1-8

إيهاب مقبل

ماذا يحدث عندما تخرج دولة من حرب طويلة وقد تغيّر موقعها في ميزان القوى، فتجد نفسها أمام واقع جديد وأعباء اقتصادية وسياسية واستراتيجية لا تستطيع تجاهلها، وتبدأ في البحث عن وسيلة لإعادة صياغة موقعها الإقليمي؟ يقدم التاريخ نماذج عديدة لقادة واجهوا مثل هذه اللحظات، فلم يكتفوا بالتكيف مع الواقع الذي فرضته الحرب، بل حاولوا إعادة ترتيب محيطهم الإقليمي بما ينسجم مع مصالح دولهم وطموحاتها. ومن بين أكثر المقارنات إثارة للاهتمام المقارنة بين تجربة كارل يوهان برنادوت (1763–1844) في السويد خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتجربة صدام حسين (1937–2006) في العراق بعد الحرب العراقية الإيرانية.

الفارق الزمني بين الرجلين هائل، وكذلك الفارق بين النظامين الدوليين اللذين تحركا فيهما. كان كارل يوهان قائدًا عسكريًا فرنسيًا أصبح وليًا لعهد السويد ثم ملكًا عليها، في عصر كانت أوروبا تعيش فيه اضطرابات كبرى بفعل الحروب النابليونية، وكانت الدول والحدود والتحالفات تتغير باستمرار تحت تأثير الحروب والصراعات بين القوى الكبرى. أما صدام حسين، فقد حكم العراق في مرحلة مختلفة تمامًا، ضمن نظام دولي حديث يقوم رسميًا على سيادة الدول ووحدة أراضيها، وفي منطقة عربية ذات أهمية استراتيجية بالغة، ولا سيما منطقة الخليج الغنية بالنفط، التي تحتل موقعًا حساسًا في حسابات القوى الدولية الكبرى.

ومع ذلك، فإن التشابه الذي تستحقه المقارنة لا يتعلق بشخصيتي الرجلين أو بطبيعة نظاميهما السياسيين، بل بالظروف التي أحاطت بقراراتهما. فكلاهما واجه مرحلة أعادت الحرب خلالها تشكيل حسابات دولته، وكلاهما وجد نفسه أمام واقع إقليمي جديد فرض عليه إعادة النظر في موقع بلاده ومصالحها. وفي كلتا الحالتين برزت فكرة إعادة ترتيب البيئة المحيطة باعتبارها وسيلة لاستعادة المبادرة وتعزيز موقع الدولة، وإن اختلفت الدوافع والوسائل والنتائج اختلافًا جوهريًا.

السويد تفقد فنلندا أمام روسيا
في عام 1809 خسرت السويد فنلندا لصالح الإمبراطورية الروسية بعد الحرب الفنلندية. وكانت الخسارة أكبر من مجرد فقدان إقليم، إذ كانت فنلندا مرتبطة بالمملكة السويدية منذ نحو ستة قرون، في سياق الحملات والتوسع السويدي شرق بحر البلطيق، وكانت تمثل عمقًا استراتيجيًا مهمًا للسويد في مواجهة روسيا. وبخسارتها، أصبحت الحدود الروسية أقرب إلى قلب السويد، وتراجع النفوذ السويدي بصورة واضحة في منطقة البلطيق وشمال أوروبا.

كان من الطبيعي أن تظهر داخل السويد رغبة في استعادة ما فُقد، لكن استعادة فنلندا بالقوة كانت تعني مواجهة روسيا، وهي قوة كبرى يصعب على السويد خوض حرب جديدة معها دون مخاطر هائلة. وفي هذه المرحلة المضطربة ظهر جان بابتيست برنادوت، المارشال الفرنسي السابق الذي اختير وليًا لعهد السويد، وأصبح لاحقًا الملك كارل الرابع عشر يوهان.

لم يكن صعود برنادوت إلى العرش السويدي مجرد انتقال شخصي من جيش نابليون إلى العائلة المالكة السويدية، بل جاء في لحظة كانت فيها السويد بحاجة إلى إعادة صياغة سياستها الخارجية. وكان أحد أهم التحولات في هذه السياسة التخلي عمليًا عن فكرة أن استعادة فنلندا هي الطريق الوحيد لاستعادة مكانة السويد.

بدلًا من محاولة استعادة الإقليم الذي خسرته السويد من روسيا، بدأ التفكير في الحصول على تعويض جيوسياسي في اتجاه آخر.

النرويج كتعويض استراتيجي
كانت النرويج في ذلك الوقت مرتبطة بالدنمارك، وقد أصبحت قضية مستقبلها جزءًا من الصراع الأوروبي الأوسع الذي أفرزته الحروب النابليونية. ومع تغير موازين القوى في أوروبا، حصلت السويد على فرصة لإعادة ترتيب موقعها في شبه الجزيرة الإسكندنافية، خصوصًا بعد أن أصبحت الدنمارك، حليفة نابليون، في الجانب الخاسر من الصراع.

في صيف عام 1814 غزت القوات السويدية النرويج في حملة عسكرية، رغم المقاومة النرويجية، وانتهت الحرب القصيرة بتسوية سياسية أفضت إلى قيام اتحاد بين البلدين. احتفظت النرويج بدستورها ومؤسساتها السياسية الداخلية إلى حد كبير، لكنها أصبحت في اتحاد شخصي مع السويد، إذ تولى ملك السويد أيضًا عرش النرويج.

لم يكن الغزو السويدي للنرويج مجرد حرب للسيطرة على أرض جديدة أو الحصول على موارد إضافية، وإنما جاء في سياق أوسع لإعادة بناء موقع السويد بعد خسارة فنلندا. فقد أدرك كارل يوهان أن استعادة فنلندا من روسيا بالقوة ستكون مغامرة شديدة الخطورة، ولذلك اتجه إلى تعزيز موقع السويد في شمال أوروبا من خلال النرويج. وبموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وسواحلها الطويلة على بحر الشمال والمحيط الأطلسي، وموانئها المهمة، كانت النرويج تمثل مكسبًا جيوسياسيًا يمكن أن يعزز مكانة السويد ويعيد لها جزءًا من الوزن الذي فقدته في أعقاب خسارة فنلندا.

وبهذا المعنى يمكن النظر إلى سياسة كارل يوهان باعتبارها محاولة لتحويل الخسارة إلى مكسب جديد. فقد فقدت السويد فنلندا، لكنها لم تتجه إلى حرب مباشرة مع روسيا لاستعادتها، بل سعت إلى بناء وضع استراتيجي جديد في الجهة الأخرى من شبه الجزيرة الإسكندنافية. ومن هنا جاءت النرويج، ليس باعتبارها نسخة من فنلندا أو تعويضًا مطابقًا لها، وإنما باعتبارها ورقة جيوسياسية ساعدت السويد على إعادة تثبيت موقعها في شمال أوروبا.

العراق بعد ثماني سنوات من الحرب
بعد أكثر من قرن ونصف، واجه العراق وضعًا مختلفًا تمامًا لكنه يحمل بعض أوجه التشابه في مرحلة ما بعد الحرب. ففي عام 1988 انتهت الحرب العراقية الإيرانية بعد ثماني سنوات من القتال، وهي حرب استنزفت قدرات العراق البشرية والاقتصادية والعسكرية بصورة هائلة.

خرج العراق من الحرب بجيش كبير وبتجربة عسكرية واسعة، لكنه خرج أيضًا بديون ضخمة وحاجة إلى إعادة إعمار واسعة، بينما كانت إيرادات النفط تمثل المورد الأساسي لاقتصاده. وكانت القيادة العراقية تنظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة تحمل العراق عبئها دفاعًا عن أمن الخليج، ولذلك رأت أن دولًا خليجية، وفي مقدمتها الكويت، استفادت من تلك الحرب دون أن تتحمل تكاليفها.

في هذه البيئة تصاعد الخلاف بين بغداد والكويت. ظهرت قضايا الديون، وإنتاج النفط، والأسعار، والحدود، وحقل الرميلة، وغيرها من الملفات التي أصبحت جزءًا من التوتر المتزايد بين البلدين. ومع تفاقم الأزمة، انتقل الخطاب العراقي من المطالبات السياسية والاقتصادية إلى التهديد باستخدام القوة.

ثم جاء القرار الذي غيّر تاريخ العراق والمنطقة، ففي 2 أغسطس آب 1990، غزت القوات العراقية الكويت، في خطوة سرعان ما حوّلت الأزمة العراقية الكويتية إلى مواجهة دولية كبرى.

هل كان غزو الكويت محاولة لتعويض خسائر الحرب؟
من الخطأ اختزال قرار صدام حسين في العامل الاقتصادي وحده. فغزو الكويت لم يكن مشروعًا ماليًا بسيطًا للحصول على أموال أو نفط، بل كان قرارًا مركبًا تداخلت فيه الحسابات الاقتصادية مع اعتبارات الأمن الإقليمي، وطموح العراق إلى لعب دور القوة العربية الأكبر، والنزاع على الحدود، والخلافات النفطية، وحسابات القيادة العراقية بشأن رد الفعل الدولي.

لكن الوضع الاقتصادي الذي خلفته الحرب العراقية الإيرانية كان عنصرًا مهمًا في المشهد. فالعراق كان بحاجة إلى موارد ضخمة، وكان انخفاض أسعار النفط يضغط على اقتصاده، وكانت الديون تمثل عبئًا ثقيلًا، بينما كانت القيادة العراقية تريد الحفاظ على حجم الدولة والجيش والنفوذ الذي خرجت به من الحرب.

ومن هنا بدا أن القيادة العراقية تراهن على أن السيطرة على الكويت يمكن أن تغيّر المعادلة الاقتصادية والاستراتيجية للعراق دفعة واحدة. فالكويت تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، فضلًا عن موقعها الاستراتيجي في الخليج، وكان من شأن السيطرة عليها أن تمنح العراق موارد نفطية أكبر، وتوسّع ساحله على الخليج، وتعزز موقعه الاقتصادي والجغرافي في المنطقة. وبذلك لم تعد الكويت في الحسابات العراقية مجرد قضية خلافية مع دولة مجاورة، بل أصبحت جزءًا من تصور أوسع لإعادة تشكيل موقع العراق في الخليج وموازين القوة فيه.

وهنا يصبح التشابه مع كارل يوهان أكثر وضوحًا، ولكن ضمن حدود معينة. فكلاهما واجه دولة خرجت من حرب كبرى وهي تبحث عن طريقة لإعادة بناء موقعها، وكلاهما نظر إلى دولة مجاورة باعتبارها جزءًا من الحل الجديد. غير أن دوافع السيطرة على النرويج في حالة كارل يوهان كانت جيوسياسية بالدرجة الأولى، بينما كان العامل الاقتصادي أكثر حضورًا في الحسابات العراقية قبل غزو الكويت.

التشابه في طريقة التفكير لا في الظروف
المقارنة بين الرجلين تصبح أكثر فائدة عندما لا تبحث عن تطابق بين الأحداث، وإنما عن نمط في التفكير السياسي. فالدولة التي تخرج من حرب كبرى وهي أمام ميزان قوى جديد، سواء خرجت منها بخسارة إقليمية واضحة كما حدث مع السويد، أو خرجت بقوة عسكرية كبيرة لكنها مثقلة بأعباء اقتصادية هائلة كما حدث مع العراق، تجد نفسها أمام خيارين، إما التكيف مع الواقع الجديد وإعادة بناء موقعها في إطاره، أو محاولة تغيير هذا الواقع من خلال تحقيق مكاسب جديدة في محيطها الإقليمي.

كارل يوهان اختار تغيير المعادلة السويدية من خلال النرويج بدل محاولة استعادة فنلندا من روسيا. وقد كان هذا الخيار، في سياق أوروبا آنذاك، ممكنًا بسبب طبيعة النظام الدولي والحروب النابليونية والتحالفات المتغيرة.

أما صدام حسين فقد حاول تغيير المعادلة العراقية عبر الكويت. لكنه تحرك في عالم مختلف تمامًا، وكان عليه أن يأخذ في الحسبان وجود واشنطن كقوة عظمى، ووجود نظام دولي أكثر رسوخًا، والأهمية الاستراتيجية للخليج بالنسبة للقوى الغربية الكبرى.

وهنا يكمن أحد أكبر الفروق بين التجربتين: كارل يوهان تحرك داخل نظام دولي كانت فيه الحروب بين الدول وإعادة رسم الحدود أمرًا شائعًا، بينما تحرك صدام في نظام أصبحت فيه محاولة ضم دولة ذات سيادة بالقوة عملًا من شأنه أن يستدعي ردًا دوليًا واسعًا.

كارل يوهان ربح الحرب.. لكنه لم يربح النرويج إلى الأبد
من السهل النظر إلى حرب عام 1814 باعتبارها نجاحًا سويديًا كاملًا، فقد تمكن كارل يوهان من فرض هدفه السياسي والعسكري وإدخال النرويج قسريًا في اتحاد مع السويد بعد مقاومة نرويجية قصيرة. لكن التاريخ اللاحق يفرض قدرًا من التحفظ على هذا الانتصار. فقد استمر الاتحاد نحو 91 عامًا، إلا أنه لم يتحول إلى اندماج دائم بين البلدين، وظلت النرويج تحتفظ بدستورها ومؤسساتها السياسية وبقدر كبير من استقلالها الداخلي.

ومع مرور العقود، أخذت الهوية الوطنية والثقافة السياسية والاجتماعية النرويجية تزداد رسوخًا، وبرزت خلافات متنامية حول طبيعة الاتحاد وتقاسم الصلاحيات، ولا سيما في ما يتعلق بالسياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي. ومع تصاعد النزعة القومية النرويجية وتراكم الخلافات، وصلت الأزمة إلى ذروتها عام 1905، حين انتهى الاتحاد وأصبحت النرويج دولة مستقلة عن السويد. وبذلك انتهى، بعد نحو تسعة عقود، الترتيب السياسي الذي كان كارل يوهان قد نجح في إقامته بعد خسارة السويد لفنلندا.

وهنا تظهر مفارقة مهمة في تجربة كارل يوهان، فقد نجح في تحويل هزيمة السويد أمام روسيا وخسارتها لفنلندا إلى مكسب استراتيجي تمثل في السيطرة على النرويج، واستطاع هذا الترتيب أن يصمد قرابة قرن، لكنه لم يتحول إلى وحدة سياسية دائمة. فقد أثبتت التجربة أن السيطرة العسكرية وفرض ترتيب سياسي جديد يمكن أن يحققا مكسبًا سريعًا، لكن الحفاظ عليه على المدى الطويل يحتاج إلى قبول سياسي واجتماعي يتجاوز مجرد تفوق القوة.

بعد قرن من الحرب والانفصال: السويد والنرويج جاران متنافسان
قد يبدو أن حرب 1814 والانفصال عام 1905 كانا كفيلين بترك عداوة تاريخية عميقة بين السويد والنرويج، لكن العلاقات اللاحقة بين البلدين اتخذت مسارًا مختلفًا. فقد تحولت الدولتان تدريجيًا إلى جارين متقاربين، تربطهما علاقات اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة، ولم تتحول ذكرى الحرب والاتحاد والانفصال إلى صراع دائم بينهما.

ومع ذلك، لم تختفِ آثار الماضي تمامًا من الذاكرة النرويجية، ولا تزال أحداث 1814 حاضرة في التعليم والتاريخ الوطني النرويجي باعتبارها مرحلة حاسمة شهدت الحرب مع السويد وفرض الاتحاد عليها بعد المقاومة العسكرية. كما أن المنافسة بين البلدين لا تقتصر على الكتب والتاريخ، بل تظهر بصورة أوضح في الرياضة والحياة اليومية، وقد تصل في بعض المناسبات إلى مشاحنات شعبية أو حوادث محدودة، مثل تعرض بعض السيارات السويدية في النرويج للرشق بالحجارة أو تكسير زجاجها، وإن كانت مثل هذه الحوادث استثنائية ولا تعكس طبيعة العلاقات العامة بين الشعبين.

وتبقى المنافسة أكثر وضوحًا في الرياضة والاقتصاد. وتمتلك النرويج ميزة واضحة في موارد الطاقة والثروة السمكية، إلى جانب ثروتها النفطية والغازية، بينما تتميز السويد بقاعدة صناعية قوية وقطاعات متقدمة في التكنولوجيا والهندسة والصناعات التحويلية. كما تختلف الدولتان في بعض خياراتهما السياسية وفي تصور كل منهما لدوره الإقليمي وعلاقته بالمؤسسات الأوروبية والدولية، وهو ما يجعل العلاقة بينهما مزيجًا من التعاون والمنافسة أكثر من كونها علاقة تطابق كامل.

ومع ذلك، فإن هذه المنافسة لم تمنع البلدين من بناء روابط عميقة تجاوزت إرث الحرب. فقد أثبتت التجربة أن النزاع العسكري بين دولتين لا يعني بالضرورة أن العداء سيستمر بين الشعبين إلى الأبد، وأن مرور الزمن وتغير المصالح وبناء العلاقات الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن يحوّل جيران الأمس المتحاربين إلى شركاء يتنافسون في بعض المجالات ويتعاونون في مجالات أخرى.

العراق والكويت: عندما أصبح ثمن التوسع أكبر من المكسب
أما التجربة العراقية فكانت مختلفة جذريًا في نتائجها. فقد أدى غزو الكويت في 2 أغسطس آب 1990 إلى استدعاء قوة عسكرية دولية ضخمة، وانتهى الأمر بحرب الخليج عام 1991 وإجبار القوات العراقية على الانسحاب من الكويت. ولم يتوقف الثمن عند الهزيمة العسكرية، بل دخل العراق بعدها مرحلة طويلة من العقوبات الدولية والعزلة السياسية والضغوط الاقتصادية، واستمرت حالة المواجهة مع المجتمع الدولي لأكثر من عقد. وفي عام 2003 انتهى هذا المسار بالغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين واحتلال البلاد.

وهكذا تحولت محاولة العراق إعادة صياغة موقعه الإقليمي من خلال القوة إلى سلسلة من التطورات التي أضعفت الدولة العراقية بصورة متزايدة، بدل أن تمنحها الموقع الإقليمي الذي كانت القيادة العراقية تسعى إلى تحقيقه.

وهنا يظهر الدرس الأهم في المقارنة بين كارل يوهان وصدام حسين. فالتوسع الإقليمي قد يبدو، على الورق، وسيلة سريعة لتعويض خسارة سابقة أو معالجة أزمة استراتيجية واقتصادية، لكن نجاحه لا يتحدد بقوة الجيش وحدها. فالقوة العسكرية قد تتيح للدولة تحقيق مكسب سريع، لكنها لا تضمن القدرة على تثبيته أو تحويله إلى واقع سياسي دائم. ويتوقف ذلك أيضًا على طبيعة النظام الدولي، وعلى قدرة الدولة المستهدفة على حشد الدعم الخارجي، وعلى حجم المصالح التي يهددها التوسع ومقدار استعداد القوى الكبرى للتدخل لمنعه.

استطاع كارل يوهان أن يستفيد من الظروف الدولية التي كانت قائمة في أوروبا عام 1814، حيث كانت الحروب النابليونية قد أعادت رسم الحدود والتحالفات، وكانت تسويات ما بعد الحرب تتيح للقوى المنتصرة فرض ترتيبات إقليمية جديدة. أما صدام حسين فقد واجه بعد غزو الكويت عام 1990 نظامًا دوليًا مختلفًا جذريًا، تكون فيه سيادة الدول واحترام حدودها من المبادئ الأساسية، وتتمتع منطقة الخليج بأهمية استراتيجية واقتصادية هائلة بالنسبة إلى القوى الغربية الكبرى. ولذلك فإن تغيير حدود دولة بالقوة ليس أمرًا يستطيع المجتمع الدولي قبوله كأمر واقع.

وهنا تكمن إحدى أكبر المفارقات في التجربتين، كارل يوهان استخدم القوة في لحظة سمحت له البيئة الدولية بتحويل انتصاره العسكري إلى ترتيب سياسي استمر عقودًا، بينما استخدم صدام حسين القوة في بيئة دولية جعلت الحفاظ على مكسبه شبه مستحيل منذ اللحظة الأولى.

من فنلندا إلى الكويت.. درس في خطورة «التعويض»
تكشف المقارنة في النهاية عن مفارقة تاريخية مثيرة. السويد خسرت فنلندا، لكنها لم تحاول استعادتها بأي ثمن من روسيا؛ وبدلًا من ذلك بحثت عن صيغة أخرى تعيد لها جزءًا من وزنها الإقليمي، فكانت النرويج هي محور تلك الصيغة.

أما العراق، فقد خرج من حربه مع إيران وهو يحمل أعباء اقتصادية واستراتيجية هائلة، ثم اتجه إلى الكويت باعتبارها جزءًا من حل الأزمة وإعادة تشكيل ميزان القوة.

لكن التاريخ أثبت أن محاولة تعويض خسارة بحسابات التوسع قد تكون سلاحًا ذا حدين. فقد تنجح إذا كانت البيئة الدولية تسمح بها، وإذا كانت الدولة قادرة على إدارة نتائجها السياسية، وقد تتحول إلى كارثة إذا أدت إلى استنفار قوى أكبر من قدرة الدولة على مواجهتها.

لهذا لا تكمن أهمية المقارنة بين كارل يوهان وصدام حسين في القول فقط إن أحدهما كان نسخة من الآخر، وإنما في الكشف عن سؤال يتكرر في تاريخ الدول: هل تستطيع دولة خرجت من حرب منهكة أن تستعيد قوتها من خلال تغيير حدود جيرانها، أم أن القوة الحقيقية تبدأ من القدرة على التعامل مع الخسارة وإعادة بناء الدولة من الداخل؟

في عام 1814، بدا الاتحاد مع النرويج انتصارًا سويديًا كبيرًا بعد خسارة فنلندا، ومكسبًا استراتيجيًا أعاد للسويد جزءًا من موقعها في شمال أوروبا. لكن بعد نحو تسعة عقود، انتهى الاتحاد، وبقيت السويد والنرويج جارين متقاربين، تجمعهما روابط اقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة، إلى جانب تنافس رياضي واقتصادي واختلافات في بعض الخيارات السياسية.

وفي عام 1990، بدا احتلال الكويت، في حسابات القيادة العراقية، طريقًا للخروج من الأزمة وتعزيز موقع العراق الإقليمي والاقتصادي. لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا؛ إذ تحوّل الاحتلال إلى حرب دولية، أعقبتها عقوبات قاسية وعزلة سياسية وضغوط اقتصادية طويلة، ثم تراجع متدرج في قدرة الدولة العراقية على المناورة والحفاظ على موقعها الإقليمي.

وبين التجربتين تظهر خلاصة ربما تكون أهم من كل أوجه التشابه: ليس كل انتصار عسكري مكسبًا استراتيجيًا، وليس كل خسارة إقليمية هزيمة دائمة؛ فالاختبار الحقيقي للدولة يبدأ عندما تنتهي الحرب وتبدأ مرحلة حساب نتائجها، وتحديد ما إذا كانت القوة التي استُخدمت قد صنعت مكسبًا مستدامًا أم فتحت الطريق أمام خسائر أكبر.

انتهى