كيف يُغذي السلوك الإيراني في اطار الخدمات الاستراتيجية المتبادلة, التمدد الإسرائيلي والخراب العربي والتطبيع الاسرائيلي!؟

مكسيم العراقي

في تعرية التناغم الوظيفي بين المشروع الرهبري والأطماع الجيو-اقتصادية في الشرق الأوسط

-عندما تنهار الدولة الوطنية وتتحول إلى ساحة للمليشيات، فإن خيوط اللعبة تنتقل فوراً إلى أيدي القوى الخارجية التي تتربص بها.
غسان سلامة
-إن أسرع طريقة لتدمير أي أمة هي إفساد أوردتها الاقتصادية والتجارية، فالانهيار الاقتصادي هو الممهد الأسرع للسقوط العسكري.
توم باراك
-التحالفات بين الخصوم لا تولد من الرحم الأيديولوجي، بل تُولد من الرحم الجيواقتصادي والمصالح المشتركة فوق أنقاض الضعفاء.
برنارد لويس
-حين تشتعل الحروب في الممرات المائية والبحرية، تفتش الدول عن أقدامها على الأرض لتصنع مسارات برية لا تصل إليها يد العبث.
ماكيندر (صاحب نظرية قلب العالم)
-من يتغذى على إشعال الحرائق في جوار الإقليمي سيصحو يوماً ليجد أن النيران قد أكلت أطرافه وأطفأت نفوذه.
أمين معلوف
-حينما يفقد الممر البحري أمنه وسكونه، تتغير الخرائط التجارية للأبد، ولا تعود العجلة للوراء مهما بلغت التهديدات.
ألفرد ماهان
-إن الشعوب التي تسمح لمليشيات عابرة للحدود بالتحكم في مصيرها الاقتصادي، تجد نفسها في النهاية بلا سيادة وبلا ثروة.
فؤاد عجَمي
-تكتيك الخنق والتجويع ضد الجار لا يصنع إمبراطورية، بل يزرع أحقاداً تتفجر في وجه الصانع مع أول تحول في ميزان القوى.
عبد الرزاق السنهوري
-السلام لا يُبنى بالعبارات الرنانة، بل بالبنية التحتية الصلبة، والممرات الآمنة التي تربط الشعوب ببعضها على أساس المصالح التبادلية.
لي كوان يو

تُشكل السياسات الاستراتيجية التي ينتهجها النظام الإيراني في المنطقة العربية الرافعة الأساسية والدينامو المحرك لتمرير وتسهيل المشاريع الإسرائيلية؛ حيث أدى السلوك العسكري لـ محور المغاومة المتمثل في خنق الممرات البحرية، وتفكيك البنى الوطنية للدول العربية، وتغيير التوازنات الجيوسياسية إلى دفع الدول العربية نحو إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والاقتصادية، مما فتح الباب واسعاً أمام التمدد الإسرائيلي وتعميق مسارات التطبيع.
1. خنق الممرات البحرية وتقديم الممر الإسرائيلي البديل على طبق من ذهب
يعتبر اغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة في باب المندب عبر الجماعات الوكيلة الخادمة المباشرة للأطماع الجيو-اقتصادي لإسرائيل:
• ضرب الجدوى الاقتصادية للممرات التقليدية: يرفع التهديد الإيراني تكاليف التأمين البحري وشحن الطاقة، ويجعل الملاحة عبر الخليج العربي والبحر الأحمر ممرات عالية المخاطر.
• إحياء وتسريع الممر الاقتصادي (IMEC): تُشكل هذه الفوضى البحرية المسوغ الأكبر لتسريع إنشاء الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط واسرائيل وأوروبا، والذي يبدأ من الموانئ العُمانية والإماراتية ليخترق المنطقة برياً عبر السعودية والأردن وصولاً إلى ميناء حيفا على البحر الأبيض المتوسط.
• إسقاط أهمية المضايق وخدمة ميناء حيفا: عبر تهديد هرمز، تُجبر إيران القوى الإقليمية والدولية على الاستغناء التدريجي عن الممرات البحرية الشريانية، وتدفعهم نحو الاعتماد على البنية التحتية الإسرائيلية كبوابة برية آمنة وبديلة لنقل التجارة والطاقة إلى أوروبا.

2. تدمير الدول العربية وخنق استقلالها (العراق والممر الجاف أنموذجاً)
يُمثل الاستهداف الممنهج لمكامن القوة الاستراتيجية في الدول العربية استراتيجية إيرانية ثابتة تُضعف الجبهة العربية وتُجردها من أي خيارات جيواقتصادية مستقلة:
• تفكيك مؤسسات الدولة الوطنية: أدخل التدخل الإيراني كلاً من العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن في حالة من التردي والمؤسسات المشلولة عبر المليشيات المسلحة، مما حال دون قيام أطراف عربية قوية قادرة على صناعة موازنة استراتيجية.
• خنق مشروع طريق التنمية والميناء الجاف العراقي: تسعى طهران بضغوط سياسية وأمنية مكثفة إلى إفشال ربط ميناء الفاو الكبير بشبكة السكك الحديدية والطرق السريعة نحو تركيا وأوروبا (الممر الجاف – Dry Canal Project). تهدف إيران من هذا الخنق إلى منع العراق من الاستقلال الاقتصادي، وحماية هيمنة موانئها كـ بندر عباس، وإبقاء حركة التجارة العربية مرتهنة بمناوراتها، مما يحرم العالم العربي من إيجاد مسار عربي-تركي منافس للشبكات البرية الإسرائيلية.
وقد بدا بتنفيذ الخط السعودي التركي عبر الاردن وسوريا! بدلا من الميناء الجاف!

3. دفع الدول العربية نحو التطبيع والتحالف مع إسرائيل
تتحمل إيران المسؤلية المباشرة عن تحويل مفهوم التهديد الأكبر في الذهنية الاستراتيجية العربية من إسرائيل إلى الخطر الإيراني الداهم:
• إعادة تعريف بؤرة التهديد: عبر التدخل في الشؤون الداخلية، واستهداف البنية التحتية النفطية والمدنية في الخليج، ودعم الفوضى، باتت طهران تُهدد وجود واستقرار الأنظمة والدول العربية بشكل مباشر وملموس.
• إيجاد مظلة أمنية وبدائل اقتصادية: دفع هذا التهديد الوجودي العديد من الدول العربية إلى البحث عن تحالفات وواقعية جديدة، حيث باتت التكنولوجيا والأبحاث الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية تُطرح كشبكة أمان لمواجهة التمدد الإيراني.
• التطبيع كضرورة جيو-اقتصادي وأمنية: تحول التطبيع من مجرد خيار سياسي إلى مسار استراتيجي محتوم لشرعنة الربط البري والتجاري والأمني الذي يضمن استمرار تدفق التجارة وحماية الممرات البعيدة عن أيدي المليشيات الإيرانية.

إن نموذج العصاب الإمبراطوري الفاشي القائم في طهران تحت شعارات المقاومة ومحو إسرائيل يعتمد عملياً على معادلة التعمية والتضليل؛ فكلما زاد التغول الإيراني في تدمير وتفكيك الدول العربية، كلما ازدادت الحاجة الإقليمية إلى الدور الإسرائيلي، وكلما اقتربت اللحظة التي يفقد فيها مضيق هرمز قيمته الاستراتيجية لصالح الموانئ والممرات البرية الإسرائيلية. وبذلك، تُعد السياسة الإيرانية الخادم الأول والأكثر فاعلية للتمدد الإسرائيلي وتفكيك المنظومة العربية.