إيهاب مقبل
في السويد، تنتشر حضانات مخصصة لرعاية الحيوانات الأليفة، ولا سيما الكلاب والقطط، حيث يلجأ إليها أصحاب الحيوانات خلال ساعات العمل أو في الفترات التي يتعذر عليهم فيها الاعتناء بها في المنزل. وفي المقابل، تبدو تجربة رعاية الحيوانات الأليفة في العراق مختلفة إلى حد كبير، سواء من حيث انتشار هذه الخدمات أو طبيعة التعامل المجتمعي مع الحيوانات، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للتأمل في مفهوم الرحمة والمسؤولية تجاه الكائنات من حولنا.
رعاية الكلاب في السويد
توفر حضانات الكلاب في السويد بيئة مخصصة لرعاية الحيوان طوال فترة وجوده فيها. ولا تقتصر الخدمات على تقديم الطعام والماء، بل تشمل العناية اليومية، وإخراج الكلاب للتنزه وقضاء حاجتها، ومراقبتها، وتوفير مكان آمن ومناسب لها، بحيث لا تضطر إلى البقاء وحيدة في المنزل لساعات طويلة أثناء عمل أصحابها.
وتتراوح تكلفة إيداع الكلب في الحضانة عادةً بين 3700 و5500 كرون سويدي شهريًا، أي ما يعادل نحو 335 إلى 500 يورو، بحسب الحضانة والخدمات المقدمة وعدد الأيام وساعات الرعاية. وبالنسبة إلى كثير من أصحاب الحيوانات، تمثل هذه النفقات جزءًا من مسؤوليتهم تجاه حيوانات يعتبرونها أفرادًا من الأسرة.
المشهد المختلف في العراق
أما في العراق، فإن صورة رعاية الحيوانات تبدو مختلفة بصورة واضحة. فمع وجود أشخاص وجمعيات ومبادرات تهتم بالحيوانات، ومع وجود عائلات تربي الكلاب والقطط وتعتني بها، فإن خدمات حضانات الكلاب المتخصصة ليست منتشرة بالدرجة نفسها التي يمكن ملاحظتها في السويد. كما أن وجود أعداد كبيرة من الكلاب والقطط السائبة في الشوارع يجعل قضية الرفق بالحيوان أكثر تعقيدًا، إذ لا يتعلق الأمر فقط بالحيوانات التي تمتلكها الأسر، وإنما أيضًا بحيوانات تعيش في ظروف صعبة وتحتاج إلى الغذاء والعلاج والحماية.
ولا ينبغي أن تتحول المقارنة إلى حكم شامل على المجتمع العراقي، فالعراق يضم كثيرًا من الأشخاص الذين يشعرون بالرحمة تجاه الحيوانات ويسعون إلى إنقاذها وإطعامها وعلاجها، لكن الفرق يكمن في حجم الإمكانات والخدمات والثقافة المجتمعية المنظمة التي تحيط برعاية الحيوانات.
اختلاف الظروف لا يعني اختلاف قيمة الرحمة
من السهل المقارنة بين مجتمعين ونضع أحدهما في موقع أفضل من الآخر، لكن المقارنة العادلة يجب أن تأخذ في الاعتبار اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والخدمية. فالسويد تمتلك بنية أكثر تطورًا في مجال الخدمات المخصصة للحيوانات الأليفة، بينما يواجه العراق تحديات عديدة في مجالات أساسية مختلفة، الأمر الذي يجعل انتشار خدمات مثل حضانات الكلاب أقل أولوية بالنسبة إلى كثير من الناس.
ومع ذلك، فإن الرحمة بالحيوان لا تحتاج دائمًا إلى إمكانات كبيرة. قد تكون في توفير الماء لحيوان عطشان في موجة الحر، أو إطعام كلب جائع، أو تجنب إيذاء حيوان في الشارع، أو علاج حيوان مريض عندما يكون ذلك ممكنًا. فالرحمة تبدأ من السلوك الفردي قبل أن تتحول إلى مؤسسات وخدمات وثقافة عامة.
ماذا يقول لنا القرآن الكريم بوضوح؟
اليوم، عندما زرت إحدى حضانات الكلاب في السويد برفقة صديق سويدي، لم أتوقف عند مستوى التنظيم والخدمات فحسب، بل وجدت نفسي أفكر في حال الحيوانات في العراق وفي كثير من بلداننا العربية. وتذكرت قول الله تعالى: «وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم».
هذه الآية تجعلنا ننظر إلى الحيوانات باعتبارها مخلوقات لها مكانها في هذا الكون، وليست مجرد كائنات يمكن تجاهلها أو إيذاؤها لأنها لا تستطيع التعبير عن معاناتها بالكلام. ومن هنا تصبح الرحمة بها اختبارًا حقيقيًا لقيمنا، لا مجرد شعار نردده.
من حضانة في السويد إلى سؤال في العراق
خرجت من الحضانة وأنا أتساءل: لماذا يستطيع مجتمع أن يجعل رعاية الحيوان جزءًا من الحياة اليومية، بينما لا تزال حيوانات كثيرة في مجتمعات أخرى تكافح من أجل أبسط احتياجاتها؟
ربما لا تكمن الإجابة في أن شعبًا أكثر رحمة من شعب، وإنما في اختلاف التعليم والثقافة والأنظمة والإمكانات والوعي والخدمات. لكن هذا لا يمنعنا من التعلم من التجارب الناجحة، ومن التفكير في كيفية بناء ثقافة أكثر رحمة بالحيوان في العراق، تبدأ من الأسرة والمدرسة والشارع، وتمتد إلى المؤسسات والبلديات والمنظمات المختصة.
وفي النهاية، لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: لماذا يهتم السويديون بالكلاب أكثر من العراقيين؟ بل السؤال الأهم هو: ماذا يمكننا أن نفعل نحن، في العراق وغيره من بلداننا، حتى تصبح الرحمة بالحيوان جزءًا طبيعيًا من حياتنا؟
فإذا كنا نعجز عن الرحمة بمخلوقات الله الضعيفة، فكيف نرجو نصره ورحمته؟
انتهى