
السانية العشائرية في جنوب العراق: مآسي “النهوة” و”الفصلية” وصرخة عبادي العماري بوجه التقاليد
تُمثل “السانية العشائرية” في موروث جنوب العراق الاجتماعي شبكة معقدة من القوانين العرفية غير المكتوبة (والتي دُوّنت لاحقاً في بعض الفترات) صاغتها العشائر عبر القرون لسد الفراغ الناجم عن غياب سلطة الدولة المدنية. وفي حين شكلت بعض السنائن صمام أمان لحفظ السلم الأهلي وحقن الدماء، إلا أن أجزاءً منها تضمنت أحكاماً جائرة وقعت ضحيتها المرأة العراقية في الريف والبادية، وتحولت بموجبها من إنسانة كاملة الأهلية إلى أداة للمقايضة أو التعويض، وتحديداً من خلال ممارستي “النهوة” و**”الفصلية”**.
وفقاً لـ السانية العشائرية، تُعرف “النهوة” بأنها حق مطلق يُمنح لابن العم (أو الأقارب من العصبة الأولى) في منع ابنة عمه من الزواج من شخص أجنبي (غريب عن العشيرة)، حتى وإن كان هذا الغريب كفئاً ومقتدراً، وحتى لو لم يكن ابن العم راغباً في الزواج منها أصلاً.
تضرب النهوة جذورها في مفاهيم خاطئة عن “الحمية” و”الغيرة” القبيلية، حيث يُنظر إلى زواج الفتاة من خارج عشيرتها في بعض البيئات المغلقة وكأنه إهانة لرجال العشيرة أو اعتراف ضمني بنقص كفاءتهم. كذلك، ثمة دافع مادي يرتبط بالسانية الزراعية، وهو الخوف من خروج الإرث أو الأراضي والمواشي إلى قبيلة أخرى عبر الزواج.
تذكر السير الشعبية في مدن الفرات الأوسط والجنوب (مثل ذي قار وميسان والديوانية) قصصاً مأساوية عن فتيات قضين نحبهن كـ “معلقات”؛ فالفتاة المنهي عليها لا تجرؤ أي عائلة أخرى على التقدم لخطبتها خوفاً من اندلاع نزاع مسلح (“دكة عشائرية”). وفي إحدى القصص الموثقة في ريف جنوب العراق، قام شاب بالنهوة على ابنة عمه لمجرد الخلاف مع والدها على ملكية بئر ماء. سافر الشاب وتزوج في العاصمة، وبقت الفتاة حبيسة جدران الطين حتى بلغت الخمسين من عمرها، ولم ترَ من الدنيا سوى الحرمان، وحين ماتت، أُطلق عليها في السلف “ضحية السانية”.
إذا كانت النهوة تجميداً لرحلة الفتاة في الحياة، فإن “الفصلية” هي الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة على جسد ونفس المرأة. الفصلية هي الفتاة التي يتم تقديمها من عشيرة القاتل إلى عشيرة المقتول كجزء من التعويض أو الدية الجسدية المكملة للمال، والهدف منها هو “خلط الدماء” برابط مصاهرة يُفترض -حسب السانية- أن ينهي الثأر.
تُساق الفتاة الفصلية إلى مضارب العشيرة الأخرى في ظروف بائسة جداً؛ إذ تحرمها السانية من أي مظاهر فرح. تُزف بلا مهر، بلا جهاز (نيشان)، وبلا احتفال (لا حنة، لا دفوف، ولا زفة)، بل تُسلم خلسة كأنها أسيرة حرب. وفي بيت أهل المقتول، تعيش الفصلية تحت وطأة اضطهاد مركب؛ فهي في نظرهم “ابنة القتلة” وجاءت بديلة عن ابنهم الراحل. تتحمل الإهانات اليومية، والأعمال الشاقة، وإذا أنجبت أطفالاً، يُعايرون بأنهم “أولاد الفصلية”.
وسط صمت المجتمع وخوف الكثيرين من انتقاد السنائن العشائرية، خرج المطرب الريفي العراقي الكبير عبادي العماري (ابن ميسان والأهوار) ليقود ثورة وجدانية فريدة بصوته الشجي الحاد الذي يئن بوجع الجنوب. عبادي كان مصلحاً وموثقاً للمأساة من خلال توظيف “الحسجة والطور المحمداوي” لخداع الحذر العشائري واختراق الضمائر.
استطاع عبادي العماري أن يصنع أغنيته الشهيرة والخالدة (الفصلية)، والتي كتب كلماتها بجرأة وعمق لتصف الكارثة الإنسانية بدقة ومصداقية تامة، وجاءت مواجهته عبر محاور عدة:
توثيق “زفة الموت” بالكلمات:
في أغنيته، يصف عبادي المشهد الحزين لـ “الفصلية” حين تدخل السلف، فيقول محتجاً على غياب المظاهر الإنسانية:
جابوها دفع للدار.. لا ديرم ولا حنة ولا صفگة!
ولا دف اليحن بالسلف.. لا هلهول لا ملگى!”
هذه الكلمات عرت العرف العشائري؛ فالزواج الذي يُفترض أن يكون فرحاً تحول إلى جنازة صامتة تدفع ثمنها فتاة بريئة.
استفزاز الشيم والضمير الإنساني للرجل الجنوبي:
طرح عبادي تساؤلاً أخلاقياً زلزل أركان الدواوين العشائرية عندما غنى بلسان الشاهد المذهول:
العماري هنا يستفز صفة “الحمية والمروءة” التي يتفاخر بها أبناء الجنوب؛ متسائلاً: كيف ترضون لامرأة ضعيفة وجارة لكم أن تُعامل بلا حنان أو رحمة؟
لم يتردد عبادي في صب غضبه على التقاليد وعلى الأهل الذين فرطوا ببناتهم تحت ضغط السانية،
وصفُ عبادي لتزويج الفتاة لرجل غير كفؤ أو ظالم بأنه “إحراق للغصن الأخضر الغض بنيران الحقد والجهل” كان بمثابة صفعة قوية لمفهوم السانية الجائرة.
أحدثت أغنية “الفصلية” لعبادي العماري هزة ثقافية؛ فالأغنية سُمعت في الدواوين والمضايف، وبكى بسببها الشيوخ والرجال والنساء. نجح عبادي في نزع غطاء “الشرف والواجب العشائري” عن النهوة والفصلية، وأظهرهما على حقيقتهما: ظلم صريح وممارسة مشينة لا تمت للدين أو المروءة بصلة. أسست هذه الأغنية لوعي شعبي رافض، وتناقلتها الأجيال كبيان إدانة تاريخي ضد السنائن الظالمة.
غير أن ما تركه لنا في “فصليّة” من ثورةٍ عجزتْ عنها مؤسساتٌ كبيرةٌ لم يمتْ. آثارُ “فصليّة” في النفوسِ تخطّتْ ما عملتْ عليه مؤسساتٌ رصينةٌ وكبيرةٌ وعتيدةٌ، لم تفلحْ كما فلحتَ أنتَ في إضحاكِ الناسِ على أنفسهم وهم يمتهنون كرامةَ الأنثى، لا لشيءٍ إلا لأنها أنثى. لم يعدْ الناسُ، بعد سماعهم لنشيدكَ الشخصيّ في “فصليّة”، يجرؤون على أن يساوموا نزقَهم بإناثٍ تُزفُّ إلى غرباءَ موتورين، لا يرون فيهنَّ إلا دماءَ أهلهم القتلى، فيتفنّنون في الانتقامِ المتخيّل بعد أن عجزوا عن إدراكِ ثأرهم في سوحِ القتالِ الأعمى، فيضاجعونهنَّ وفي مخيّلتهم صورةٌ واحدةٌ لخناجرَ تنغرزُ في قلوبِ أعدائهم. تُزفُّ الفصلياتُ بامتهانٍ بلا ديرم ولا حمرة ولا صفگة. منعتَهم يا أبو سعيدة من أن يتمادوا في غيّهم بعد أن عجزَ الدينُ بثقله، والإعلامُ بوسائله، والسياسةُ بممكنها، عن مجاراتك في ثورتكَ. فسجلتَ ريادتكَ بامتيازٍ وحبّبتَ الخلقَ الطاعنين في المظلوميّةِ فيكَ لأنّك انحزتَ لحقّ الأنثى في الحياة، حقّ لم يلتفتْ له مطربٌ غيرُكَ.
كأنّكَ قلتَ كلَّ شيءٍ في “فصليّة” فأُترعتْ روحُكَ بإحساسٍ أن مهمتكَ في الدنيا قد اكتملتْ، لترحلَ بعدها عام 1989، وقد سُجّل اسمُكَ مع الثوارِ، على الرغمِ من سطوعِه في سجلاتٍ أخرى جميلةٍ كثيرةٍ.
على الرغم من الثورة التي قادها عبادي، إلا أن بعض العشائر أبت ذلك؛ بدافع تعصبٍ قبلي غريب.”
ففي احدى القرى الريفية في جنوب العراق اندلع نزاع عشائري مسلح وعنيف بين عشيرتين كبيرتين. استُخدمت في النزاع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وأسفرت المواجهات عن سقوط عدد من القتلى والجرحى من الطرفين، وتسببت بشلل كامل للحياة في تلك القرى.
وعندما عجزت القوات الأمنية حينها عن احتواء الموقف بشكل فوري، لجأ وجهاء القوم وعقلاء العشيرتين إلى تفعيل “السانية” لإنهاء النزاع وحقن الدماء. فكان القرار الذي صدم الشارع العراقي.
عدد النساء اللواتي أُعطين كـ “فصلية”51 امرأة عراقيّة قُدّمن كـ “ديّة بشرية” خلال أيام معدودة
المرعب في هذه الحادثة، بحسب شهادات الناشطين والحقوقيين الذين تابعوا القضية، أن هؤلاء النساء والفتيات لم يكنَّ مجرد أرقام، بل وراء كل واحدة منهن قصة حزينة كُتبت بالإكراه:
قاصرات وتلميذات مدارس: كشفت التقارير أن عدداً كبيراً من الـ 51 امرأة كنَّ فتيات قاصرات (دون السن القانوني)، وبعضهنَّ طالبات في المدارس المتوسطة والإعدادية أُجبرن على ترك مقاعد الدراسة فوراً لتقديمهن كقرابين للصلح.
بعض النساء المتزوجات أو المخطوبات جرى الضغط على عوائلهن لفسخ خطوبتهن أو اتخاذ إجراءات تعسفية لملء “الحصّة العددية” المطلوبة من النساء لإرضاء العشيرة المقابلة.
سِيق الـ 40 فتاة في الحادثة الأولى إلى مضارب العشيرة الأخرى بلا أدنى حقوق إنسانية؛ لا مهور، لا عقود محكمة رسمية في بداية الأمر، وبمعاملة تفتقر للحنو، ليعشن في بيوت “أخصام الأمس” كخادمات يتحملن ذنب دمٍ لم يسفكنه.
كانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر القبول المجتمعي لهذه العادة. فبعد انتشار الخبر، تحركت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بشكل حازم، وأصدرت فتاوى واضحة وصارمة تُحرم “الفصلية” وتعتبرها عملاً خارجاً عن الإسلام وشكلاً من أشكال استعباد البشر والاتجار بهم.
كما تحركت المحاكم العراقية واعتبرت مجلس القضاء الأعلى أن أي زواج يقع تحت طائلة الإكراه العشائري (النهوة أو الفصلية) هو جريمة يُعاقب عليها القانون وفق قانون الأحوال الشخصية وقانون مكافحة الإرهاب (باعتبار التهديد العشائري نوعاً من الإرهاب).
وبالرغم من أن هذه الحادثة مثّلت ذروة الألم الإنساني لنساء جنوب العراق، إلا أنها كانت البداية الحقيقية لانحسار هذا العرف بشكل شبه كامل في السنوات التي تلتها، وتحول نظرة المجتمع لها من “عرف لحقن الدم” إلى “فعل مشين ومرفوض” يستوجب العقاب المدني والعشائري.
تعد “السانية العشائرية” جزءاً من الأنثروبولوجيا العراقية التي حملت وجوهاً متعددة، لكن وجهها المظلم المتمثل بالنهوة والفصلية بدأ يتلاشى تدريجياً بفضل التطور التعليمي، وصدور قانون الأحوال الشخصية العراقي (الذي جرم النهوة وجعل عقوبتها السجن)، وفتاوى المرجعية الدينية الصارمة التي حرمت الفصلية واعتبرتها نوعاً من استعباد البشر المتنافي مع الشريعة الإسلامية. وسيبقى صوت عبادي العماري وثيقة فنية وإنسانية كبرى برهنت على أن الفن الحقيقي قادر على تفكيك أعتى السنائن والأعراف الظالمة.
#أسعد_صباح_البديري



