IMG_5281

تُمثل حياة الباحثة والمستشرقة الفرنسية “ماري بيير والكمان
التي عُرفت لاحقاً باسم “مريم أبو الذهب”، جسراً استثنائياً يربط بين الصرامة الأكاديمية الغربية وبين العشق الروحي العميق لآل بيت النبوة (عليهم السلام). مريم كانت باحثة سياسية وعالمة اجتماع مختصة بشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بل وكانت إنسانة باحثة عن الحقيقة، قادتها دراساتها ومواقفها الإنسانية إلى اعتناق الإسلام، لتنتهي رحلتها الطويلة بوصية خالدة: أن تُدفن على طريق زوار الأربعين في العراق.

ولدت “ماري بيير جينيفيف والكمان” في السابع من فبراير عام 1952م في بلدة “أون-إيرجي” شمال فرنسا، ونشأت في كنف عائلة فرنسية كاثوليكية. ظهر شغفها المبكر بالشرق وحضاراته، مما دفعها للالتحاق بأعرق المؤسسات الأكاديمية الفرنسية. درست في معهد الدراسات السياسية بباريس (Sciences Po)، وتخرجت منه في عام 1972م، كما أكملت دراساتها في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO).

تميزت والكمان بعبقرية لغوية فذة، حيث أتقنت إلى جانب لغتها الأم (الفرنسية)، كلاً من العربية، والأردية، والفارسية، والبشتوية، والبنجابية. أكملت لاحقاً دراساتها العليا ونالت شهادة الدكتوراه بإشراف عالم الاجتماع الفرنسي البارز “جيل كيبيل”

بدأ اهتمام والكمان بالإسلام في سن مبكرة (الثامنة عشرة تقريباً) خلال دراستها للغة العربية وتعمقها في قراءة التاريخ الإسلامي. وخلال رحلاتها إلى الشرق الأوسط في السبعينيات وتواجدها في بيروت إبان اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975م، تعمّق فهمها للمظلومية والعدالة الاجتماعية

افتتنت بالثقافة الشيعية الغنية بالمعاني الروحية والبطولية، وأعلنت إسلامها رسمياً في المسجد الكبير بباريس عام 1975م، متخذةً من “مريم” اسماً لها

تزوجت بعد ذلك من الشاب المسلم السوري “ناظم أبو الذهب”، وانتقلت معه للعيش في دمشق لبعض الوقت، وعُرفت منذ ذلك الحين في الأوساط الأكاديمية باسم “مريم أبو الذهب”

عَملت مريم أستاذةً في معهد الدراسات السياسية
وفي المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس، بالإضافة لكونها باحثة في مركز البحوث الدولية في فرنسا.

تركزت أبحاثها بشكل أساسي على أفغانستان وباكستان، وتحديداً دراسة الديناميكيات الاجتماعية والسياسية، وطبيعة العلاقات السنية – الشيعية في تلك المناطق.

لم تكن مريم حبيسة المكاتب الأكاديمية؛ ففي عام 1982م، وإبان الغزو السوفياتي لأفغانستان، تطوعت كعاملة إغاثة مع إحدى المنظمات غير الحكومية الفرنسية وعاشت بين المجتمع البشتوني، حيث انصبت جهودها على تقييم الآثار الاجتماعية والاقتصادية للصراع

ألّفت العديد من الكتب والأبحاث المعمقة، كان من أبرزها كتاب “الشبكات الإسلامية: الاتصال الأفغاني الباكستاني” بالاشتراك مع الباحث أوليفييه روا عام 2002

وتم نشر معظم أبحاثها المعمقة في السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياتها، لتصبح مرجعاً عالمياً في شؤون الإسلام في جنوب آسيا

توطدت علاقة الدكتورة مريم بالعراق، وتحديداً بمدينة النجف الأشرف. زارت المدينة عدة مرات تلبية لدعوات من مؤسسات حوارية وثقافية، والتقَت فيها بعدد من مراجع الدين والشخصيات الأكاديمية والمدنية.
لم تقتصر زياراتها على الجانب الروحي، بل ساهمت علمياً من خلال “مشروع كرسي اليونسكو” في جامعة الكوفة. وألقت العديد من المحاضرات في كليات الآداب، والتربية الأساسية، والقانون والسياسة في الجامعة، فضلاً عن نشاطها البارز في مؤسسات المجتمع المدني مثل مؤسسة اليتيم الخيرية، والمكتبة الأدبية، ومؤسسة المرأة العراقية في النجف.

قبل وفاتها، جسدت الدكتورة مريم أبو الذهب مبادئها في وصية قانونية وروحية مؤثرة:

أوصت بتخصيص 20% من تركتها لدعم طلبة الدراسات العليا الفقراء القادمين من باكستان للدراسة في باريس، وخصصت 40% من أموالها لمساعدة النساء الباكستانيات ضحايا العنف، ووضعت الـ 40% المتبقية تحت تصرف دعم الفقراء من ذوي الاحتياجات الخاصة.

أوصت بأن لا تُدفن في مسقط رأسها بفرنسا، بل أن يُنقل جثمانها إلى العراق ليُوارى الثرى على طريق زوار الإمام الحسين (عليه السلام) (طريق كربلاء – النجف).

طلبت أن يتم تصوير مراسم تشييعها ودفنها في فيلم وثائقي، ليُعرض على طلابها وزملائها في جامعات فرنسا، ليكون بمثابة درس أخير ورسالة بليغة عن الوجهة التي اختارتها في نهاية رحلة بحثها عن الحقيقة

توفيت الدكتورة مريم أبو الذهب في الأول من نوفمبر عام 2017م في الدائرة الخامسة عشرة بالعاصمة الفرنسية باريس، عن عمر ناهز 65 عاماً.
وتنفيذاً لوصيتها، نُقل جثمانها إلى العراق، حيث شُيعت ودفنت بإجلال في إحدى الحسينيات المقامة على طريق الزائرين المشاية (طريق يا حسين)، وتحديداً عند العمود رقم (172)، لتكون شاهدة على مسيرة إنسانة فرنسية مستبصرة، اختارت أن تغفو للأبد تحت أقدام زوار أبي الأحرار (عليه السلام).

إن سيرة الدكتورة “ماري بيير والكمان” (مريم أبو الذهب) قصة انتصار الروح وصدق الانتماء. لقد ترفعت عن مناصبها الأكاديمية الباريسية، واختارت أن تصرف ثروتها للمهمشين والضعفاء، وأن يكون مرقدها محطة من محطات العشق الحسيني، لتكتب بذلك خاتمة تليق بتاريخها المشرف.

#أسعد_صباح_البديري