
“سنة الجراد” في العراق.. من الدمار الشامل إلى موائد العراقيين
شهد العراق في تاريخه الحديث عدة موجات قاسية من غزو الجراد، كانت أشدها وأكثرها تدميراً تلك التي حدثت في أواخر العشرينيات (وتحديداً بين عامي 1927 و1930) وموجات أخرى في الأربعينيات والخمسينيات. رسخت هذه الكارثة في الذاكرة الشعبية العراقية لدرجة أن العراقيين أطلقوا عليها اسم “سنة الجراد”، وأصبحوا يؤرخون بها الأحداث (مثل قولهم: “فلان انولد بسنة الجراد”). كانت هذه الأسراب تمثل رعباً حقيقياً للمجتمع العراقي الذي كان يعتمد بنسبة ساحقة على الزراعة.
لم يكن الجراد الذي غزا العراق يتكاثر محلياً في البداية، بل هو من نوع “الجراد الصحراوي”
كانت الأسراب تتشكل أساساً في صحاري شبه الجزيرة العربية (الربع الخالي، نجد، والحجاز) وفي بعض مناطق شرق أفريقيا.
عندما تهطل أمطار غزيرة غير معتادة في تلك الصحاري، تتبعها فترات جفاف، تتكاثر حشرات الجراد بشكل انفجاري. وبسبب نقص الغذاء في الصحراء، تتحول الحشرة من الطور “الانفرادي” إلى الطور “التجمعي”
كانت الرياح الموسمية وتيارات الهواء تحمل هذه الأسراب المليونية بمسارات منتظمة نحو الشمال والشمال الشرقي، لتدخل العراق من حدوده الجنوبية والغربية (عبر البادية، البصرة، الأنبار، والنجف)، متجهة نحو السهول الخصبة في وسط وجنوب وشمال العراق.
سحابات الموت.. كيف دمر الجراد كل شيء؟
كان المشهد مروعاً ويشبه أفلام نهاية العالم، وقد وثقت التقارير التاريخية والبريطانية (إبان الانتداب) حجم هذا الدمار:
كانت الأسراب ضخمة جداً لدرجة أنها كانت تحجب ضوء الشمس في وضح النهار، وتُحدث طنيناً مرعباً يشبه هدير محركات الطائرات.
الجرادة الواحدة قادرة على أكل ما يعادل وزنها يومياً. عندما كانت السرب يحط على بستان أو حقل، كان يمسحه تماماً في غضون ساعات. التهم الجراد حقول القمح والشعير، وعرّى أشجار النخيل والفاكهة من سعفها وأوراقها، بل وصل الأمر إلى أكل لحاء الأشجار والأبواب الخشبية القديمة.
أدى هذا الدمار إلى إتلاف المواسم الزراعية بالكامل، مما تسبب في ارتفاع جنوني لأسعار الحبوب، ودخول البلاد في حالة شبه مجاعة، وخسارة الفلاحين لمصادر رزقهم الوحيدة.
أمام الجوع وانعدام الحيلة لمكافحة هذه المليارات من الحشرات، لجأ العراقيون إلى استراتيجية البقاء: “إذا لم تستطع هزيمتهم، التهمهم”. تحول الجراد من كارثة زراعية إلى مصدر بروتين مجاني، وازدهرت تجارة بيعه في الأسواق الشعبية
طريقة الصيد كان الأهالي ينتظرون ساعات الفجر الأولى؛ حيث يكون الندى قد تجمّع على أجنحة الجراد، مما يجعله ثقيلاً وغير قادر على الطيران. فيخرج الرجال والنساء والأطفال محملين بالأكياس (الگواني) لجمع الجراد العالق على الشجيرات والأرض بكميات هائلة.
كيف كانوا يطبخونه ويأكلونه؟
السلق: تُغلى قدور كبيرة من الماء المضاف إليه كميات كبيرة من الملح. يُسكب الجراد الحي في الماء المغلي ليموت فوراً ويُطبخ.
التجفيف: بعد السلق، يُنشر الجراد على أسطح المنازل أو الحُصران (البواري) تحت أشعة الشمس الحارقة لعدة أيام حتى يجف تماماً.
التحميص (التگلاه): يُحمص الجراد المجفف في المقالي (الطاوات) ليصبح مقرمشاً.
طريقة الأكل: كان العراقيون يزيلون الرأس، والأجنحة، والأرجل الخلفية الشوكية، ويأكلون الجسم المليء بالبروتين. كان طعمه يُوصف بأنه قريب من طعم الجمبري (الروبيان) أو المكسرات المحمصة. وكان يُباع في الأسواق كمسليات (كرزات) بأسعار زهيدة.
لم يختفِ الجراد في يوم وليلة، بل انتهت الأزمة عبر تضافر عدة عوامل بشرية وطبيعية:
الحملات الحكومية (مكافحة الدبى):
أخطر مراحل الجراد لم تكن الطور الطائر فقط، بل وضع البيض في التربة العراقية، والذي يفقس ليخرج الجراد الزاحف الذي لا يطير، ويُسمى محلياً “الدبى”. شكّلت الحكومة العراقية (بمساعدة السلطات البريطانية آنذاك) لجان مكافحة استنفرت الفلاحين والجيش والشرطة.
كانت الطريقة المتبعة هي حفر خنادق عميقة وطويلة أمام زحف “الدبى”، وعندما تقع فيها ملايين الحشرات، تُطمر بالتراب أو تُحرق، وتم تشريع قوانين تجبر كل رجل قادر على المشاركة في المكافحة.
في مراحل لاحقة (الثلاثينيات والأربعينيات)، بدأت الحكومة تستخدم “الطُعم السام”. كانوا يخلطون نخالة القمح بمواد كيميائية سامة (مثل زرنيخيت الصوديوم) وينثرونها في الحقول التي يتجه إليها الجراد الزاحف. لاحقاً تم استخدام الطائرات لرش المبيدات.
الجراد حشرة موسمية لا تعيش طويلاً. دخول فصل الشتاء القارس في العراق أدى إلى تجميد وقتل كميات هائلة من البيوض المتبقية في التربة. كما أن تغير اتجاهات الرياح دفع الأسراب المتبقية نحو مناطق جبلية أو صحراوية أخرى خارج العراق حيث تفرقت وضعفت.
كانت ازمة الجراد اختباراً حقيقياً لصلابة الإنسان العراقي وقدرته على التكيف مع قسوة الطبيعة. فمن رحم الجوع والخراب، استطاع المجتمع أن يحول الآفة التي كادت أن تقضي عليه إلى وجبة غذائية سدّت رمق الكثيرين، لتطوى صفحة “سنة الجراد” وتبقى قصة تُروى للأجيال عن زمنِ أكلت فيه السماء زرع الأرض، فأكل الناس ما تساقط من السماء.
#أسعد_صباح_البديري




