LOGO

تفصح عن روح الأمة وحيويتها.

أم عرفان الجناني

إن هذا التواجد المليوني المكثف الذي غصّت به الساحات منذ ساعات الصباح الأولى، يعبّر عن عمق ارتباط اليمنيين بالرسول الأعظم، صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، وهو ارتباط يمثل امتدادًا تاريخيًا لموقف الأوس والخزرج الذين آووا ونصروا في صدر الإسلام.

ومن خلال هذا التداعي الفطري، أثبت الشعب اليمني أن الهوية الإيمانية هي الركيزة الصلبة التي تستند إليها إرادته، وأن التأسّي بالسيرة النبوية هو النهج المستمر لحياته وصموده في وجه التحديات.

ومن ميدان السبعين في قلب العاصمة صنعاء، إلى ساحات صعدة، والحديدة، وذمار، وإب، وحجة، وتعز، وعمران، والمحويت، وريمة، والبيضاء، والجوف، ومأرب، وبقية المحافظات، جاء الصدى واحدًا والنغم متجانسًا.

هذا التزامن والانتشار الجغرافي الواسع يعكس مستوى عاليًا من التلاحم الشعبي والتنسيق التنظيمي، ويؤكد أن أبناء اليمن يلتفون حول ثوابتهم الجامعة ومقدساتهم الإسلامية، رغم كل الظروف الاقتصادية والسياسية.

كما أن هذا الزخم الجماهيري يؤكد أن الشعب هو الرقم الأهم في المعادلة، ليبعث برسالة واضحة لكل المتابعين للشأن اليمني في الإقليم والعالم، مفادها أن هذا الشعب يمتلك حاضنة جماهيرية واسعة ووعيًا متجددًا يلتف حول قيادته ومبادئه.

ولعل أهم ما في الاحتشاد ربط المناسبة بقضايا الأمة الأكبر، وعلى رأسها القضية الفلسطينية؛ حيث ارتفعت الرايات وتعالت الهتافات المساندة لأبناء غزة والمنددة بالعدوان، لتؤكد الساحات اليمنية أن نصرة المستضعفين وقضايا الحق جزء لا يتجزأ من الاقتداء بصاحب الذكرى، صلى الله عليه وآله وسلم، وتأكيد وحدة الساحات التي أكدها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، وترسيخ معادلة الحصار بالحصار، وتحرير كامل التراب اليمني من الغزاة والمحتلين، والشدة في التعامل مع الكفار.

ويوضح التماسك البصري في رفع الأعلام الوطنية وأعلام الأنصار، عمق الفهم اليمني للمولد كـ«محطة تعبئة واستيعاب لمسؤوليات الأمة»، وليس مجرد طقس شكلي.

كما يظهر التلاحم الفئوي والعمري بصورة ملفتة، إذ تزاحمت أقدام الكبار والصغار والشباب، وأيضًا ساحات أخرى للنساء، مشكلين فسيفساء اجتماعية تبرز تماسك النسيج اليمني في أعتى الظروف، ترافقت مع حركة مجتمعية شاملة تمثلت في إحياء قيم التكافل الاجتماعي، وتفقد الفقراء والمحتاجين، وتزيين المدن بالزينة الخضراء والأضواء التي عكست البهجة والسكينة في صورة حضارية تؤكد أن التمسك بالقيم الإيمانية يترجم عمليًا في سلوك إنساني يسعى لبناء المجتمع وتقوية أواصر المحبة بين أبنائه.
أضف إلى ذلك ما ظهر من كفاءة واقتدار في التنظيم الأمني والخدمي والإعلامي الذي استطاع إدارة واستيعاب هذه المحيطات البشرية في آن واحد وبسلاسة تامة.

وبقدر ما كان الاحتشاد المليوني تجديدًا لعهد المحبة لرسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، كان إعلانًا صريحًا عن حيوية الشعب اليمني وقدرته الفائقة على تحويل المناسبات الدينية إلى محطات تجديد لبنائه الداخلي وصموده.

وفي المحصلة، يأتي المولد النبوي الشريف هذا العام في ظل تحولات إقليمية عميقة، ليؤكد اليمنيون من خلاله أن المناسبة بالنسبة إليهم احتفال بذكرى، ومحطة لتجديد الانتماء للرسول الأعظم، واستحضار مسؤولية الأمة تجاه قضاياها، والتمسك بالكرامة والاستقلال، وترسيخ موقف ثابت من فلسطين وقضايا المنطقة.
وهكذا تتكامل في المشهد اليمني ثلاثة أبعاد متلازمة: هوية إيمانية تستمد جذورها من الرسول الأعظم، ووعي سياسي يقرأ طبيعة الصراع، وموقف شعبي يرى في الثبات وسيلة لحماية الحقوق والسيادة.

ورسالة ذكرى المولد كما يراها اليمنيون: أن الاحتفال يعزز المعرفة بصاحب المناسبة، ويحوّل الإيمان برسالته إلى سلوك وموقف ومسؤولية تُصان بالوعي والثبات والعمل.

#كاتبات_الثورة_التحررية