مشاة الأربعين 1977 والبعث المجرم (ح 5) (نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون)

د. فاضل حسن شريف

شهداء انتفاضة صفر عام 1977 في العراق هم: صاحب أبو كلل، وديع فاهم وداعة، وبلاسم ناجي جواد.شهداء ومعدومو انتفاضة صفر 1977 صاحب أبو كلل (أُعدم في فبراير 1977 بعد تسليم نفسه إثر ارتهان عائلته) وديع فاهم وداعة، بلاسم ناجي جواد، جمال أحمد جاسم، محسن جداوي جاسم، علي نصير جاسم، كامل خضير سياب.

ان البعثيين المجرمين الفاسقين نسوا الله جل جلاله فأنساهم أنفسهم. جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (الحشر 19) “ولا تكونوا كالذين نسوا الله” (الحشر 19) أي تركوا أداء حق الله “فأنساهم أنفسهم” (الحشر 19) بأن حرمهم حظوظهم من الخير والثواب وقيل نسوا الله بترك ذكره بالشكر والتعظيم فأنساهم أنفسهم بالعذاب الذي نسي به بعضهم بعضا كما قال فسلموا على أنفسكم أي ليسلم بعضكم على بعض عن الجبائي ويريد به بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع عن ابن عباس “أولئك هم الفاسقون” (الحشر 19) الذين خرجوا من طاعة الله إلى معصيته. وجاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (الحشر 19) “ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهً فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ”. نسوا العمل بأمر اللَّه، فأنساهم العمل لمصلحة أنفسهم، وما ينفعها يوم تبيضّ وجوه وتسود وجوه، وأغش الناس من نسي نفسه ولم يعمل لسلامتها من الهلاك “أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ” (الحشر 19) لأنهم لم ينتفعوا ببيان اللَّه، ويتعظوا بمواعظه.

جاء في الصفحة الإسلامية لوكالة انباء براثا عن زيارة الأربعين و انتفاضة 20 صفر الخالدة للدكتور رعد هادي جبارة: سبع روايات في سبعة مصادر وجدتُها منقولة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في فضل وثواب زيارة مرقد الحسين عليه السلام ماشياً كلها تتضافر على الثواب الجزيل والثناء الجميل على زائر الحسين عليه السلام وتعطي كل خطوة من خطواته أعظم الأجر عند الله سبحانه و تعالى. ولكنني لم أعثر رواية موثوقة في الذهاب مشياً لزيارة بقية مراقد الائمة العشرة الاخرين في طوس والعراق والحجاز ولم أجد روايات تحثّ على (الذهاب “مشياً”) لزيارة مراقد ذريتهم. ولربما كانت الأجواء الروحية والمعنوية هي التي تجذب عشرات الملايين من أنصار وأتباع أهل البيت عليهم السلام ومن المذاهب الاسلامية بل وحتى بعض أتباع الاديان الأخرى يأتون سيراً على الاقدام، في طقوس عبادية ذات صبغة روحية ومعنوية، لكي يزوروا مرقد الحسين ع و يتزودوا من نفحاته المعنوية. و منذ سنين طويلة 1973 فما بعد وُفّقتُ للمشاركة والحضور في هذه الطقوس التي كانت المشاركة فيها مقتصرة على بضعة الاف من الاشخاص معظمهم من النجف دون أي كاميرات ولا خدمات ولا مواكب منصوبة على جانبي الطريق الرابط بين النجف الاشرف وكربلاء سوى وجبة طعام في خان الربع و خان النص وخان النخيلة.  وفي عام 1977م خرجت انتفاضة كبرى من النجف الاشرف و تظاهرات تجسد التحدي  بعد الاعلان الحكومي عن منع المشاية والتهديد الصارم بقمع المشاركين في المسيرة التي كان البعض يسميها (البياده بالباء المثلثة). لقد خرجت جموع غاضبة وخاضت مواجهات بالهراوات والقبضات مع شرطة النظام الظالم و جلاوزة أمن البعث المدججين بالاسلحة النارية والبيضاء، وكان المنتفضون يحملون راية كبيرة مكتوباً عليها (يد الله فوق ايديهم) و تم اعدام احد عشر شخصا من النجف واستشهد حامل الراية بالرصاص في الطريق، واعتقل النظام الظالم المئات من الثوار وعُذِّبوا، وكان أحدهم أبي الشاعر الفقيد هادي جبارة.  والمؤسف ان هذه الانتفاضة البطولية لايكاد يذكرها الكتّاب و الصحفيون و المشاية الحاليون رغم أنها كانت أول تحدٍّ للنظام وظلمه وبطشه بحيث استخدمت الحكومة طائرات الميغ 17 و21 واستقدمت الفرقة المدرعة العاشرة من المحاويل والتاجي لمواجهة الثوار و اعتقالهم. واعترف بها النظام في وسائل الإعلام الرسمية رغم حرصه الشديد على التكتم على اي تحركات شعبية ضده.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (الحشر 19) النسيان زوال صورة المعلوم عن النفس بعد حصولها فيها مع زوال مبدئه ويتوسع فيه مطلق على مطلق الإعراض عن الشيء بعدم ترتيب الأثر عليه قال تعالى: “وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ” (الجاثية 34). والآية بحسب لب معناها كالتأكيد لمضمون الآية السابقة كأنه قيل: قدموا ليوم الحساب والجزاء عملا صالحا تحيى به أنفسكم ولا تنسوه. ثم لما كان سبب نسيان النفس نسيان الله تعالى إذ بنسيانه تعالى تنسى أسماؤه الحسنى وصفاته العليا التي ترتبط بها صفات الإنسان الذاتية من الذلة والفقر والحاجة فيتوهم الإنسان نفسه مستقلة في الوجود ويخيل إليه أن له لنفسه حياة وقدرة وعلما وسائر ما يتراءى له من الكمال ونظرائه في الاستقلال سائر الأسباب الكونية الظاهرية تؤثر فيه وتتأثر عنه. وعند ذلك يعتمد على نفسه وكان عليه أن يعتمد على ربه ويرجو ويخاف الأسباب الظاهرية وكان عليه أن يرجو ويخاف ربه، يطمئن إلى غير ربه وكان عليه أن يطمئن إلى ربه. وبالجملة ينسى ربه والرجوع إليه ويعرض عنه بالإقبال إلى غيره، ويتفرع عليه أن ينسى نفسه فإن الذي يخيل إليه من نفسه أنه موجود مستقل الوجود يملك ما ظهر فيه من كمالات الوجود وإليه تدبير أمره مستمدا مما حوله من الأسباب الكونية وليس هذا هو الإنسان بل الإنسان موجود متعلق الوجود جهل كله عجز كله ذلة كله فقر كله وهكذا، وما له من الكمال كالوجود والعلم والقدرة والعزة والغنى وهكذا فلربه وإلى ربه انتهاؤه ونظرائه في ذلك سائر الأسباب الكونية. والحاصل لما كان سبب نسيان النفس نسيان الله تعالى حول النهي عن نسيان النفس في الآية إلى النهي عن نسيانه تعالى لأن انقطاع المسبب بانقطاع سببه أبلغ وآكد، ولم يقنع بمجرد النهي الكلي عن نسيانه بأن يقال: ولا تنسوا الله فينسيكم أنفسكم بل جرى بمثل إعطاء الحكم بالمثال ليكون أبلغ في التأثير وأقرب إلى القبول فنهاهم أن يكونوا كالذين نسوا الله مشيرا به إلى من تقدم ذكرهم من يهود بني النضير وبني قينقاع ومن حاله حالهم في مشاقة الله ورسوله. فقال: “ولا تكونوا كالذين نسوا الله” (الحشر 19) ثم فرع عليه قوله: “فأنساهم أنفسهم” (الحشر 19) تفريع المسبب على سببه ثم عقبه بقوله: “أولئك هم الفاسقون” (الحشر 19) فدل على أنهم فاسقون حقا خارجون عن زي العبودية. والآية وإن كانت تنهى عن نسيانه تعالى المتفرع عليه نسيان النفس لكنها بورودها في سياق الآية السابقة تأمر بذكر الله ومراقبته. فقد بان من جميع ما تقدم في الآيتين أن الآية الأولى تأمر بمحاسبة النفس والثانية تأمر بالذكر والمراقبة.

جاء في قناة العالم عن انتفاضة صفر في وجه منع النظام البعثي زيارة الأربعين: العراق طالما كان مسرحاً للعديد من الأحداث المؤلمة، لكن مع وصول حزب البعث وصدام إلى السلطة، أخذت تلك الأحداث منحى آخر أحمر بلون الدم. الحياة في العراق تبدأ مع شروق الشمس من بين أشجار النخيل ووصول أشعتها إلى مجرى نهر الفرات. تبدأ من جديد لتعيد عرض المعتقدات الراسخة التي يتصف بها كل بيت عراقي. ربما لم تسمعوا كثيراً عن انتفاضة صفر وثورة الشعب العراقي عام 1977، تلك الانتفاضة التي مهدت بدماء آلاف الشهداء الطريق لانتفاضة شعبان. ثورة سطع نورها في مسيرة الاربعين ضد حكم البعثيين في ذلك العام، فرض البعثيون أشد القيود على إحياء ذكرى الأربعين، غير مدركين أن الأربعين أكثر من مجرد مسيرة، شيء مثل الحنين بلوعه إلى الماضي. أساساً النخيل والفرات، مسيرة الأربعين هي لوعه حنين لكل عراقي الذي يأتي إلى هنا كل يوم ليملأ ناظره بالماء، لعل الأشواق تهدأ. لا يشعر بهذه الأشواق إلا من قضى سنوات طويلة تحت ظلم البعثيين محتجزاً في مخيم لاجئين الانتفاضة وسط صحاري السعودية.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (الحشر 19) وأكّدت الآية اللاحقة بعد الأمر بالتقوى والتوجّه إلى يوم القيامة على ذكر الله سبحانه، حيث يقول تعالى: “ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم”. وأساساً فإنّ جوهر التقوى شيئان: ذكر الله تعالى، وذلك بالتوجّه والإنشداد إليه من خلال المراقبة الدائمة منه وإستشعار حضوره في كلّ مكان وفي كلّ الأحوال، والخشية من محكمة عدله ودقّة حسابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها في صحيفة أعمالنا.. ولذا فإنّ التوجّه إلى هذين الأساسين (المبدأ والمعاد) كان على رأس البرامج التربوية للأنبياء والأولياء، وذلك لتأثيرها العميق في تطهير الفرد والمجتمع. والنقطة الجديرة بالملاحظة أنّ القرآن الكريم يعلن هنا بصراحة أنّ الغفلة عن الله تسبّب الغفلة عن الذات، ودليل ذلك واضح أيضاً، لأنّ نسيان الله يؤدّي من جهة إلى إنغماس الإنسان في اللذات المادية والشهوات الحيوانية، وينسى خالقه، وبالتالي يغفل عن إدّخار ما ينبغي له في يوم القيامة. ومن جهة اُخرى فانّ نسيان الله ونسيان صفاته المقدّسة وأنّه سبحانه هو الوجود المطلق والعالم اللامتناهي، والغنى اللامحدود وكلّ ما سواه مرتبط به، ومحتاج لذاته المقدّسة كلّ ذلك يسبّب أن يتصوّر نفسه مستقلا ومستغنياً عن المبدأ. وأساساً فإنّ النسيان  بحدّ ذاته  من أكبر مظاهر تعاسة الإنسان وشقائه، لأنّ قيمة الإنسان في قابلياته ولياقاته الذاتية وطبيعة خلقه التي تميّزه عن الكثير من المخلوقات، وإذا نسيها فهذا يعني نسيان إنسانيته، وفي مثل هذه الحالة يسقط الإنسان في وحل الحيوانية، ويصبح همّه الأكل والشرب والنوم والشهوات. وهذه كلّها عامل أساس للفسق والفجور، بل إنّ نسيان الذات هومن أسوأ مصاديق الفسق والخروج عن طاعة الله، ولهذا يقول سبحانه: “اُولئك هم الفاسقون” (الحشر 19). وممّا يجدر بيانه أنّ الآية لم تقل (لا تنسوا الله)، بل وردت بعبارة “ولا تكونوا كالذين نسوا الله) أي كالأشخاص الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وهي في الحقيقة بيان مصداق حسّي وواضح يمكن للإنسان أن يرى فيه عاقبة نسيان الله تعالى. والظاهر أنّ المقصود في هذه الآية هم المنافقون والذين اُشير لهم في الآيات السابقة، أوأنّ الملاحظ فيها هم يهود بني النضير، أوكلاهما. وجاء نظير هذا المعنى في قوله تعالى: “الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (التوبة 67). ومع وجود قدر من التفاوت بين الآيتين، أنّه ذكر نسيان الله هناك كسبب لقطع رحمة الله عن الإنسان، وفي هذه الآية محل البحث سبب لنسيان الذات. وبالتالي فإنّ الآيتين تنتهيان إلى نقطة واحدة. (فلاحظ).