بغداد قبل النفط: كيف موّل التجار الاقتصاد بالائتمان والكمبيالات؟ من وثائق الدبلوماسي البريطاني جون لوريمر

سوق الفاكهة في بغداد مطلع القرن العشرين

إيهاب مقبل

لم يكن اقتصاد بغداد في مطلع القرن العشرين يعتمد على المصارف الحديثة وحدها، بل كان يقوم على شبكة واسعة من التجار والوكلاء والسماسرة وأصحاب رؤوس الأموال والائتمان التجاري. وتكشف وثائق الدبلوماسي البريطاني جون غوردون لوريمر في عمله الضخم «دليل الخليج الفارسي وعُمان ووسط الجزيرة العربية Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia» أن المال كان يتحرك داخل الأسواق بطرق تختلف كثيراً عن النظام المصرفي المعاصر، وأن الثقة بالاسم التجاري كانت في حد ذاتها أداة مالية.

الائتمان: شراء اليوم والدفع لاحقاً
كانت بغداد تعرف المؤسسات المصرفية، لكنها لم تكن قد أصبحت محور النظام الائتماني؛ فقد ظل جزء كبير من تمويل التجارة يعتمد على كبار التجار والكمبيالات والائتمان التجاري والعلاقات الشخصية.

والمقصود بـالائتمان ببساطة هو أن يحصل التاجر على المال أو البضاعة الآن، على أن يدفع قيمتها لاحقاً وفق موعد وشروط متفق عليها. فمثلاً، يستطيع تاجر صغير الحصول على كمية من الأقمشة من تاجر أكبر، ثم يبيعها في السوق ويسدد قيمتها بعد فترة، بدلاً من دفع ثمنها نقداً عند استلامها.

وكان هذا الأسلوب مهماً في بغداد لأن التجارة كانت تحتاج إلى رأس مال مستمر، بينما لم يكن كل تاجر يمتلك السيولة الكافية لشراء البضائع ودفع ثمنها فوراً.

الكمبيالة: المال المؤجل في التجارة
ومن الأدوات التي استخدمها التجار الكمبيالة. والكمبيالة هي وثيقة مالية يتعهد بموجبها شخص بدفع مبلغ محدد لشخص آخر في موعد معين أو عند الطلب. وبمعنى أبسط، كانت تعهدًا مكتوبًا بالدفع في المستقبل، ويمكن استخدامها لتسوية الدين بدلاً من نقل النقود نقداً في كل معاملة.

ومن المهم هنا التمييز بين الائتمان والكمبيالة. فالائتمان هو تأجيل الدفع نفسه، أما الكمبيالة فهي الوثيقة التي تثبت وتُنظّم هذا الالتزام بالدفع. فمثلاً، إذا اشترى تاجر بغدادي أقمشة بقيمة 100 ليرة عثمانية من تاجر آخر، واتفقا على أن يدفع الثمن بعد ستة أشهر، فإن حصوله على البضاعة الآن والدفع لاحقاً يسمى ائتماناً. وإذا كتب التاجر وثيقة يتعهد فيها بدفع الـ100 ليرة بعد ستة أشهر، فإن هذه الوثيقة هي الكمبيالة.

ويذكر لوريمر أن الكمبيالات كانت مستخدمة في المعاملات التجارية، وأن آجال بعضها كانت تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين.

وهذا الرقم مهم؛ لأنه يكشف أن التجارة لم تكن تقوم دائماً على قاعدة «البضاعة مقابل النقود فوراً»، وإنما كان هناك نظام من الائتمان والتمويل المؤجل يسمح للتاجر بالحصول على البضاعة، ثم بيعها أو تشغيل رأس ماله، وتسديد قيمتها في موعد لاحق.

كبار التجار كانوا يمولون صغار التجار
يصف لوريمر نظاماً كان فيه كبار التجار يؤدون دوراً مالياً مهماً. فالشركات والتجار الكبار كانوا قادرين على استيراد البضائع بكميات كبيرة، بينما كان التجار الأصغر يحصلون على جزء منها بالائتمان.

وبذلك لم يكن التاجر الكبير مجرد تاجر جملة، بل كان يؤدي في بعض الحالات وظيفة تشبه الممول التجاري؛ فهو يتيح للتاجر الأصغر الحصول على البضاعة قبل أن تتوافر لديه قيمتها كاملة.

وهنا تظهر أهمية الثقة. فالتاجر الذي يمتلك سمعة جيدة واسماً تجارياً معروفاً كان أكثر قدرة على الحصول على الائتمان من تاجر جديد أو قليل الموارد.

كيف كانت البضاعة الأوروبية تصل إلى بغداد؟
كان نظام الائتمان مهماً خصوصاً في تجارة السلع الأوروبية المستوردة. فالتاجر الكبير أو الشركة القادرة على التعامل مباشرة مع الموردين في أوروبا كانت تشتري البضائع بكميات كبيرة، ثم تصل الشحنات إلى البصرة بوصفها الميناء الرئيسي للعراق، ومنها تنتقل إلى بغداد عبر نهر دجلة.

أما التجار الأصغر في بغداد، فلم يكن معظمهم يتعامل مباشرة مع الموردين الأوروبيين، بل كانوا يحصلون على البضائع من التجار الكبار والوكلاء المحليين. وفي بعض الحالات كان التاجر يحصل على البضاعة بالائتمان.

وبذلك كانت البضاعة الأوروبية تصل إلى العراق عبر سلسلة تجارية تبدأ من الموردين في أوروبا، ثم تنتقل بحراً إلى البصرة، ومنها إلى بغداد عبر دجلة، قبل أن تصل إلى التجار والأسواق والمستهلكين. وفي الاتجاه المقابل كانت حركة المال تسير عبر المدفوعات والكمبيالات والائتمان. فالتاجر يحصل على البضاعة، ثم يبيعها في السوق، ويستخدم حصيلة مبيعاته لسداد ما عليه من التزامات مالية.

وهكذا كانت حركة البضائع مرتبطة بحركة رأس المال؛ فالبضاعة لا تصل إلى السوق بمعزل عن الائتمان، والائتمان بدوره كان يسمح للتاجر بمواصلة نشاطه قبل أن تتوافر لديه قيمة البضاعة نقداً.

من التاجر إلى الدلال
لم يكن الائتمان يعمل منفصلاً عن بقية السوق. فقد كان هناك الدلال، أي الوسيط التجاري الذي يساعد في إتمام الصفقات بين البائع والمشتري.

ويذكر لوريمر أن عمولة الدلال في بغداد كانت تتراوح بين نصف في المئة و1% من قيمة الصفقة. وهذا يكشف أن السوق كان يمتلك قواعد واضحة للوساطة التجارية، وأن إتمام الصفقة كان يمكن أن يمر عبر شبكة من التجار والوسطاء والوكلاء.

كما يذكر لوريمر القَبَنْجية، وهم الأشخاص الذين كانوا يتولون وزن البضائع والمحاصيل باستخدام القَبّان، وهو ميزان كبير مخصص لوزن الأحمال والبضائع الثقيلة، مقابل أجر.

وهكذا لم تكن التجارة مجرد بائع ومشترٍ، وإنما شبكة متكاملة من التاجر والممول والوكيل والدلال والقبانجي.

اقتصاد يتحرك من دون النفط
تكشف هذه التفاصيل أن بغداد قبل النفط لم تكن مدينة تقتصر معاملاتها على البيع النقدي المباشر. فقد كانت لديها كمبيالات، وائتمان تجاري، وكبار تجار يمولون صغار التجار، ووسطاء يحصلون على عمولات، ومؤسسات مصرفية تتعامل مع التجارة الدولية.

وكانت بعض المعاملات تمتد آجالها إلى سنتين، بينما كانت عمولة الدلال تبلغ 0.5% إلى 1%.

هذه الأرقام الصغيرة، في ظاهرها، تكشف شيئاً كبيراً: اقتصاد بغداد كان يمتلك نظاماً مالياً وتجاريـاً متطوراً بالنسبة إلى ظروف عصره، حتى وإن لم يكن اقتصاداً مصرفياً حديثاً.

فلم يكن رأس المال غائباً عن العراق قبل النفط؛ بل كان موجوداً في التجارة، والائتمان، والقروض، والمخازن، والبضائع، وشبكات التجار. وكان المال يتحرك من يد إلى أخرى عبر الثقة والسمعة والكمبيالات، قبل أن يصبح النفط لاحقاً المصدر الرئيسي للدخل العام ويغير طبيعة الاقتصاد العراقي بصورة جذرية.

المراجع
جون غوردون لوريمر، دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية (Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia).
https://dn710606.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206963/2015.206963.Gazetteer-Of.pdf

https://dn790009.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206964/2015.206964.Gazetteer-Of.pdf

انتهى