سبايا الإمبراطورية العثمانية .. الأسر والرق والاتجار بالنساء في الدولة العثمانية: قراءة تاريخية ونفسية وأنثروبولوجية

رياض سعد

تمهيد: ما وراء الصورة المثالية

تستدعي الدولة العثمانية في الذاكرة المعاصرة صورًا متباينة؛ فهي عند بعض الخطابات دولةٌ إسلامية كبرى، وعند آخرين إمبراطورية توسعية لا يمكن فهم تاريخها من دون دراسة آليات القوة والحرب والتراتبية الاجتماعية التي حكمت مجتمعاتها قرونًا طويلة.

ومن أكثر الملفات حساسية في هذا التاريخ **نظام الرق والاتجار بالبشر، ولا سيما استرقاق النساء**.

وليس المقصود من دراسة هذا الملف إدانة شعب بأكمله، ولا اختزال الدولة العثمانية في مؤسسة الرق، كما لا يصح تاريخيًا تحويل كل حالة أسر أو استرقاق إلى عملية نفذها الجنود العثمانيون مباشرة… ؛  فالرق كان مؤسسة اجتماعية واقتصادية وقانونية معقدة، شاركت فيها شبكات من التجار والوسطاء والمالكين والأعيان وبعض المسؤولين، واستفادت منها قطاعات من النخبة والمجتمع، بينما قاومت الدولة أحيانًا بعض أشكال التجارة وحاولت في مراحل أخرى الحد منها تحت ضغط داخلي ودولي متزايد… ؛  وقد اعتمد المؤرخ إهود توليدانو، في دراساته، على أرشيفات بريطانية وفرنسية وتركية، وتناول بصورة خاصة النساء المسترقات، والجواري، وتجار الرقيق، والمالكين، والرق في القوقاز. [1]

وهنا تكمن أهمية الموضوع: فالمرأة لم تكن في كثير من الحالات مجرد أسيرة حرب، بل كانت قابلة للتحول من إنسان إلى “مملوكة”، ومن شخص له اسم وأسرة وماضٍ إلى سلعة لها ثمن ومواصفات ومالك…!!

وهذا التحول يكشف جانبًا بالغ الأهمية من التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجي للحرب.

أولًا: من الأسْر إلى الاسترقاق

لم تكن الحرب في العصور السابقة مجرد مواجهة بين جيوش نظامية على جبهة محددة، بل كانت في كثير من الأحيان عملية تهدم النظام الاجتماعي للمنطقة المغلوبة… ,  وكانت النساء والأطفال، خصوصًا في المناطق الحدودية والمجتمعات الواقعة بالقرب من الحصون والجيوش، معرضين للأسر والاختطاف بصورة خاصة.

وتكشف دراسة حديثة عن دعاوى الحرية في المحاكم العثمانية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر أن الاتجار غير القانوني بالرعايا العثمانيين كان يستطيع أن يتخفى وراء تجارة الأسر المشروعة، وأن النساء في المناطق الأوروبية من الإمبراطورية كن عرضة للخطف أثناء التحركات العسكرية، ولا سيما في المناطق القريبة من الحاميات والقلاع.. , كما كان أكثر من ثلثي أصحاب الدعاوى التي درسها بعض الباحثين – من النساء – ، وكثير منهن كن يعملن في الخدمة المنزلية أو الجنسية القسرية. [2]

وهذه النقطة مهمة؛ لأن الاسترقاق لم يكن دائمًا نتيجة معركة كبرى… ؛  فقد يكفي اضطراب أمني، أو غارة، أو ضعف سلطة الدولة، أو وجود شبكة من الوسطاء حتى تنتقل امرأة من حالة الحرية إلى حالة الرق.

ومن هنا ينبغي التفريق بين ثلاثة مستويات:

1. **أسيرة حرب**؛

2. **شخص اختُطف بصورة غير قانونية**؛

3. **إنسانة جرى الاتجار بها داخل سوق الرقيق.**

وقد تتصل هذه المراحل الثلاث ببعضها، لكنها ليست شيئًا واحدًا—

ثانيًا: أسواق النساء والاقتصاد الخفي للجسد

كان للرق في الدولة العثمانية بعد اقتصادي واضح.. ,  فالإنسان المسترق لم يكن مجرد “أسير”، وإنما كان يدخل في شبكة من الملكية والتبادل والهبات والإرث والشراء.

وقد درس توليدانو هذه المنظومة من خلال فئات متعددة، من بينها الجواري في الحريم السلطاني ، والعبيد المنزليون، والعبيد الزراعيون، وتجار الرقيق والمالكون. [1]

وفي القرن التاسع عشر، كانت إسطنبول مركزًا مهمًا لهذه التجارة، حتى بعد إغلاق السوق العلني للرقيق؛ إذ انتقلت أجزاء من التجارة إلى أشكال أكثر سرية، واستمرت شبكات الاتجار داخل المدينة وخارجها.. ,  وتكشف دراسة حديثة اعتمدت على وثائق من الأرشيف العثماني قضية مجموعة من النساء اللواتي عملن في تجارة الفتيات، بما يؤكد أن شبكات الاتجار لم تكن مقتصرة على الرجال، بل شاركت فيها نساء أيضًا بوصفهن وسيطات و تاجرات . [3]

وهنا تظهر الحقيقة الاجتماعية الأكثر قسوة: حين تصبح المرأة سلعة، فإن السوق لا يسأل عن تاريخها الإنساني، بل عن عمرها وجمالها وأصلها وقدرتها على أداء الوظيفة المطلوبة منها…!!

وتوضح المصادر المتعلقة بالحريم السلطاني أن أسعار النساء المسترقات كانت تختلف باختلاف العمر والجمال والمهارات والأصل الجغرافي، وأن نساء من القوقاز وجورجيا وروسيا وغيرها دخلن في هذه المنظومة. [4]

وهذا يكشف أن الجسد الأنثوي كان يخضع لمنطق اقتصادي يشبه منطق تقييم السلع: العمر، الجمال، المهارة، الصحة، الأصل، والطلب في السوق.

ثالثًا: الشركسيات والقوقازيات

إذا كان ثمة مجال يمكن الحديث فيه بثقة كبيرة عن تجارة النساء في أواخر الدولة العثمانية، فهو **القوقاز**.

فالحروب الروسية–القوقازية وما رافقها من تهجير جماعي للسكان الشركس أدت إلى انتقال أعداد كبيرة من السكان إلى الأراضي العثمانية، وتداخلت حركة الهجرة القسرية مع شبكات الرق والاتجار بالنساء.

وقد خصص توليدانو فصولًا كاملة لتجارة الرقيق الشركسي، مبينًا أن النساء القوقازيات كن من أهم الفئات التي انتقلت عبر هذه الشبكات، ولا سيما النساء اللاتي كن يُبعن للعمل المنزلي أو لدخول الحريم. [5]

ولم يكن الأمر مجرد وجود نساء قوقازيات في المجتمع العثماني؛ بل نشأت حولهن **سوق ذات قيمة اقتصادية**.

وكانت المرأة الشركسية والجورجية تُصنف في سوق الرقيق وفق تصورات جمالية واجتماعية معينة، الأمر الذي رفع أسعار بعضهن، وجعلهن مرغوبات لدى بعض أفراد النخبة والطبقات الغنية.

وهنا تتحول العنصرية الجمالية إلى اقتصاد.

فالمجتمع الذي يربط قيمة الإنسان بلون بشرته أو ملامحه أو أصله الجغرافي يستطيع أن يحول تلك الصفات إلى **رأس مال تجاري**.

رابعًا: الجورجيات والروسيات ونساء أوروبا

لم تكن تجارة الرقيق النسائية محصورة في القوقاز وحده.

فقد دخلت إلى الحريم السلطاني نساء من أصول مختلفة، بما فيها القوقاز وروسيا ومناطق أفريقية وأوروبية… ؛  وتوضح المصادر أن بعض النساء الأوروبيات جئن من مناطق مثل اليونان وهنغاريا وبولندا والبانيا ورومانيا ومالطا … الخ ، وإن كانت المصادر لا تسمح دائمًا بتحديد أصل كل امرأة على وجه الدقة. [4]

وهنا يجب تصحيح فكرة شائعة: ليس من الدقة التاريخية القول إن الأوروبيات في أواخر الدولة العثمانية كن كلهن يُختطفن بواسطة الجنود العثمانيين ثم يُرسلن إلى أسواق الرقيق.

فهذا النمط كان أوضح في مراحل أقدم من التاريخ العثماني، ولا سيما في المناطق الأوروبية والحدودية التي كانت تشهد حروبًا وغارات وأسرًا.

وتؤكد الدراسات الخاصة بدعاوى الحرية أن عمليات اختطاف واسترقاق غير قانونية وقعت بالفعل في الولايات الأوروبية العثمانية، وأن النساء كن من أبرز ضحاياها. [2]

لكن القرن التاسع عشر شهد تحولًا آخر: فإلى جانب الرق التقليدي ظهرت **شبكات حديثة للاتجار بالنساء**، واتخذ بعضها طابعًا دوليًا أكثر تعقيدًا.

وفي إسطنبول، ولا سيما في منطقة غلطة و منطقة بيرا، أصبح الاتجار بالنساء ظاهرة حضرية معروفة في أواخر العصر العثماني، بما في ذلك الاتجار بنساء أوروبيات. [6]

وهذا يعني أن مفهوم “الاسترقاق” في أواخر الدولة العثمانية يجب ألا يختلط دائمًا بمفهوم “الاتجار الجنسي الحديث”، رغم وجود منطقة تداخل بين الظاهرتين.

خامسًا: الأرمنيات — حين يصبح الاضطهاد السياسي طريقًا إلى الاستعباد

تأخذ قضية النساء الأرمنيات موقعًا خاصًا في هذا التاريخ، لأنها ارتبطت بظرف استثنائي هو الحرب العالمية الأولى وما رافقها من تهجير جماعي وقتل واضطهاد للأرمن.

وقد وثقت الدراسات المتخصصة في الإبادة الأرمنية أن النساء والفتيات تعرضن للخطف والاغتصاب والاستعباد الجنسي والزواج القسري خلال عمليات الترحيل، وأن العنف القائم على النوع الاجتماعي كان جزءًا مركزيًا من تجربة الاضطهاد. [7]

كما تكشف دراسات حديثة اعتمدت على شهادات الناجين ومحاكمات طرابزون أن فتيات أرمنيات انتهى ببعضهن المطاف في أسر تركية، حيث استُخدمن زوجات أو خادمات أو في الاستغلال الجنسي. [8]

وهنا لا يعود الأمر مجرد “تجارة رقيق” بالمعنى الاقتصادي التقليدي.

إننا أمام ظاهرة أكثر خطورة: تحويل العنف السياسي إلى وسيلة لتفكيك هوية جماعة كاملة من خلال السيطرة على نسائها وأطفالها.

فالمرأة هنا لا تُستهدف بوصفها فردًا فقط، بل بوصفها حاملة للهوية العائلية والدينية والثقافية.

ومن المنظور الأنثروبولوجي، فإن السيطرة على المرأة في أوقات الإبادة والنزاعات العرقية قد تتحول إلى وسيلة للسيطرة على مستقبل الجماعة نفسها.

سادسًا: وماذا عن النساء العربيات؟

أما الحديث عن **استرقاق النساء العربيات** فيحتاج إلى قدر أكبر من التروي .

فالعرب لم يكونوا كتلة واحدة خارج الدولة العثمانية، بل كان قسم كبير من السكان العرب رعايا عثمانيين، وكان الرق موجودًا في عدد من أقاليم الدولة العربية، ولا سيما في مصر والحجاز وبلاد الشام والعراق وشمال أفريقيا ومناطق البحر الأحمر.

وتشير الدراسات الخاصة بالرق في الشرق الأوسط العثماني إلى وجود أسواق للعبيد في مدن مثل إسطنبول والقاهرة وبورصة، وإلى تدفق العبيد من أفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى وغيرها. [9]

لكن هذا لا يسمح لنا بإطلاق عبارة عامة من قبيل “كان الجنود الأتراك يخطفون النساء العربيات ويبيعونهن في الأسواق”.

الأدق أن نقول إن **النساء العربيات عشن داخل منظومة اجتماعية كان الرق فيها موجودًا، وتعرضت بعض النساء للاختطاف أو الاسترقاق أو البيع في سياقات محلية وحربية مختلفة، كما أن بعض الرعايا العثمانيين تعرضوا للاسترقاق بصورة غير قانونية، خصوصًا في فترات ضعف السلطة المركزية.**

نعم , لا ينبغي أن تُفهم هذه الصورة على أنها اقتصرت على نساء القوقاز والبلقان والأرمن؛ فقد شهدت بعض البلاد العربية الخاضعة للسلطة العثمانية، في فترات الحرب والاضطراب والحملات العسكرية، حالات من الأسر والسبي والعنف الجنسي ارتكبها بعض أفراد القوات أو الجماعات المسلحة المرتبطة بالصراع. وكانت هذه الوقائع متفاوتة من منطقة إلى أخرى، ولا يصح تحويلها إلى قاعدة عامة تصف جميع الجنود العثمانيين أو جميع مراحل الحكم العثماني. كما ينبغي التمييز بين السبي المرتبط بالحرب، والرق بوصفه مؤسسة قانونية تاريخية، والاختطاف والاتجار غير المشروع بالبشر.

سابعًا: المرأة بين الغنيمة والسلعة

من الناحية الأنثروبولوجية، تكشف ظاهرة الرق النسائي عن تحول عميق في مفهوم الإنسان.

فالأسير الذكر قد يتحول إلى عامل أو جندي أو خادم، بينما كانت المرأة المسترقة تحمل قيمة إضافية في نظر المجتمع: قيمة جسدية وجنسية وإنجابية ومنزلية.

ولهذا كان جسدها يخضع لثلاثة أنواع من السيطرة:

**السيطرة الاقتصادية:**

لأنها مملوكة ويمكن بيعها وشراؤها أو توريثها.

**السيطرة الجنسية:**

لأن وضع الجارية كان يسمح بإخضاعها لعلاقة جنسية مع مالكها ضمن النظام القانوني والاجتماعي السائد آنذاك.

**السيطرة الإنجابية:**

لأن المرأة قد تصبح وسيلة للإنجاب داخل الأسرة أو الحريم، وقد تنجب أطفالًا يكتسبون موقعًا اجتماعيًا مختلفًا عن موقع أمهم.

ومن هنا فإن الرق النسائي لم يكن مجرد سلب للحرية الجسدية؛ بل كان إعادة صياغة كاملة للهوية الشخصية .

فالاسم قد يتغير.. , والدين قد يتغير.. , واللغة قد تتغير.. , والملابس قد تتغير.. , والأسرة الأصلية قد تختفي.

والمرأة التي كانت بالأمس ابنة لأسرة وقبيلة ومجتمع تصبح في السجل الاجتماعي “جارية فلان”.

وهذه واحدة من أكثر صور محو الشخصية الإنسانية قسوة.

ثامنًا: الأثر النفسي — من الإنسان إلى الشيء

إذا نظرنا إلى الرق من زاوية علم النفس الاجتماعي، فإن أخطر ما فيه ليس الألم الجسدي وحده، وإنما **تدمير الإحساس بالذات**.

فالإنسان الحر يعرف نفسه من خلال شبكة من العلاقات:

أنا ابنة فلان.. , أنا أخت فلان.. , أنا من هذه القرية أو تلك المدينة , أنا من هذا الدين.. , أنا اتكلم هذه اللغة.. , أنا من هذه الجماعة... ؛ لكن الاسترقاق يقطع هذه الشبكة ويعيد تعريف الإنسان من خلال المالك.

ومن هنا يمكن فهم بعض الآثار النفسية التي تتركها تجارب الأسر القسري:

* فقدان الإحساس بالأمان.

* الانفصال عن الأسرة.

* اضطراب الهوية.

* الخوف المزمن.

* الشعور بالعجز.

* فقدان السيطرة على الجسد.

* الصدمة الناتجة عن العنف الجنسي.

* صعوبة استعادة الثقة بالآخرين.

* الخوف من العودة إلى المجتمع الأصلي بعد سنوات من الأسر.

ولهذا فإن تحرير الجسد لا يعني بالضرورة تحرير الذاكرة.

فقد تخرج المرأة من بيت المالك، لكنها تحمل معها **سجنًا داخليًا** قد يستمر سنوات طويلة.

تاسعًا: الحريم ليس مجرد قصر للترف

تُختزل مؤسسة الحريم أحيانًا في الصور الرومانسية التي تقدمها بعض الروايات والأفلام: نساء جميلات، ملابس فاخرة، موسيقى، قصور، وثراء.

لكن القراءة التاريخية تكشف جانبًا آخر.

فالحريم كان أيضًا **مؤسسة للسلطة والتنظيم الاجتماعي**، وكان بعض سكانه من النساء المسترقات.

وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن الحريم السلطاني ارتبط بالسلطة والسيادة وشبكات الرعاية السياسية والاجتماعية، وأن النساء المسترقات كن جزءًا من هذه البنية. [1]

ولهذا لا يصح اختزال الحريم في البعد الجنسي فقط.

لقد كان مؤسسة سياسية واجتماعية.

لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأخرى: **أن جزءًا من النساء الموجودات فيه دخلن إليه بوصفهن مسترقات، أي أن موقعهن الاجتماعي الأصلي كان قائمًا على فقدان الحرية.**

عاشرًا: عندما أصبح الجمال سلعة

من أكثر الجوانب دلالة في هذه الظاهرة أن السوق لم يكن يتعامل مع المرأة باعتبارها شخصًا فحسب، بل كان يقيمها وفق صفات جسدية.

وقد أظهرت الدراسات المتعلقة بالحريم السلطاني أن أسعار بعض النساء اختلفت اختلافًا كبيرًا بحسب الأصل والعمر والجمال والمهارة. [4]

وهنا نصل إلى مفهوم أنثروبولوجي شديد الأهمية:  تسليع الجسد

حين يتحول الجسد إلى قيمة اقتصادية، يصبح الإنسان قابلًا للقياس بالسعر.

ومن ثم تصبح المرأة: “أغلى” لأنها أجمل... ؛ “أرخص” لأنها أكبر سنًا... ؛ “مرغوبة” بسبب أصلها... ؛ “مطلوبة” بسبب قدرتها على الإنجاب أو الخدمة… ؛ وهذه اللغة الاقتصادية تكشف عن عملية نفسية واجتماعية خطيرة، هي **نزع الإنسانية عن الضحية**.

فالإنسان لا يمكن أن يباع.

أما السلعة فيمكن بيعها.

ولهذا تبدأ عملية الاسترقاق ذهنيًا قبل أن تبدأ اقتصاديًا: عندما يُقنع المجتمع نفسه بأن إنسانًا ما يمكن أن يصبح ملكًا لإنسان آخر.

الحادي عشر: الدولة العثمانية بين الرق والإصلاح

لم تكن الدولة العثمانية ثابتة على موقف واحد من الرق طوال تاريخها.

ففي القرن التاسع عشر، وتحت ضغط التحولات الدولية والحركة البريطانية المناهضة للرق، إضافة إلى محاولات الدولة إعادة تنظيم نفسها، صدرت سلسلة من الإجراءات لتقييد تجارة الرقيق.

وتشير دراسة توليدانو إلى أن الفترة بين 1840 و1890 شهدت صراعًا متواصلًا حول قمع تجارة الرقيق، بما في ذلك الإجراءات المتعلقة بتجارة الأفارقة والشركس والجورجيين. [5]

وأغلقت الدولة السوق العلني للرقيق في إسطنبول في أربعينيات القرن التاسع عشر، ثم صدرت إجراءات أخرى استهدفت تجارة الرقيق القادمة من القوقاز وأفريقيا.

لكن المنع القانوني لم يكن مساويًا للاختفاء الفوري للظاهرة.

وهذه قاعدة تاريخية عامة: تستطيع الدولة أن تحظر التجارة على الورق، بينما تستمر السوق في العمل عبر الأبواب الخلفية.

ولهذا استمرت أشكال من الاتجار والرق بصورة سرية حتى أواخر العهد العثماني، رغم التحول التدريجي في التشريعات والمواقف الرسمية. [1][5]

الثاني عشر: من الرق العلني إلى الاتجار السري

تكشف هذه المرحلة عن تحول مهم في التاريخ الاجتماعي.

فالسوق العلني يمكن إغلاقه... ؛ لكن الشبكة الاقتصادية لا تختفي بالضرورة .

فتنتقل عملية البيع إلى: البيوت الخاصة، والوسطاء، والفنادق، والشبكات العائلية، والموانئ، والحدود، والعلاقات السرية.

وتكشف الدراسات المتعلقة بإسطنبول أواخر العهد العثماني عن تحول المدينة إلى مركز مهم لشبكات الاتجار بالنساء، بما في ذلك الاتجار الدولي. [6]

وهكذا انتقل المجتمع تدريجيًا من نموذج “سوق الرقيق” الظاهر إلى نموذج أكثر خفاءً من **الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي**.

الثالث عشر: السياسة والحرب والجسد الأنثوي

الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية.

إنها في المجتمعات التقليدية عملية لإعادة توزيع القوة والسكان والملكية.

ولهذا كانت النساء والأطفال من أكثر الفئات هشاشة أثناء انهيار النظام الاجتماعي.

وقد يتحول الجسد الأنثوي إلى: غنيمة، ورمز للنصر، وأداة إذلال للعدو، وسلعة اقتصادية، وأداة لتغيير الهوية، ووسيلة لإعادة بناء الأسرة وفق هوية المنتصر.

وفي الحالات القصوى، يصبح اختطاف النساء جزءًا من سياسة محو جماعة بشرية أو تفكيك قدرتها على إعادة إنتاج نفسها اجتماعيًا.

وهذه النقطة بالذات تساعد على فهم ما حدث للنساء الأرمنيات خلال الحرب العالمية الأولى؛ إذ ارتبط العنف ضدهن بعملية أوسع من الترحيل والقتل والتفكيك الاجتماعي. [7]

الرابع عشر: هل كان الجنود العثمانيون وحدهم المسؤولين؟

هنا يجب أن تكون الدراسة صريحة.

**لا.**

فالقول بأن “الجنود الأتراك كانوا يخطفون النساء ويبيعونهن” باعتباره وصفًا شاملًا لكل تاريخ الدولة العثمانية قول غير دقيق.

الأصح أن نقول: إن الجيوش العثمانية شاركت في عمليات أسر خلال الحروب والفتوحات، وإن الأسرى في بعض السياقات كانوا يدخلون في أنظمة الرق، لكن تجارة الرقيق نفسها كانت شبكة اقتصادية واجتماعية شارك فيها: أسرى وفقراء وتجار ووسطاء ومالكون وموظفون وأعيان ومهاجرون وشبكات محلية وعابرة للحدود، كما وقعت عمليات استرقاق غير قانونية خارج الأطر الرسمية.

وتظهر الوثائق القضائية أن بعض النساء تعرضن للخطف ثم البيع، وأن بعضهن لجأن إلى المحاكم العثمانية للمطالبة بالحرية. [2][3]

وبذلك يكون التاريخ أكثر تعقيدًا من صورة “الجندي الخاطف” وحدها.

الخامس عشر: لا قداسة في التاريخ ولا شيطنة عرقية

إن دراسة الرق العثماني لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة عرقية للأتراك، كما لا ينبغي أن تتحول في الاتجاه المقابل إلى دفاع أيديولوجي عن الدولة العثمانية.

فالرق ظاهرة تاريخية عرفتها حضارات وإمبراطوريات ومجتمعات كثيرة، لكن هذا لا يعني أن عموميتها تلغي مسؤولية الفاعلين في كل حالة.

والقول : ان الجميع مارس الرق … ؛ لا يبرر الرق.

والقول: “العثمانيون مارسوا الرق” … ؛ لا يعني أن كل عثماني كان تاجر رقيق.

والمنهج التاريخي السليم يرفض التعميم في الاتجاهين.

السادس عشر: الدلالة الحضارية

تكشف دراسة الرق في الدولة العثمانية عن مفارقة حضارية عميقة.

فالإمبراطورية التي استطاعت أن تنشئ مؤسسات إدارية وقضائية وعسكرية ضخمة، وتبني مدنًا وقصورًا ومساجد وجسورًا، عاشت في الوقت نفسه داخل نظام اجتماعي كان يسمح باستعباد البشر.

وهذه ليست مفارقة عثمانية وحدها.

إنها مفارقة الإنسان نفسه.

فالإنسان يستطيع أن يكون متقدمًا في العمارة والإدارة والفنون، ومتأخرًا في مفهوم الحرية والقيم الإنسانية  .

ومن هنا فإن معيار الحضارة الحقيقي ليس ضخامة القصور، ولا قوة الجيوش، ولا اتساع الحدود، وإنما **مقدار ما تمنحه الجماعة من كرامة للإنسان الذي لا يملك القوة للدفاع عن نفسه.**

خاتمة: التاريخ الذي يجب ألا ندفنه

إن قصة النساء المسترقات في الدولة العثمانية ليست قصة هامشية عن الحريم والأسواق القديمة.

إنها قصة عن الحرب.. , وعن السلطة.. , وعن الاقتصاد.. , وعن الجسد.. , وعن الهوية.. , وعن قدرة الإنسان على تحويل الإنسان الآخر إلى شيء.

لقد دخلت نساء من القوقاز والبلقان وأوروبا وأفريقيا ومناطق الشرق الأوسط في شبكات الرق العثمانية بدرجات وأشكال مختلفة، وتعرضت بعض النساء للخطف أو الأسر أو البيع، فيما تعرضت أخريات للاتجار غير القانوني أو للاستغلال داخل منظومات منزلية وجنسية… ؛  وكانت النساء الشركسيات والجورجيات  والقوقازيات من أبرز الفئات المرتبطة بتجارة القوقاز في القرن التاسع عشر، بينما تكشف المصادر الخاصة بالأرمنيات عن شكل بالغ القسوة من العنف المرتبط بالحرب والتهجير والإبادة. [1][5][7][8]

لكن الحقيقة الأهم ليست جنسية الضحية ولا قومية الجلاد.

الحقيقة أن **الاسترقاق يبدأ عندما يفقد الإنسان حقه في أن يكون مالكًا لذاته.**

ولهذا فإن دراسة الرق ليست بحثًا في الماضي وحده.

إنها دراسة للآلية التي يستطيع بها المجتمع، حين تسقط عنه القيود الأخلاقية والقانونية، أن يحول الضعيف إلى غنيمة، والغنيمة إلى سلعة، والسلعة إلى ملكية، والملكية إلى أمر يبدو طبيعيًا في نظر الناس.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتاريخ: ليس لكي نكره أجداد الآخرين، ولا لكي نمجد أجدادنا، وإنما لكي نفهم كيف يصبح الظلم عاديًا عندما تتواطأ معه الحرب والقانون والسوق والسلطة والصمت الاجتماعي.

…………………………………….

المصادر

**[1]** Ehud R. Toledano, *Slavery and Abolition in the Ottoman Middle East*, University of Washington Press, 1998. وهي من أهم الدراسات الحديثة للرق العثماني، وتعتمد على أرشيفات بريطانية وفرنسية وتركية، وتتناول الجواري وتجار الرقيق والمالكين والرق القوقازي.

**[2]** دراسة عن دعاوى الحرية والممارسة القضائية في الدولة العثمانية، *Slavery, Freedom Suits, and Legal Praxis in the Ottoman Empire, ca. 1590–1710*, Cambridge University Press. وتوضح تعرض نساء للخطف والاسترقاق غير القانوني، ولا سيما في الولايات الأوروبية والمناطق القريبة من الحاميات والحدود.

**[3]** Öznur Balcı, *19. yüzyıl Osmanlısında kadın esirciler: Ayşe Sıdıka ve işbirliği ağları*, Istanbul 29 Mayıs University, 2024. دراسة قائمة على وثيقة استجواب من الأرشيف العثماني، وتبحث في شبكات الاتجار بالفتيات في إسطنبول.

**[4]** Leslie P. Peirce, *The Imperial Harem: Women and Sovereignty in the Ottoman Empire*, Oxford University Press, 1993. وتتناول مؤسسة الحريم والنساء والسلطة والسيادة في الدولة العثمانية؛ كما تورد الدراسات اللاحقة معلومات عن أصول النساء المسترقات وأسعارهن ووظائفهن.

**[5]** Ehud R. Toledano, *The Ottoman Slave Trade and Its Suppression, 1840–1890*, Princeton University Press. وتتناول الدراسة القيود المفروضة على تجارة الرقيق الأفريقية والقوقازية والجورجية، ومسار محاولات الدولة العثمانية قمعها خلال القرن التاسع عشر.

**[6]** Malte Fuhrmann, “‘Western Perversions’ at the Threshold of Felicity: The European Prostitutes of Galata-Pera (1870–1915),” *History and Anthropology*, Vol. 21, No. 2, 2010. وتتناول تحول إسطنبول في أواخر القرن التاسع عشر إلى مركز لشبكات الاتجار بالنساء.

**[7]** Katharine Derderian, “Common Fate, Different Experience: Gender-Specific Aspects of the Armenian Genocide, 1915–1917,” *Holocaust and Genocide Studies*, 2005. وتبحث في الخطف والاستعباد الجنسي والزواج القسري والعنف ضد النساء الأرمنيات خلال عمليات الترحيل.

**[8]** دراسة: “The Victims of ‘Safety’: The Destiny of Armenian Women and Girls Who Were Not Deported from Trabzon”، ضمن دراسة أكاديمية حديثة تعتمد على محاكمات طرابزون وشهادات الناجين، وتتناول النساء والفتيات الأرمنيات اللواتي انتهى ببعضهن الأمر في الأسر والعمل القسري والاستغلال الجنسي.

**[9]** Institute for Palestine Studies، “Slavery in Nineteenth Century Palestine: An Overview”، ويعرض اعتماد الدراسات الحديثة على سجلات المحاكم الشرعية والمصادر المحلية والأرشيفية في دراسة الرق في الشرق الأوسط العثماني.

**[10]** بالنسبة إلى الإصلاحات العثمانية، تشير الدراسات إلى سلسلة من الإجراءات في القرن التاسع عشر استهدفت تجارة الرقيق، ومنها القيود المفروضة على التجارة القوقازية والأفريقية وإغلاق سوق إسطنبول العلني، مع بقاء تجارة سرية بعد ذلك.