LOGO

صباح البغدادي

يوم الخميس الموافق بتاريخ 27 أب 2026 شهدت ولاية فرجينيا الأمريكية مدينة ماكلين ومركز تسوقها الأشهر تايسونز غاليريا (Tysons Galleria) وهو مركز تجاري راقي وفخم يرتكز على العلامات التجارية الفاخرة وخيارات الطعام الراقية ظهوراً لافتاً لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، السيد مسعود بارزاني مع بعض أفراد عائلته وطاقم الحماية الخاصة به وفي مشهد أثار لنا تساؤلات حول طبيعة الزيارة وأهدافها، خصوصاً أنها لم تُعلن من أي جهة رسمية في أربيل أو واشنطن وقد تسنى لنا قرصة إن نتحدث مع احد الاشخاص المرافقين حيث اتضح ان الزيارة غير المعلنة تحمل طابعاً سرياً واستشفائيا ، وأن وجوده في العاصمة الأمريكية في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن التطورات السياسية المتسارعة في العراق والمنطقة.

صحيح إن كثير من القادة السياسيين يزورون واشنطن أو فيرجينيا بشكل غير رسمي لأسباب صحية، عائلية، أو اجتماعية دون إعلان حكومي. وجوده في مركز تجاري ضخم في منطقة ماكلين القريبة من العاصمة واشنطن يتناسب مع زيارة خاصة أكثر من زيارة رسمية معلنة واشنطن تُعرف بأنها مدينة اللقاءات غير المعلنة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقادة لديهم ملفات حساسة يريدون مناقشتها بعيدا عن الأضواء الإعلامية وعدسات الكاميرة الصحفيين مع أدارة البيت الأبيض والمعروف إن منطقة تايسونز وماكلين قريبة من أفضل المستشفيات والمراكز الطبية الشهيرة وقد تكون الزيارة لغرض العلاج والاستشفاء ولكنها حتما سوف تحمل أبعاد استراتيجية وسياسية ومناقشات وجلسات حوارية خلف الأبواب المغلقة مع بعض قادة الكونغرس الذين يديرون ملف العراق والشرق الأوسط وبالتحديد أيران ولأن هذا المجمع يقع في قلب منطقة واشنطن الكبرى (DMV)، ويُعد من أكثر الأماكن العامة التي يرتادها المسؤولون والزوار الأجانب خلال زيارات غير رسمية واختيار هذا الموقع ليس عشوائياً، بل له دلالات مهمة:

(*) كثير من القادة يختارون هذا المجمع لأنه يوفر بيئة عامة دون ضوضاء إعلامية.

(*) قريب جداً من واشنطن العاصمة (15 دقيقة بالسيارة).

(*) قريب من مقرات شركات استشارية وأمنية ودبلوماسية تتعامل مع ملفات الشرق الأوسط .

(*) منطقة ماكلين تضم منازل وقصور ومكاتب لشخصيات سياسية أمريكية بارزة في الكونغرس وإدارة البيت الابيض.

(*) مكاتب استشارية لمؤسسات ضغط سياسي (لوبيات) تتعامل مع الشأن العراقي والكردي.

(*) تضم مدينة ماكلين (McLean) والمناطق المحيطة بها في شمال ولاية فرجينيا الأمريكية، نخبة من أفضل المراكز الطبية والمستشفيات الحائزة على تصنيفات وطنية عالية ونظراً لأن مدينة ماكلين نفسها تركز بشكل أكبر على المراكز الطبية المتخصصة والعيادات الشاملة وجراحات اليوم الواحد، فإن المستشفيات الكبرى المجهزة بأسرة التنويم الكاملة تقع على بعد دقائق قليلة في المدن الملاصقة لها (مثل فالس تشيرش وأرلينغتون).

ولكن ما تم ملاحظته من قبلنا فلم يكن هناك أي طابع رسمي على تحركات بارزاني داخل المجمع. لا وفود سياسية، ولا كاميرات إعلامية، ولا ترتيبات بروتوكولية. مجرد حماية خاصة ترافقه، وأذأ حللنا بصفتنا الصحفية والإعلامية هذا النمط من الظهور يتكرر عادة عندما يقوم القادة السياسيون بزيارات : “عائلية أو طبية تتخللها اجتماعات سياسية غير معلنة أو تكون من خلال لقاءات خلف الكواليس مع مسؤولين أمريكيين أو حتى مشاورات حساسة لا ترغب الأطراف في كشفها للرأي العام “.

وبالنظر إلى وزن بارزاني السياسي، فإن ظهوره في واشنطن لا يمكن اعتباره مجرد زيارة شخصية، خصوصاً في ظل الظروف الحالية.ونستطيع إن نحلل الملفات المحتملة التي يناقشها بارزاني في واشنطن

1) دعم حكومة علي الزيدي وتثبيت التوازن السياسي في بغداد

واشنطن تتحرك بقوة في ملف الميليشيات ونزع السلاح، وتعتبر بارزاني أحد أهم ركائز الاستقرار في العراق. أي زيارة له في هذا التوقيت قد ترتبط بتنسيق مباشر حول مستقبل الحكومة العراقية الجديدة.

2) ملف النفط والغاز والمادة 140

هذه الملفات لا تُحسم في بغداد وحدها، بل تحتاج دعماً أمريكياً واضحاً. وجود بارزاني في واشنطن قد يشير إلى محادثات حول إعادة ترتيب العلاقة بين أربيل وبغداد.

3) الملف السوري وقوات قسد

بارزاني يُعد وسيطاً أساسياً في هذا الملف، وواشنطن تعتمد عليه في التهدئة بين الأطراف المتصارعة.

4) الاستثمارات الأمريكية في إقليم كردستان

منطقة ماكلين تضم شركات اقتصادية وأمنية لها مصالح مباشرة في الإقليم. الزيارة قد تحمل جانباً اقتصادياً يتعلق بجذب الاستثمارات أو توقيع تفاهمات جديدة.

5) ترتيبات أمنية إقليمية

مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واشنطن تسعى لتثبيت حلفائها التقليديين، وبارزاني أحدهم.وظهور مسعود بارزاني في واشنطن، في هذا التوقيت بالذات، وفي هذا المكان تحديداً، وبشكل غير رسمي، يشير إلى أن الزيارة تحمل طابعاً مركباً:

  • شخصي – عائلي في الشكل
  • سياسي – استراتيجي في الجوهر

واشنطن لا تستقبل قادة بهذا الوزن دون وجود ملفات حساسة على الطاولة، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها العراق والمنطقة. وحتى لو لم تُعلن الزيارة رسمياً، فإن مجرد وجود بارزاني في ماكلين يكفي ليؤكد أن هناك شيئاً يُناقش خلف الكواليس.

ما نريد إن نوضحه اكثر للرأي العام ومن خلال قراءة المعاني والدلالات والأهداف لزيارة السيد مسعود بارزاني السرية إلى واشنطن فانها حتما بالنسبة لنا لن تكون وليست حدثاً عابراً، بل مؤشر على مرحلة سياسية جديدة تتشكل في العراق، وعلى دور متجدد لزعيم كردي لطالما كان جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي. وحتى تتضح تفاصيل الزيارة، يبقى ظهور بارزاني في Tysons Corner علامة على أن واشنطن تتحرك، وأن أربيل جزء أساسي من هذا التحرك.

ورغم أن ظهور مسعود البرزاني في واشنطن جاء بلا إعلان رسمي، وبلا بروتوكول حكومي، فإن طبيعة الحدث وتوقيته ومكانه تشير إلى أن الزيارة تحمل أكثر من وجه واحد. فحضور زعيم بهذا الوزن في العاصمة الأمريكية، حتى لو بدا في ظاهره ذا طابع عائلي أو شخصي، لا يمكن فصله عن شبكة الملفات المعقدة التي تتحرك في الشرق الأوسط، ولا عن الدور الذي يلعبه البرزاني في معادلات العراق والإقليم.

صحيح أن تقدّم البرزاني في العمر يفتح احتمالاً واقعياً بأن تكون الزيارة مرتبطة بـ فحوصات طبية عاجلة أو متابعة صحية، وهو أمر شائع بين القادة الذين يفضلون إجراء فحوصاتهم في مراكز أمريكية متقدمة. لكن هذا الاحتمال، مهما كان وجيهاً، لا يلغي أن وجوده في واشنطن يمنح صانعي القرار الأمريكي فرصة نادرة للقاء أحد أهم الفاعلين في المشهد العراقي والكردي والإقليمي.

ففي هذا التوقيت تحديداً، تتزاحم على طاولة واشنطن ملفات حساسة لا يمكن تجاهلها:

  • الحرب المحتملة مع إيران وما قد يترتب عليها من إعادة رسم خرائط النفوذ في العراق وسوريا.
  • تداعيات يوم الانسحاب الأمريكي المقرر في 30 أيلول، وما يحمله من فراغات أمنية وسياسية تحتاج إلى ترتيبات دقيقة.
  • إشكالية سلاح الفصائل الولائية، وهو ملف لا يمكن حسمه دون تفاهمات مع القوى المؤثرة في العراق، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني.
  • العلاقة المعقدة بين الحكومة السورية والأكراد، حيث يلعب البرزاني دوراً محورياً في التوازن بين قسد ودمشق، وهو ملف يشغل لجان الكونغرس المعنية بالشرق الأوسط.

هذه القضايا، بطبيعتها، لا تُناقش في العلن، ولا تُطرح أمام الإعلام، بل تُدار في غرف مغلقة، حيث يجتمع أعضاء الكونغرس والمسؤولون عن ملف الشرق الأوسط مع الشخصيات التي تمتلك مفاتيح التأثير على الأرض. والبرزاني، بصفته أحد أكثر الزعماء قدرة على قراءة المشهد العراقي والإقليمي، يمثل بالنسبة لواشنطن مصدراً مهماً للمعلومات والتقديرات، وشريكاً أساسياً في صياغة التوصيات التي تُرفع لاحقاً إلى الإدارة الأمريكية. لذلك، فإن الزيارة – مهما بدا ظاهرها بسيطاً – تحمل في جوهرها رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المجاملات أو الفحوصات الطبية. إنها زيارة في الظل، تُناقش فيها ملفات لا تُعلن، وتُصاغ خلالها رؤى لا تُكتب، وتُتخذ على ضوئها إجراءات قد تُغيّر شكل المرحلة المقبلة في العراق والمنطقة.وبينما تبقى التفاصيل خلف الأبواب المغلقة، فإن ظهور البرزاني في واشنطن يظل مؤشراً على أن شيئاً ما يتحرك… وأن العاصمة الأمريكية تستعد لمرحلة جديدة، تحتاج فيها إلى الاستماع جيداً لمن يعرف تضاريس الشرق الأوسط كما يعرفها مسعود البرزاني.

ولعل المفارقة بالنسبة لنا بأن هذا السبق الصحفي لم يأتِ من كاميرا إعلامية أو مصدر رسمي، بل من شاهد عراقي معارض اختار احترام خصوصية الرجل وعائلته، وفضّل الصمت على الصخب، واستيقافه وتوجيه الأسئلة أليه ولكنه حمل معه صورة نادرة لزيارة تجري في الظل، وتُناقش فيها ملفات لا تُعلن، وتُصاغ خلالها رؤى قد تُغيّر شكل المرحلة المقبلة في العراق والمنطقة.وهكذا، تحوّلت صدفة عابرة في مجمع تجاري إلى نافذة استقصائية تكشف أن واشنطن تتحرك… وأن أربيل جزء من هذا التحرك… وأن ما يجري خلف الستار قد يكون أهم بكثير مما يظهر أمامه.