LOGO

د. فاضل حسن شريف

يُسمى تكرار الكلمات المتتالية في البلاغة العربية بـ الجناس المزدوج (أو المردّد / المكرر)، وهو أن يأتي اللفظان المتجانسان متتاليين دون فصل بينهما، ليُحدثا نغمة موسيقية وأثراً دلالياً مع اختلاف المعنى أو اتحاده بحسب السياق.مفهومه وخصائصهيأتي اللفظان متلاصقين في الجملة.يعتمد على التماثل اللفظي التام في الحروف والحركات.يهدف إلى توكيد المعنى أو لفت الانتباه لدقته.أمثلة توضيحيةفي القرآن الكريم: قول الله تعالى: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” (الشرح 5-6) (تكرار متتالي للجملة والكلمات بتمامها لتأكيد الفرج). في الاستخدام اللغوي: قولهم: (الرجلُ الرجلُ) (حيث تدل الثانية على كمال الرجولة والصفات العالية، بخلاف الأولى التي تدل على الذات البيولوجية).

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ﴿البقرة 178﴾ لما بين سبحانه أن البر لا يتم إلا بالإيمان والتمسك بالشرائع بين الشرائع وبدأ بالدماء والجراح فقال “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم” ﴿البقرة 178﴾ أي فرض عليكم وأوجب وقيل كتب عليكم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ على جهة الفرض “القصاص في القتلى” ﴿البقرة 178﴾ المساواة في القتلى أي يفعل بالقاتل مثل ما فعله بالمقتول ولا خلاف أن المراد به قتل العمد لأن العمد هو الذي يجب فيه القصاص دون الخطإ المحض وشبيه العمد. ومتى قيل كيف قال “كتب عليكم القصاص في القتلى” والأولياء مخيرون بين القصاص والعفو وأخذ الدية و المقتص منه لا فعل له فيه فلا وجوب عليه فالجواب من وجهين ( أحدهما ) أنه فرض عليكم ذلك إن اختار أولياء المقتول القصاص والفرض قد يكون مضيقا وقد يكون مخيرا فيه (والثاني) أنه فرض عليكم التمسك بما حد عليكم وترك مجاوزته إلى ما لم يجعل لكم وأما من يتولى القصاص فهو إمام المسلمين ومن يجري مجراه فيجب عليه استيفاء القصاص عند مطالبة الولي لأنه حق الآدمي ويجب على القاتل تسليم النفس، “الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى” ﴿البقرة 178﴾ قال الصادق ولا يقتل حر بعبد ولكن يضرب ضربا شديدا ويغرم دية العبد وهذا مذهب الشافعي وقال إن قتل رجل امرأة فأراد أولياء المقتول أن يقتلوه أدوا نصف ديته إلى أهل الرجل وهذا هو حقيقة المساواة فإن نفس المرأة لا تساوي نفس الرجل بل هي على النصف منها فيجب إذا أخذت النفس الكاملة بالنفس الناقصة أن يرد فضل ما بينهما وكذلك رواه الطبري في تفسيره عن علي السلام ويجوز قتل العبد بالحر والأنثى بالذكر إجماعا وليس في الآية ما يمنع من ذلك لأنه لم يقل لا تقتل الأنثى بالذكر ولا العبد بالحر فما تضمنته الآية معمول به وما قلناه مثبت بالإجماع وبقوله سبحانه النفس بالنفس.

ورد تكرار كلمتين متتاليتين (بلا فاصل أو بفاصل يسير للتأكيد) في عدة مواضع من القرآن الكريم لغرض التوكيد أو بيان عظمة المعنى، ومن أبرز هذه الأمثلة المتتالية تماماً:هيهات هيهات: في قوله تعالى: “هيهات هيهات لما توعدون” (المؤمنون 36).دكا دكا: في قوله تعالى: “وَدُكَّتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً” وقوله: “كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً” (الفجر 21). صفا صفا: في قوله تعالى: “وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً” (الفجر 22). فيه فيه: في قوله تعالى: “لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا” (التوبة 108). سلاما سلاما: في قوله تعالى: “لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا” (الواقعة 25).أحسنتم أحسنتم: في قوله تعالى: “إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ” (الإسراء 7). سيئة سيئة: في قوله تعالى: “وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا” (الشورى 40). الله الله: في قوله تعالى: “قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ” (الأنعام 124).ب طشتم بطشتم: في قوله تعالى: “وَإِذَا بَطَشْتُمُ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ” (الشعراء 130). خلق خلق: في قوله تعالى: “خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ” (وردت بلفظ الفعل متصلاً في المعنى والتأكيد في مواضع أخرى كقوله تعالى عن خلقه).

العبارة المذكورة هي جزء من الآية الكريمة رقم 178 من سورة البقرة في القرآن الكريم: “الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثى” (البقرة 178). وتعني تشريع العدل والمساواة في القصاص، وإبطال أعراف الجاهلية التي كانت تطالب بقتل الشريف مقابل الوضيع أو العكس. السياق التاريخي ونزول الآية: كان للقبائل العربية في الجاهلية تفاوت وتطاول فيما بينها. إذا قُتل منهم عبد أو امرأة، كانوا يأبون إلا قتل حر أو رجل من القبيلة الأخرى. جاءت الآية لتقرر أن العقوبة تقع على القاتل نفسه بلا إسراف أو تعدٍّ لغير الجاني. المعنى من حيث المنطوق والمفهوم: المنطوق: يقتضي أن القصاص يحصل بالمماثلة؛ فلا يقتل إلا القاتل، ويؤخذ الجاني بمثل وصفه إن أمكن.خلاف العلماء في “مفهوم المخالفة”:ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القيود في الآية خرجت مخرج الغالب والعادة، وأجمعوا على قتل الرجل بالمرأة، وأن الدماء تتكافأ.ذهب بعض الفقهاء إلى اعتبارات أخرى في عدم قتل الحر بالعبد بناءً على ظاهر التقييد، بينما رد آخرون عموم الآيات والنصوص النبوية مثل “المسلمون تتكافأ دماؤهم” لتأكيد المساواة العامة في القصاص من النفس بالنفس.

وعن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة 178) “يا أيها الذين منوا كُتب” فرض “عليكم القصاص” المماثلة “في القتلى” وصفا وفعلا “الحر” ولا يقتل بالعبد “والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى” وبيَّنت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا “فمن عفي له” من القاتلين “من” دم “أخيه” المقتول “شيء” بأن ترك القصاص منه، وتنكيرُ شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطُّف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر “فاتِّباع” أي فعل العافي إتباع للقاتل “بالمعروف” بأن يطالبه بالدية بلا عنف، وترتيب الإتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورجح “و” على القاتل “أداء” الدية “إليه” أي العافي وهو الوارث “بإحسان” بلا مطل ولا بخس “ذلك” الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية “تخفيف” تسهيل “من ربكم” عليكم “ورحمة” بكم حيث وسَّع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية “فمن اعتدى” ظلم القاتل بأن قتله “بعد ذلك” أي العفو “فله عذاب أليم” مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل.