
إيهاب مقبل
بعد خمس سنوات من الحياة والعمل في السويد، قرر الممرض والممارس التمريضي الأمريكي براندون واين كاغل (Brandon Wayne Cagle)، 44 عامًا، مغادرة البلاد والعودة إلى الولايات المتحدة، بعد تجربة يقول إنها كانت غنية ومليئة بالتحديات، لكنها انتهت أيضًا بشعور متزايد بأن الاستمرار في السويد لم يعد الخيار الأنسب له.
كاغل، الذي تلقى تعليمه التمريضي في الولايات المتحدة وحصل على درجة ماجستير العلوم في التمريض (MSN) من جامعة تكساس في أرلينغتون، عمل في السويد بعد استكمال متطلبات الترخيص وتعلم اللغة السويدية والتكيف مع نظام صحي وبيئة عمل مختلفين عن تلك التي عرفها في بلاده. كما ألّف دليلًا بعنوان كيف تصبح ممرضاً في السويد «Becoming a Nurse in Sweden»، يشرح فيه تجربته الشخصية وخطوات انتقال الممرضين المتعلمين خارج السويد إلى سوق العمل السويدي.
وفي منشور مهني حديث، وصف كاغل السنوات الخمس التي قضاها في السويد بأنها تجربة ساعدته على النمو واكتساب الثقة بالنفس، مشيرًا إلى أنه تعلم اللغة السويدية، وخاض إجراءات الحصول على الترخيص، وتكيف مع أسلوب جديد في العمل والحياة. لكنه قال في الوقت نفسه إن أوضاع المهاجرين أصبحت أكثر صعوبة، وإن الرواتب لم تعد تواكب تكاليف المعيشة بالنسبة إليه وإلى بعض العاملين المهاجرين في القطاع الصحي.
الأسرة.. والعودة إلى الوالدين
من بين الأسباب الشخصية التي يتحدث عنها كاغل في الفيديو الذي نشره عن مغادرته السويد، تأتي الأسرة في مقدمة العوامل التي أثرت في قراره. فوجود والدته في الولايات المتحدة والعيش بعيدًا عنها طوال سنوات كان أمرًا يشغل تفكيره، وجعله يعيد النظر في معنى الاستقرار الذي يبحث عنه.
وبالنسبة إليه، لم تكن الهجرة مجرد انتقال من بلد إلى آخر بحثًا عن فرصة مهنية، بل تجربة إنسانية كان عليه خلالها أن يوازن بين العمل والحياة الشخصية والعائلة. وبعد خمس سنوات في السويد، بدا له أن العودة إلى بلده قد تمنحه فرصة أكبر ليكون قريبًا من والدته وأسرته.
تجربة صحية غيّرت نظرته إلى النظام الطبي السويدي
ومن أكثر التجارب التي أثرت في موقفه من الحياة في السويد، بحسب روايته، تجربة صحية شخصية بدأت بعد علاج إحدى أسنانه. يقول كاغل إن المشكلة تطورت إلى التهاب كان يرى أنه ربما كان من الممكن تجنبه لو حصل على الرعاية الطبية في وقت أسرع.
وتجربته هنا لا تمثل، بطبيعة الحال، تقييمًا شاملًا للنظام الصحي السويدي، وإنما هي رواية شخصية لمريض وعامل في المجال الصحي وجد نفسه في موقف جعله يتساءل عن مدى سرعة الوصول إلى الرعاية عندما يحتاج إليها.
هذه المفارقة كانت لافتة في تجربته؛ فهو يعمل أصلًا في قطاع الرعاية الصحية، لكنه عندما احتاج إلى الرعاية بوصفه مريضًا، واجه، وفق روايته، صعوبة في الحصول على موعد في الوقت الذي كان يراه مناسبًا لحالته.
«عبد للإيجار».. العمل الذي لا يترك مساحة كافية للحياة
المحور الآخر في قرار الرحيل يتعلق بالعمل. فبعد سنوات من العمل في الرعاية الصحية، يقول كاغل إن تحقيق التوازن بين ساعات العمل والحياة الخاصة أصبح أمرًا صعبًا، وإن ضغط العمل جعله يشعر بأنه يعيش من أجل العمل بدلًا من أن يعمل من أجل أن يعيش.
ويستخدم في وصف هذه الحالة تعبيرًا شديدًا حين يشبه نفسه بـ«عبد للإيجار»، في إشارة إلى شعوره بأن الوقت والطاقة اللذين يستهلكهما العمل لا يتركان له مساحة كافية للحياة الشخصية.
ويقول إن هذا الضغط انعكس، بحسب تجربته الشخصية، على صحته، مشيرًا إلى معاناته من ارتفاع ضغط الدم وألم مستمر في الصدر. وهذه أعراض صحية يرويها في سياق تجربته الشخصية في السويد.
الراتب والشعور بعدم المساواة
الجانب الاقتصادي والمهني كان حاضرًا كذلك في انتقادات كاغل. فهو يتحدث عن شعوره بوجود تفاوت في الأجور والمعاملة بينه وبين العاملين السويديين، ويرى أن دخله لم يكن يسمح له بادخار ما يكفي بعد احتساب تكاليف المعيشة.
ويربط كاغل هذه التجربة أيضًا بوضع بعض المهاجرين في سوق العمل السويدي، معتبرًا أن هناك أعمالًا شاقة في القطاع الصحي لا تحظى بالإقبال نفسه من بعض السويديين، بينما يعتمد النظام بصورة كبيرة على العاملين القادمين من الخارج.
كما يتحدث عن شعوره بعدم الاستقلال الكامل في عمله، وهو شعور يراه جزءًا من تجربة المهاجر المهنية، حتى عندما يكون الشخص مؤهلًا ويتحدث اللغة المحلية ونجح في استيفاء المتطلبات اللازمة للعمل والإندماج.
الهجرة.. شعور دائم بأن الاستقرار قد لا يكون مضمونًا
ربما كان أكثر الأسباب إثارة للجدل في حديث كاغل هو شعوره بعدم الاستقرار نتيجة التحولات التي شهدتها سياسة الهجرة السويدية في السنوات الأخيرة.
فهو يرى أن المناخ السياسي أصبح أكثر تشددًا تجاه المهاجرين، وأن هذا التغير خلق لديه شعورًا بأن حياته التي بناها في السويد يمكن أن تصبح أكثر هشاشة في المستقبل. ويشير إلى أن تغيير السياسات والهجرة لا يحدث بسرعة، وأن آثار هذه التحولات قد تستمر لفترة طويلة.
وقد حاول بعض السويديين، بحسب روايته، طمأنته بأن السياسات الجديدة لا تستهدفه بصورة مباشرة، خصوصًا أنه أمريكي، ويتحدث السويدية، وعمل في المجتمع السويدي واندماج فيه. إلا أن كاغل لا يرى أن هذه الضمانات كافية تمامًا، ويستشهد في تفكيره بتجارب مهاجرين آخرين أكثر تأهيلًا منه في بعض الحالات، مثل الأطباء من خلفيات مهاجرة، ممن يقول إنهم ما زالوا يواجهون مظاهر من التمييز في الحياة العامة والمهنية.
«السويد ليست كما كانت بالنسبة لي»
قصة كاغل تطرح سؤالًا أوسع من مجرد قرار شخص واحد بمغادرة بلد أوروبي. فهي تعكس تجربة مهاجر جاء إلى السويد بحثًا عن فرصة مهنية وحياة جديدة، وتعلم اللغة، وحصل على الترخيص اللازم، وعمل في قطاع يحتاج إلى الكوادر الصحية، ثم وجد بعد خمس سنوات أن مجموعة من العوامل الشخصية والمهنية والصحية والاقتصادية والسياسية جعلته يفضل العودة إلى بلده.
ومن خلال حديثه، لا يبدو أن القرار نابع من سبب واحد. فالبعد عن الأسرة، وتجربته مع الرعاية الصحية، وضغط العمل، والقلق بشأن الدخل والتمييز، إضافة إلى شعوره بعدم اليقين تجاه مستقبل سياسات الهجرة، اجتمعت جميعها لتدفعه في النهاية إلى الرحيل.
وتبقى قصته، في النهاية، تجربة شخصية لمهاجر أمريكي وممرض ممارس عاش خمس سنوات في السويد، يقدم وجهة نظر من الداخل لشخص خاض بنفسه رحلة الهجرة والاندماج وتعلم اللغة والترخيص والعمل، قبل أن يصل إلى قناعة بأن العودة إلى الوطن هي الخيار الأفضل له.
وقد يكون أبرز ما في تجربة كاغل أن الهجرة لا تنتهي بالوصول إلى البلد الجديد والحصول على وظيفة؛ فالاستقرار الحقيقي، كما توحي قصته، يرتبط أيضًا بالأسرة والصحة والأمان الاقتصادي والشعور بالانتماء والثقة في المستقبل.
تجربة مهاجر لم تبدأ بالفشل.. لكنها انتهت بالرحيل
المفارقة في قصة براندون كاغل أن قراره مغادرة السويد لا يأتي بعد تجربة فاشلة بالكامل. على العكس، فهو يؤكد أن السنوات الخمس التي عاشها هناك منحته الكثير من الخبرات، وأن الانتقال إلى بلد جديد وتعلم لغته والحصول على الترخيص المهني والعمل في نظام صحي مختلف كانت تجربة ثرية ساعدته على تطوير نفسه.
كما أن تجربته دفعته إلى تأليف دليل «Becoming a Nurse in Sweden» المخصص للممرضين القادمين من خارج السويد، والذي يشرح فيه إجراءات الترخيص ومتطلبات اللغة والدراسة والتدريب والعمل والبحث عن وظيفة، إضافة إلى جوانب مرتبطة بالهجرة والاستقرار في البلاد.
في ختام حديثه.. لا ينصح حاليًا بالهجرة إلى السويد
وفي ختام حديثه عن تجربته، ذهب كاغل إلى أبعد من مجرد شرح أسباب مغادرته السويد، إذ قال إنه لا ينصح الأشخاص حاليًا بالهجرة إلى السويد، خصوصًا لمن يفكر في الانتقال إليها بهدف بناء مستقبل طويل الأمد، وذلك استنادًا إلى تجربته الشخصية وما لاحظه خلال السنوات التي عاشها وعملها هناك.
ويشير كاغل إلى أن موقفه لا يعني بالضرورة أن الأوضاع الحالية ستستمر إلى الأبد، أو أن السويد لن تغير سياساتها مستقبلًا. لكنه يرى أن تغيير السياسة لا يعني بالضرورة تغيير القوانين بصورة فورية، إذ إن الانتقال من التوجه السياسي الجديد إلى تشريعات وقوانين وإجراءات فعلية قد يستغرق وقتًا طويلًا.
وبحسب رؤيته، فإن تغير الحكومة أو تغير الاتجاه السياسي تجاه الهجرة قد يكون مجرد بداية لمسار طويل قبل أن تظهر آثاره بصورة ملموسة على القوانين والإجراءات المتعلقة بالمهاجرين. ولهذا يرى أن الشخص الذي يفكر في الهجرة لا ينبغي أن يبني قراره فقط على احتمال حدوث تغييرات مستقبلية، بل عليه أن ينظر بعناية إلى الوضع القانوني والسياسي والاقتصادي القائم وقت اتخاذ القرار.
ومن هنا جاءت رسالته الأخيرة لمن يفكرون في الهجرة إلى السويد: لا تتخذوا القرار اعتمادًا على الأمل بأن السياسات قد تتغير قريبًا، لأن تغيير القوانين قد يحتاج إلى وقت طويل حتى لو تغير الاتجاه السياسي نفسه.
وبالنسبة إلى كاغل، فإن هذه المخاوف، إلى جانب الأسرة والعمل والصحة والدخل وتجربته الشخصية مع الحياة في السويد، جعلته يصل في النهاية إلى قناعة بأن العودة إلى الولايات المتحدة هي الخيار الأفضل بالنسبة إليه.
وتظل قصة كاغل مثالًا على أن قرار الهجرة لا يتعلق فقط بالحصول على وظيفة أو تحسين الدخل؛ بل هو قرار طويل الأمد يتداخل فيه العمل والصحة والأسرة والاستقرار القانوني والشعور بالأمان والانتماء والثقة في المستقبل.
المرجع:
براندون واين كاغل، «لماذا أترك السويد بعد خمس سنوات؟ الحقيقة كاملة»، 23 أغسطس آب 2026.
انتهى





