مشروع إنساني .. بدأ بكرتونة أدوية مجانية وانتهى بـ”صيدليات”خيرية !

مشروع إنساني ..
بدأ بكرتونة أدوية مجانية وانتهى بـ”صيدليات”خيرية !

قال تعالى : (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ) المائدة : 32

قال النبي ﷺ: “حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ،وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ” رواه البخاري ومسلم

احمد الحاج مكتبجي
في الوقت الذي أعلن فيه عن اكتشاف مخبأ سري داخل بيت طيني وقد خبئت في أحد أركانه تحت القش عشرات العلب الكرتونية وبداخلها مليارات الدنانير المتأتية من صفقات فساد مالي وإداري وسياسي بأحد مصافي النفط العراقية حتى أن أحد الإعلاميين كتب عبارة جميلة على صفحته في موقع التواصل فيسبوك قال فيها :” فلوسنه = أموالنا، بالتبن مدفونه…ومريضنا يموت ماعنده فلوس يتعالج !”، اطلعت على مشروع خيري أعجبني كثيرا وأحببت أن أنقل لكم مضمونه أملا بإستنساخ التجربة عربيا، فلقد علمتني الحياة بأن أعمال الخير والإحسان والرحمة عبارة عن أبواب كثيرة وكبيرة متداخلة مع بعضها ما إن تطرق أحدها جادا ومخلصا،حتى توفق لتفتح لك بقية الأبواب الأخرى تباعا على مصراعيها ولكن من دون طرق هذه المرة ،كل ذلك ببركات الطرق المخلص الجاد الأول المستمر وبتوفيق وتسديد من الله تعالى وحده سبحانه .

ولعل واحدا من المشاريع الرحمانية الجميلة التي اطلعت عليها من خلال أحد تلكم الأبواب المشرعة ، مشروع (صيدليات الخير المجانية ) ، وهذا المشروع وبإيجاز كان قد بدأ قبل ست سنين تقريبا في احدى المحافظات المصرية على خلفية إصابة أحد كبار السن الفقراء في منطقة مغرقة بالشعبية بمرض مفاجئ ألم به ما استدعي التحرك سريعا لشراء أدوية بمبالغ لم يكن يمتلك المسن عشر معشارها ولا أقل من ذلك ولا أكثر ،ولفترة علاج ليست بالقصيرة ريثما يستعيد عافيته ، فما كان من أبناء المنطقة والجيران الكرام ومعظمهم من المتعففين ، إلا أن أطلقوا حملة ونداء استغاثة مفاده” يا أبناء المنطقة الأعزاء من كان له فضل دواء فليتكرم به مشكورا ليجود به على من لا دواء له ولا قدرة على دفع ثمنه – وحددوا أسماء الأدوية المطلوبة بإلحاح – لعلاج حالة المسن ، ولاسيما وأن حالته كانت تستدعي علاجا مستمرا ولفترة ليست بالقصيرة وبما لا يمكنهم تأمين كامل الوصفة العلاجية بالمجان طيلة فترة العلاج لغلاء ثمنها ، وبالفعل فقد انتخى كل من كان له فضل من الأدوية المطلوبة لعلاج المسن إياه حتى صار عندهم -كرتونة- كاملة من الأدوية تضم كل ما يحتاجه مريضهم طيلة المدة المطلوبة للشفاء وزيادة .
وبالفعل فلقد تماثل المسن للشفاء وتعافى من مرضه بعد أسابيع من العلاج المتواصل ليسدل الستار على حالته المرضية ، إلا أن الفكرة لم تنته بعد ، وما لبثت أن تفاعلت سريعا ولم يسدل ستارها قط ، ولا أظنه سيسدل يوما ، كيف لا وقد رأت الفكرة الإنسانية بمقدماتها الرائعة وبنتائجها المبهرة النور ليبدأ طريق الالف ميل الرحماني من هاهنا وخلاصته:” تبرع بما زاد في بيتك وفاض من دواء عن حاجتك بدلا من رميه في سلال المهملات ومكبات النفايات،أو تركه هملا لحين انتهاء مدة صلاحيته العلاجية !”.
وانطلاقا من هذه الفكرة الرائعة أطلقت حملة شعبوية مضمونها” تبرع بالدواء الفائض والصالح في بيتك للمحتاج ولا تبخل به ” لتلاقي الحملة استحسانا ولتحظى بتفاعل شعبي منقطع النظير كان من ثمراته استحداث صيدليات خيرية كثيرة في عدد من المحافظات المصرية خلال فترة قصيرة جدا يشرف عليها -صيادلة مجازون من نقابة الصيادلة والمهن الطبية ويحملون هويات عضويتها للعمل فيها،إما طواعية ومجانيا ،أو بأجر رمزي ضئيل ابتغاء الأجر والثواب وبالتناوب – علما بأن مهمة الصيادلة في هذه الصيدليات لا تنحصر في الاشراف على صرف الأدوية داخلها فحسب ، وإنما تمتد لتشمل فحص الأدوية لحظة تسلمها من المتبرعين الكرام والتأكد من صلاحيتها ومن جودتها ومن مناشئها مع العمل على تصنيفها وترتيبها،ووضع كل دواء منها في الخانة المخصصة له كذلك !

هذا المشروع الإنساني الرحماني الواعد،الذي بدأ بمريض فقير طاعن في السن هب كل أبناء منطقته الفقراء وندبوا أنفسهم لمساعدته وانقاذ حياته أخويا ابتغاء الأجر والثواب ، وللمحافظة على روابط الجيرة والإخوة الطيبة التي تتسم بها المناطق الشعبية عادة = طرقوا أبواب الخير جادين وصادقين “، ففتحت لهم أبواب ونوافذ الخير كله من حيث لم يحتسبوا “حيث تطور المشروع كثيرا وخلال فترة قياسية وصار ملاذا لفقراء المنطقة أنفسهم فضلا عن كل فقراء ومرضى المناطق المجاورة الى درجة أن القائمين عليه باتوا يطمحون اليوم بـ 100 صيدلية خيرية إنسانية مجانية تتولى كل واحدة منها علاج ما لايقل عن 200 حالة مرضية شهريا ليس بمقدورها تأمين تكاليف علاجها كاملة، ووصل الحال بهم الى تبرعهم لمراكز علاج السرطان لمن أصيبوا بالمرض الخبيث ، عافانا الله تعالى وإياكم منه ، وذلك بأدوية فائضة عن حاجة من أصيبوا بالمرض الخبيث قبلهم فشفوا وتعافوا، أو فارقوا الحياة ، رحمهم الله تعالى جميعا وأسكنهم فسيح جناته ، وذلك بدلا من رمي هذه الأدوية والعقاقير باهظة الكلفة بعد الشفاء، أو الوفاة في مكبات النفايات ،مع إمكانية الإفادة منها لإنقاذ حياة مريض آخر غير قادر على دفع ثمنها وتحمل تكاليفها ، كذلك استخدام الدواء بدلا من تركه في ركن من أركان المنزل أو الثلاجة المنزلية لحين انتهاء مدة صلاحيته من دون الانتفاع منه البتة ، مع أن معظم هذه العقاقير والادوية تشترى بالعملة الصعبة لشحها وندرتها في أغلب الصيدليات المحلية ، وكذلك الحال مع بقية الأمراض المستعصية والمزمنة والطارئة.
تأسيسا على ما تقدم أقترح استنساخ التجربة عربيا وإسلاميا ، ولاسيما في الدول الفقيرة لما يعانيه الكثير من فقراء المرضى وذوي الدخل المحدود علاوة على العاطلين عن العمل في ظل صعود صرف الدولار، وانخفاض قيمة العملات المحلية ، وارتفاع الأسعار عموما وبالأخص أسعار الأدوية، وعلى النحو الاتي :
– كل عائلة كان قد أصيب جميع أفرادها أو بعضهم بجائحة وبائية ما حيث خزانة المنزل وبعد تماثل أفرادها للشفاء عادة ما تكون ممتلئة عن بكرة أبيها ببقايا فيتامين C وفيتامين D3، وحبوب الزنك،إضافة الى بعض الحقن والجرعات الزائدة والكمامات والمعقمات والمطهرات والقفازات،وقناني الاوكسجين وأجهزة قياسه أسوة بأجهزة قياس الضغط والسكري والوزن والحرارة بمعية الأدوات المخصصة للتنفس ونحوها بما يمكن التبرع بها لمن يحتاجها من المصابين الجدد ، شريطة – وهذه نقطة مهمة جدا- أن تكون مدة نفادها بعيدة، وأن تكون من مناشىء عالمية معروفة ومعتمدة، وأن تكون مدة شرائها وصرفها من الصيدليات الموثوقة قريبة وكلها بحالة ممتازة ، فبغير تلكم الشروط والضوابط لا أنصح بالتبرع بها لأن التبعات والمضاعفات ربما ستأتي بنتائج عكسية وعلى غير المتمنى والمأمول وإن كانت النوايا طيبة وسليمة .
كذلك الحال مع أدوية الأمراض المزمنة المعتمدة الفائضة عن الحاجة ، الصالحة للاستعمال، نحو: “أدوية ضغط الدم ،القلب، السكري،أمراض القولون،أمراض المعدة ،موانع التجلطات،المدررات،أدوية البروستات والمسالك البولية،حقن وحبوب وكبسولات الإلتهابات،أمراض تشمع الكبد ومثله الكبد الفيروسي ..وهلم جرا “فبالإمكان التبرع بها من دون مقابل الى من يحتاجها كخطوة أولى لاستنساخ تجربة (صيدليات الخير الإنسانية) بإشراف أصحاب الاختصاص حصرا وعلى ذات النحو المبهر المنضبط المقنن .
كما أهيب بجميع الصيادلة وأصحاب المذاخر الشرفاء ممن لسان حالهم يردد القسم الطبي الرحماني : ” أقسم بالله العظيم أن أراقب الله في مهنتي. وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلًا وسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عوراتهم، وأكتم سرّهم. وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله” ، للتبرع ولو بنزر يسير من بعض الأدوية المهمة الى هذه الصيدليات الخيرية لدعمها معنويا وماديا ، ولتكن لهم بمثابة زكاة أو صدقة تدفع عنهم الكثير من المصائب والاقدار،إن أخلصوا نياتهم لوجهه تعالى ، كيف لا وصدقة السر تطفىء غضب الرب، وصلة الأرحام تزيد في العمر، وصنائع المعروف تدفع مصارع السوء كما جاء في الأثر .
وبما أن الشيء بالشيء يذكر ، فإن المطلوب من هيأة المنافذ الحدودية ومديرية الكمارك العامة تشديد الرقابة على الأدوية الداخلة وإخضاعها للفحص وللتقييس والسيطرة النوعية ، مع إتلاف مجهول المنشأ ، أو منتهي الصلاحية ، أو غير الصالح منها للاستعمال وبإشراف لجان متخصصة خشية غض الطرف عن إتلاف يعضها وتسريبها بدلا من ذلك مجددا الى المذاخر والصيدليات المحلية بدلا من ذلك قبل ضعاف النفوس .
والمطلوب أيضا التبرع بالفائض عن حاجة العوائل الكريمة بعد رحيل مرضاهم أو تماثلهم للشفاء ، من بقايا أكياس المغذي = المحاليل الوريدية الملحية والسكرية المستخدمة لتعويض الفقد الحاد للسوائل ، ومثلها قطع الشاش والمعقمات والسرنجات والكانونات غير المستعملة ،على أن تكون كلها صالحة للاستخدام وبعيدة النفاد ومعلومة المنشأ،كذلك الحال مع كراسي المشلولين،وفرش التقرحات الكهربائية،والأسرة الطبية،والمساند الثلاثية والرباعية،والعكازات الأبطية والمرفقية،وذلك بعد شفاء المرضى،أو رحيل أصحابها من كبار السن لتكون لهم ثوابا، وبمثابة صدقة جارية ،وقد جاء في الأثر مرسلا ، وبما شجع عليه ورغبَّ فيه العديد من علمائنا الأعلام في أعمال البر والرغائب وفضائل الأعمال :”حصنوا أموالكم بالزكاة ، وداووا مرضاكم بالصدقة ،واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع “.
والمطلوب كذلك توفير الأدوية والأجهزة والمعدات الطبية في المستشفيات الحكومية كافة وضبط مخازنها وتدقيق عقودها ومنع تسرب أدويتها الى السوق السوداء ،مع ضبط أسعار الكشفيات والعمليات الجراحية ، وتسعير الأدوية وبما يتناسب ودخل المواطنين المتدني وتوفير الأدوية الخاصة بالأمراض الخطيرة والمستعصية مجانا على وفق نظام البطاقات أو الدفاتر العلاجية المجانية المعمول به في العديد من الدول .
والمطلوب دعم وتأهيل مصانع الأدوية والعقاقير المحلية،وإجراء العمليات والفحوصات والتحليلات المرضية ، وصرف أدوية مجانية للأيتام والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة ولو لمرة واحدة أسبوعيا كزكاة للمعالجين وصلى الله على نبينا القائل : ( مَنْ عَادَ مَرِيضًا ،أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ : أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلا ) أخرجه الترمذي واللفظ له وابن ماجه وأحمد ، فما بالكم بمن عالج مريضا بالمجان، أو دفع تكاليف علاجه عن طيب خاطر،وبحسن نية ، لوجهه تعالى طمعا بالأجر والثواب ؟!
والمطلوب تفعيل مواد وبنود قانون حماية ذوي المهن الصحية والقاضية بـ” حماية الاطباء من الاعتداءات والمطالبات العشائرية والابتزاز عن نتائج أعمالهم وممارساتهم الطبية”، فضلا عن تفعيل أحكام قانون العقوبات بحق كل من يقتل شخصا خطأ نتيجة إخلاله إخلالا جسيما بما تفرضه عليه أصول مهنته الطبية ،ولكل من يتهاون في علاج المرضى ،أوعدم ايلائهم العناية اللازمة للراقدين في المؤسسات الصحية من العاملين في القطاع الصحي ” كما نصت عليه معظم القوانين .

**نقلا عن كتابي : “يا آكلي الفلافل اتحدوا “