العقود الماضية على معادلات تقوم على الاستقطاب والمحاور، تبدو اليوم أمام محاولة لإعادة توزيع القوة والردع بطريقة أكثر تعقيداً، بحيث لا تبقى القدرة على التأثير الإقليمي حكراً على محور واحد.
ولهذا، فإن تشبيه الاتفاق بـ«حلف بغداد» قد يبدو للوهلة الأولى مغرياً، لكنه لا يعكس كامل الصورة. فحلف بغداد نشأ في بيئة الحرب الباردة وتحت مظلة دولية واضحة، بينما اتفاق مكة يأتي في بيئة مختلفة تماماً؛ بيئة تتعدد فيها مراكز القوة، وتتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والطاقة والتجارة، وتصبح فيها الدول أكثر حرصاً على بناء ترتيبات تحمي مصالحها من دون الانجرار إلى حرب شاملة.
القوة الأساسية في اتفاق مكة ليست فقط في القدرات العسكرية للدول المشاركة، وإنما في تراكم عناصر القوة. السعودية تمتلك موقعاً مركزياً وثقلاً اقتصادياً وسياسياً، وتركيا تمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الحساسية وقدرات عسكرية ونفوذاً يمتد إلى العراق وسوريا والبحر الأسود والشرق الأوسط، بينما تضيف باكستان وزناً عسكرياً واستراتيجياً مهماً. وعندما تجتمع هذه العناصر في إطار دفاعي واحد، فإن الرسالة الأهم تصبح رسالة ردع: أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة بالقوة ستحتاج إلى حسابات أكثر تعقيداً.
وهنا تحديداً تبرز أهمية تركيا. فأنقرة ليست طرفاً بعيداً عن صراعات المنطقة، بل تقع في قلب شبكة المصالح الإقليمية. حدودها واتصالاتها مع العراق وسوريا وإيران، ومصالحها في الطاقة والتجارة والممرات البرية والبحرية، تجعل أي تحول في موقعها الاستراتيجي مؤثراً في الحسابات العراقية والإيرانية والخليجية في آن واحد.
لكن المفارقة أن قوة تركيا داخل هذه المعادلة قد تكون أيضاً عاملاً من عوامل ضبط التصعيد. فالدولة التي تمتلك مصالح اقتصادية وتجارية وطاقة واسعة لا يمكن أن تكون راغبة بسهولة في تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة. ولذلك فإن دخول أنقرة في ترتيبات الردع لا يعني بالضرورة استعدادها لخوض حرب، بقدر ما يعني رغبتها في رفع كلفة الحرب على الآخرين وحماية مصالحها إذا وقع التصعيد.
ومن الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل أثر الاتفاق على البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها القوى المرتبطة بالمحور الإيراني، سواء في العراق أو اليمن أو غيرهما. فظهور قوة مقابلة أكثر تنظيماً وتنوعاً لا يعني إلغاء نفوذ إيران أو حلفائها، لكنه يعني أن مساحة المناورة ستصبح أكثر تعقيداً، وأن أي قرار بالتصعيد سيواجه حسابات إقليمية أوسع.
وهنا يجب التمييز بين الردع والمواجهة. فالتحالفات لا تصبح قوية فقط عندما تدخل الحرب، وإنما عندما تجعل الحرب خياراً مكلفاً إلى الحد الذي يدفع الخصوم إلى التفكير مرتين قبل الإقدام عليها. ولذلك يمكن أن يمنح اتفاق مكة الطرف المقابل للمحور الإيراني أوراق قوة إضافية، لكنه في الوقت نفسه قد يدفع جميع الأطراف إلى البحث عن قنوات تفاوض وتفاهم تمنع الوصول إلى نقطة اللاعودة.
أما العراق، فهو ربما الدولة الأكثر حساسية أمام هذه المعادلة الجديدة. فالجغرافيا العراقية تقع في نقطة تقاطع بين تركيا وإيران ودول الخليج، كما أن العراق يرتبط بمشاريع الطاقة والنقل والتجارة التي يمكن أن تتأثر بصورة مباشرة بأي اضطراب إقليمي.
ومن هنا، فإن المصلحة العراقية لا تكمن في أن يتحول العراق إلى طرف في صراع المحاور، وإنما في أن يتحول إلى دولة توازن بين المصالح المتنافسة. فاستقرار العراق ليس مصلحة عراقية فقط؛ إنه مصلحة تركية وخليجية وإيرانية ودولية أيضاً. وهذه الحقيقة يمكن أن تمنح بغداد مساحة سياسية أكبر إذا أحسنت إدارة موقعها الجغرافي والاستراتيجي.
والأهم أن المنطقة كلها باتت أمام حقيقة جديدة: حرق الشرق الأوسط لا يخدم أحداً. تركيا لا تستطيع التضحية بمصالحها التجارية والطاقة، والسعودية لا تريد أن تتحول مشاريعها الاقتصادية والتنموية إلى أهداف للصراع، وباكستان ليست معنية بحرب إقليمية مفتوحة، وحتى القوى المقابلة لهذا الترتيب تدرك أن الفوضى الشاملة قد ترتد على مصالحها ونفوذها.
لذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس نشوء حرب محاور بالمعنى التقليدي، بل نشوء توازن ردع متبادل. كل طرف يحاول تعزيز أوراقه، وتوسيع تحالفاته، وحماية مصالحه، ورفع كلفة التصعيد على خصومه، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
وهنا تكمن أهمية اتفاق مكة: ربما لا يكون الهدف الحقيقي منه أن تبدأ الحرب، وإنما أن تصبح الحرب أقل احتمالاً.
فالشرق الأوسط يدخل مرحلة لا تقاس فيها القوة فقط بعدد الجنود والصواريخ، وإنما بقدرة الدولة على الجمع بين القوة العسكرية، والاقتصاد، والطاقة، والجغرافيا، والتحالفات، والقدرة على المناورة السياسية.
وبهذه القراءة، فإن اتفاق مكة لا يمثل بالضرورة ولادة «حلف جديد» بقدر ما يمثل بداية معادلة استراتيجية جديدة: قوة تقابل قوة، ومصالح تقابل مصالح، وردع يقابله ردع، بينما تبقى الحرب خياراً أخيراً لا يريده أحد، لأن كلفتها في عالم متشابك المصالح أصبحت أكبر من قدرتها على تحقيق مكاسب دائمة.
وهنا ستكون المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة ليست حول من يستطيع إشعال المنطقة، وإنما حول من يستطيع إدارة التوازن ومنع الآخرين من فرض قواعد جديدة بالقوة. وفي هذه المعادلة، سيكون الرابح الحقيقي هو الطرف الذي ينجح في حماية نفوذه ومصالحه دون أن يدفع المنطقة إلى الهاوية.