شرطة الأطفال… عندما يتحول المجتمع إلى قاض بسبب صورة او موقف
✍️ محمد فخري المولى
شرطة الأطفال وصلت…
قد تبدو العبارة مجرد دعابة تربوية تتردد بين الأسر عند صدور تصرف غير مناسب من طفل
لكنها في حقيقتها تحمل رسالة تربوية غايتها تصحيح السلوك لا إدانة صاحبه
تطبيق شرطة الاطفال موجود ضمن تطبيقات الهواتف الذكية
غير أن المفارقة تكمن في أن بعض الكبار باتوا يمارسون دور شرطة المجتمع عبر منصات التواصل الاجتماعي،
فيصدرون الأحكام ويشنون حملات التشهير وتكهنات اعتمادا على صورة أو مقطع فيديو أو رواية مبتورة
الصورة او المقطع لم يعد في عصر التواصل الرقمي مجرد وسيلة لتوثيق لحظة
بل أصبحت في أحيان كثيرة أداة لإصدار الأحكام.
فبضغطة زر قد يتحول شخص عادي إلى قضية رأي عام وتتحول التعليقات إلى لائحة اتهام،
بينما يتقمص آلاف المستخدمين دور القاضي وهيئة المحلفين
بدون محامي للدفاع عن الفرد المعني
لانه ببساطة لا يعلم او لم ينتبه للامر
فما يحدث من دون معرفة ودراية كاملة بالوقائع أو منح الطرف الآخر حق الدفاع عن نفسه.
هذه الظاهرة لا ترتبط بحادثة محددة بل تعكس تحولًا مقلقاً في ثقافة التعامل مع المحتوى الرقمي
حيث أصبح الإنسان يُختزل في ما يبث
فتتراجع الحقائق أمام الانفعال
ويغلب الانطباع على الدليل
وتصبح السمعة أولى الضحايا.
العراق يضم تنوع اجتماعي وثقافي وديني وقومي
لذا تبدو خطورة اطلاق هذه الأحكام أكثر وضوحا ودقة،
فلكل مدينة ومحافظة، بل لكل قضاء وناحية وقرية خصوصيتها في العادات والتقاليد والأزياء
كما أن الانفتاح على العالم عبر وسائل الاتصال الحديثة أوجد أنماطا مختلفة في الملبس والسلوك
الأمر الذي يجعل فرض معيار واحد للحكم على الجميع
أمراً يفتقر إلى الواقعية والإنصاف.
الاختلاف لم يعد بين الاماكن فحسب
إنما أصبح حاضرا داخل الأسرة الواحدة
حيث تتباين السلوكيات والقناعات والأفكار والرؤى بين الأبناء والآباء والأشقاء والاهل.
لكن وما ادراك ما لكن
كيف يمكن بناء أحكام عامة على صورة عابرة أو مشهد مقتطع من سياقه؟
لقد أظهرت بعض الوقائع الأخيرة المتعلقة بفتاة بشارع بالمنصور ولطالبات بزي تخرج في كركوك وبغداد وباقي المحافظات مدى سرعة انتشار الاتهامات عبر منصات التواصل
إذ تحولت قصص شخصية خلال ساعات إلى مادة للنقاش العام
وتداول البعض معلومات غير دقيقة، بل ووصل الأمر إلى نشر صور ووثائق قيل إن بعضها غير صحيح في ممارسات تقترب من التشهير وانتهاك الخصوصية وهو ما يرفضه القانون كما ترفضه الاعراف والقيم الأخلاقية.
إن معالجة أي سلوك خاطئ
إن ثبت وجوده
يجب أن تتم عبر المؤسسات المختصة ووفق القانون
لا من خلال محاكم إلكترونية
لا تعرف التثبت ولا تراعي حقوق الأفراد.
العقوبات المجتمعية غير المنضبطة
قد تكون أشد قسوة من العقوبات القانونية
لأنها تلاحق الإنسان وسمعته لسنوات طويلة.
كما أن استخدام أوصاف تحمل أحكاما أخلاقية أو اجتماعية
تستوجب أعلى درجات المسؤولية
لأن الكلمة عندما تنتشر في الفضاء الإلكتروني قد تتحول إلى وصمة يصعب محوها
حتى لو ثبت لاحقا عدم صحتها.
إن حرية التعبير ركيزة أساسية في المجتمعات الحديثة، لكنها لا تعني انتهاك خصوصية الآخرين
أو الإساءة إليهم أو التشهير بهم
فهناك فرق واضح بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح وبين صناعة الإثارة لتحقيق الانتشار على حساب كرامة الإنسان.
ختاما
إن المجتمع الذي يحاكم أبناءه من خلال صورة أو مظهر او مقطع
يحتاج إلى مراجعة ثقافة إصدار الأحكام أكثر من حاجته إلى مراجعة مظهر الأفراد
فالقيم تُقاس بالأفعال
والعدالة تُبنى على الأدلة
والكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تكون ضحية تعليق عابر أو منشور متداول
ويبقى المثل الشعبي خير ما يختتم به هذا المقال
إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمِ الناس بالحجارة
فالكلمة أمانة والصورة قد تخدع
أما العدالة فلا تكتمل إلا بالحقيقة.
تقديري واعتزازي
✍️ #محمد_فخري_المولى
مجموعة #العراق_بين_جيلين
الاعلامية
https://chat.whatsapp.com/LujQBwPhV9a3WzMmhkKLXd?s=cl&p=a&ilr=4
https://chat.whatsapp.com/LujQBwPhV9a3WzMmhkKLXd?s=cl&p=a&ilr=4