سبتمبر 6, 2026
0-1

جيمي أوكيسون، زعيم حزب ديمقراطيي السويد الشعبوي، خلال زيارة إلى إسرائيل عام 2024.

إيهاب مقبل

قبل أقل من عقدين، كان من الصعب تخيل أن حزب ديمقراطيي السويد الشعبوي (SD) سيصبح أحد أكثر الأحزاب تأثيرًا في السياسة السويدية. كان الحزب، الذي تأسس عام 1988، يعيش على هامش الحياة السياسية، ويحمل إرثًا تاريخيًا مرتبطًا بالقومية المتطرفة واليمين الراديكالي، فيما كانت الأحزاب السويدية التقليدية تتعامل معه باعتباره قوة سياسية غير قابلة للدخول إلى دائرة الحكم أو التأثير الحقيقي في صناعة القرار. لكن الصورة تغيرت بصورة جذرية. فقد أصبح SD اليوم ثاني أكبر حزب في البرلمان السويدي من حيث عدد المقاعد، وانتقل من موقع الاحتجاج على النظام السياسي إلى موقع يستطيع فيه التأثير في السياسات الحكومية، خصوصًا في ملفات الهجرة والجريمة والاندماج.

هذا الصعود ليس مجرد قصة نجاح انتخابي. فهو يعكس تحولًا في طبيعة النقاش السياسي السويدي نفسه. فقد نجح الحزب على مدى سنوات في نقل الهجرة من قضية سياسية واحدة بين قضايا كثيرة إلى عدسة يُنظر من خلالها إلى مجموعة واسعة من مشكلات المجتمع السويدي: الجريمة، والبطالة، والعزل الاجتماعي، والضغط على الخدمات العامة، والثقافة، والتعليم، واللغة، والمواطنة، وحتى شكل الأسرة ومكانة الدين في المجال العام.

لكن التحول الأهم لم يكن فقط في اتساع مساحة قضية الهجرة، وإنما في تغير صورة المهاجر داخل الخطاب السياسي. ففي البداية كان الحديث عن «المهاجر» بوصفه شخصًا قادمًا من الخارج وقد يحتاج إلى الاندماج في المجتمع السويدي. ثم أصبح التركيز بصورة متزايدة على المهاجر القادم من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى العربي بصورة عامة والمسلم تحديدًا، وعلى الدين والثقافة واللغة والعادات التي يُفترض أنه يحملها معه. وهكذا انتقل النقاش من سؤال «من يدخل السويد؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: من يستطيع أن يصبح سويديًا، وبأي شروط؟

ومن هنا يبدأ هذا التحقيق: من المهاجر إلى المسلم، ومن سياسة الهجرة إلى سياسة الهوية، ومن الخوف من أعداد القادمين إلى الخوف من التغير الثقافي والديموغرافي.

الهجرة ليست مجرد سياسة بالنسبة إلى SD
من الخطأ اختزال موقف ديمقراطيي السويد من الهجرة في عبارة «الحزب يكره المهاجرين». هذه العبارة، رغم قدرتها على التعبير عن شعور كثير من منتقدي الحزب، لا تكفي لفهم المشروع السياسي الذي بناه SD على مدى عقود. فالهجرة بالنسبة للحزب ليست ملفًا منفصلًا عن بقية تصوراته، وإنما تقع في قلب مفهومه للأمة والمجتمع والدولة.

منذ نشأته، جعل الحزب تقليص الهجرة والحفاظ على ما يعتبره «الهوية السويدية» من القضايا المركزية. ومع تطور الحزب، أعيدت صياغة بعض اللغة القديمة الأكثر تطرفًا، لكن فكرة أن الدولة القومية تحتاج إلى مستوى مرتفع من التجانس الثقافي ظلت حاضرة بقوة. ولذلك يربط الحزب بين الهجرة وبين اللغة والثقافة والمواطنة والرفاه والأمن والتماسك الاجتماعي.

هذا التصور يفسر أيضًا لماذا لا يتعامل SD مع الاندماج باعتباره عملية ذات اتجاهين، أي عملية يتغير فيها المجتمع والمهاجر معًا، وإنما يميل إلى التأكيد على ضرورة أن يتكيف القادم الجديد مع المجتمع السويدي وقواعده وثقافته ولغته. ومن هذا المنظور تصبح اللغة السويدية أكثر من وسيلة للتواصل، تصبح أداة للانتماء. وتصبح المواطنة أكثر من وضع قانوني، تصبح تعبيرًا عن قبول منظومة معينة من القيم. وتصبح الثقافة السويدية معيارًا يمكن من خلاله قياس درجة اندماج الفرد.

وهنا تحديدًا يبدأ الخلاف الحقيقي بين SD وخصومه. فالسؤال ليس فقط ما إذا كانت الدولة تحتاج إلى ضبط الهجرة، وإنما ما مقدار التعددية الثقافية التي يمكن للمجتمع السويدي أن يحتملها قبل أن يعتبرها الحزب تهديدًا لهويته؟

الهجرة أصبحت مدخلًا لتفسير مشكلات المجتمع
أحد أسباب نجاح خطاب SD هو أنه قدم تفسيرًا بسيطًا لمجموعة من المشكلات المعقدة. فالسويد، مثل بقية الدول الأوروبية، تواجه تحديات حقيقية تتعلق بالجريمة المنظمة، وعدم المساواة، والبطالة، والعزل الاجتماعي، ومشكلات بعض الأحياء الفقيرة، والاندماج، والضغط على بعض الخدمات العامة. ولا يمكن إنكار وجود علاقة بين بعض هذه المشكلات والهجرة أو سوء سياسات الاندماج. لكن العلاقة ليست خطية، ولا يمكن تفسير كل جريمة أو كل مشكلة اقتصادية بالهجرة.

مع ذلك، استطاع SD بناء سردية سياسية واضحة، فكلما ارتفعت الهجرة، ازدادت صعوبة الحفاظ على التماسك الاجتماعي؛ وكلما تراجعت الهجرة وأصبحت شروط الاندماج أكثر صرامة، أصبح من الأسهل حماية الدولة والمجتمع.

هذه السردية تمنح الناخب تفسيرًا سهلًا لمشكلات تحتاج في الحقيقة إلى مجموعة واسعة من التفسيرات والحلول. فالجريمة المنظمة، مثلًا، لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تتداخل فيها ظروف اجتماعية واقتصادية، وتنظيم الجريمة، وتوزيع السكان، والتعليم، وسوق العمل، وسياسات الشرطة والقضاء. وكذلك البطالة لا يمكن تفسيرها بجنسية العامل أو كونه مهاجرًا، بل ترتبط بالتعليم والمهارات وبنية الاقتصاد والتمييز وسوق العمل.

لكن السياسة الانتخابية تميل إلى الرسائل الواضحة. وهنا وجد SD في الهجرة قضية يمكن من خلالها ربط عدد كبير من المخاوف الاجتماعية في قصة واحدة.

النجاح الانتخابي غيّر السياسة السويدية
لم يعد SD حزبًا احتجاجيًا يصرخ من خارج المؤسسات. اتفاق تيدو الذي شكل الإطار السياسي للحكومة السويدية منذ 2022 منح الحزب نفوذًا أكبر على السياسة العامة، خصوصًا في ملفات الهجرة والجريمة والاندماج.

وهنا تظهر إحدى أكبر المفارقات في قصة الحزب. فالقوة السياسية لـSD لم تعد تعتمد فقط على عدد الناخبين الذين يصوتون له. لقد أصبح قادرًا على التأثير في أجندة أحزاب أخرى أيضًا. فقد أصبحت الهجرة والجريمة والاندماج من القضايا التي لا يستطيع أي حزب سويدي كبير تجاهلها، حتى الأحزاب التي تختلف جذريًا مع SD في رؤيتها للمجتمع.

وهذا يعني أن نجاح الحزب لا يقاس فقط بالمقاعد التي حصل عليها في البرلمان، بل بقدرته على تغيير ما يعتبره المجتمع السويدي موضوعًا مشروعًا للنقاش السياسي، وما يعتبره مشكلة تحتاج إلى حل.

وهذه نقطة أساسية في فهم صعود اليمين الشعبوي في أوروبا عمومًا، فقد لا يحتاج الحزب إلى الفوز بأغلبية مطلقة حتى ينجح في تغيير السياسة. يكفي أحيانًا أن يجعل بقية الأحزاب تتبنى جزءًا من مفرداته أو تستجيب للقضايا التي وضعها في مركز النقاش.

لكن متى أصبح المهاجر «مسلمًا»؟
هنا نصل إلى التحول الأكثر أهمية. إذا كان الخطاب الأول يقول إن الهجرة تهدد الدولة القومية، فإن الخطاب اللاحق بدأ يسأل عن طبيعة المهاجرين القادمين، وأصولهم، وثقافتهم ودينهم. ومع ارتفاع أعداد القادمين من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أصبح هناك تداخل متزايد بين صورة «المهاجر» وصورة «المسلم».

بل حتى العرب المسيحيين يعدّهم الحزب نفسه متأثرين بالثقافة الإسلامية أو عناصر غير مرغوب فيها، بناءً على عقيدته الأيديولوجية القائمة على «الجوهر الثقافي الموروث».

لكن هذا التداخل ليس مجرد نتيجة إحصائية. فلقد عملت شخصيات سياسية وإعلامية داخل البيئة اليمينية الأوروبية على تقديم الإسلام باعتباره أكثر من دين خاص. ظهر مفهوم «الأسلمة»، وأصبح يُستخدم لوصف ما اعتبره هؤلاء تغيرًا ثقافيًا وديموغرافيًا في أوروبا. وفي هذا الخطاب لم تعد القضية مجرد وصول أشخاص من الخارج، بل انتقال منظومة دينية وثقافية يُنظر إليها باعتبارها منافسة للقيم الأوروبية.

وهنا تغير معنى الاندماج نفسه. فإذا كان المهاجر الأوكراني غير المسلم ربما يستطيع أن يندمج عبر تعلم اللغة والعمل والمشاركة الاجتماعية (رغم أنّ الأوكرانيين يعانون فعلياً أيضاً في السويد من آثار المشكلة ذاتها)، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بمسلم يحتفظ بعناصر واضحة من هويته الدينية. عندها يصبح الحجاب، والمسجد، والمدرسة الإسلامية، واللغة العربية، والعادات الأسرية، والطعام الحلال، وحتى عدد الأطفال داخل الأسرة، موضوعات يمكن أن تدخل في النقاش السياسي حول «الاندماج».

وهنا لا يعود المهاجر مجرد إنسان جاء من بلد آخر. بل يصبح حاملًا لهوية يعتبرها الخطاب القومي منافسة للهوية الوطنية.

لماذا العرب والمسلمون تحديدًا؟
هذا السؤال يجب أن يكون في قلب أي تحليل جاد لخطاب SD بدون مساومة أو مهادنة. فالسويد استقبلت مهاجرين من مناطق مختلفة من العالم، لكن التركيز السياسي لم يكن متساويًا على جميع المجموعات. وفي الخطاب اليميني الشعبوي أصبح المهاجر القادم من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر حضورًا من غيره، وغالبًا ما جرى ربطه بالإسلام.

هناك أولًا عامل ديموغرافي واضح. فقد جاءت موجات كبيرة من طالبي اللجوء والمهاجرين من دول مثل العراق وسوريا وأفغانستان والصومال وغيرها، وهي دول ذات غالبية مسلمة. ومع تراكم هذه الهجرة، أصبح المهاجر المسلم أكثر ظهورًا في المجتمع السويدي.

لكن العامل الديموغرافي لا يفسر وحده شدة الخطاب.

العامل الثاني هو أن الإسلام يمتلك رموزًا عامة واضحة يمكن تحويلها بسهولة إلى رموز سياسية، مثل الحجاب، والنقاب، والمساجد، والمدارس الإسلامية، واللغة العربية، وشعائر دينية ظاهرة في المجال العام. وهذه الرموز تجعل الاختلاف الثقافي أكثر قابلية للرؤية، وبالتالي أكثر قابلية للاستخدام في الحملات السياسية.

أما العامل الثالث فهو أن بعض التيارات اليمينية الأوروبية أعادت تعريف الإسلام باعتباره قضية أمنية وحضارية، وليس مجرد دين. وهنا ظهرت مفردات مثل «الأسلمة» و«أسلمة أوروبا» و«القنبلة الديموغرافية» و«أورابيا»، وهي مفاهيم لعبت دورًا في تحويل النقاش من الهجرة إلى مستقبل الحضارة الأوروبية.

أما العامل الرابع فهو سياسي: المسلم أصبح في هذه السردية رمزًا للتغير الديموغرافي نفسه.

فالمشكلة، في هذا التصور، ليست فقط أن شخصًا مسلمًا يعيش في السويد اليوم، وإنما أن أبناءه سيكبرون، وأن أحفاده سيولدون في السويد، وأن اللغة والدين والثقافة قد تستمر من جيل إلى آخر.

وهكذا يصبح السؤال الديموغرافي سؤالًا عن المستقبل: كيف ستبدو السويد بعد جيلين أو ثلاثة؟

وهذا هو السبب في أن الخطاب حول المسلمين كثيرًا ما يتداخل مع الحديث عن الأطفال والمرأة والإنجاب والهوية.

جيمي أوكيسون والإسلام كتهديد
مع وصول جيمي أوكيسون إلى قيادة الحزب عام 2005، أصبح الخطاب حول الإسلام أكثر وضوحًا في واجهة SD.

وفي عام 2009 نشر أوكيسون مقالًا في صحيفة «أفتونبلادت» أثار جدلًا واسعًا، وقدم فيه الإسلام والأسلمة باعتبارهما من أكبر التحديات التي تواجه المجتمع السويدي.

كان ذلك العام مهمًا لأن خطاب الحزب لم يعد يكتفي بالقول إن هناك «هجرة أكثر من اللازم». فقد أصبح هناك تصور عن مشروع ثقافي وديني يغير السويد.

وهذا النوع من الخطاب يختلف جوهريًا عن خطاب حزب محافظ يريد فقط تنظيم الحدود. فعندما تصبح ثقافة المهاجر ودينه موضوعًا أساسيًا، فإن الاندماج يتحول من مسألة اجتماعية إلى مسألة هوية.

والأكثر أهمية أن هذا الخطاب لم يكن منعزلًا عن التطورات التي كانت تجري داخل اليمين الأوروبي الأوسع.

كِنت إيكروث وظهور خطاب مكافحة الجهاد
يحتل كِنت إيكروث موقعًا مهمًا في هذه القصة، وهو يهودي ثقافي ذو توجه علماني إلحادي كما يُعرف عن نفسه. دخل إيكروث إلى SD عام 2006، وأصبح أمين الحزب للشؤون الدولية، ثم نائبًا في البرلمان، وأحد أكثر أصوات الحزب نشاطًا في قضايا الإسلام والهجرة والأمن. لكن نشاطه السياسي لم يكن محصورًا داخل الحدود السويدية.

فقد ارتبط إيكروث بشبكات مكافحة الجهاد «Counter-Jihad»، وهي شبكة سياسية وفكرية دولية ظهرت في أوروبا والولايات المتحدة، وكان خطابها يقوم على تصوير الإسلام والهجرة من البلدان المسلمة باعتبارهما تهديدًا للغرب.

وثقت وسائل إعلام سويدية رسمية نشاط إيكروث في هذه البيئة، كما وثقت تقارير حكومية سويدية مشاركة شخصيات مرتبطة بـSD في فعاليات شبكات مكافحة الجهاد.

وكانت أهمية هذه الشبكات أنها قدمت لغة أكثر تطرفًا من مجرد «تقليل الهجرة». فهي تحدثت عن «أسلمة أوروبا»، وعن تغير ديموغرافي، وعن صراع حضاري بين الغرب والإسلام.

ومن هنا يمكن فهم أهمية إيكروث داخل تاريخ SD: لم يكن مجرد سياسي سويدي يتبنى موقفًا متشددًا من الهجرة، بل كان أيضًا جزءًا من فضاء دولي كان يعيد تعريف المشكلة نفسها. المشكلة لم تعد المهاجر فقط، بل أصبحت أيضًا الإسلام.

تيد إيكروث: إسرائيل قبل السويد وSD
تزداد القصة تعقيدًا عندما ننتقل إلى شقيقه التوأم تيد إيكروث. فقد ارتبط تيد قبل صعوده داخل SD بجهود مؤيدة لما يسمى «إسرائيل»، وكان ناشطًا في منظمة صهيونية تدعى من أجل إسرائيل والديمقراطية في الشرق الأوسط «FIDIM»، كما حصل عام 2006 على جائزة هرتزل الصهيونية المرتبطة بالنشاط المؤيد لإسرائيل.

هذه العلاقات مهمة لأنها تكشف عن تقاطع سياسي وفكري بين عدة دوائر: القومية الأوروبية، والدفاع عن إسرائيل، ومناهضة الإسلام، وشبكات مكافحة الجهاد.

وفي بعض هذه الدوائر كانت إسرائيل تُقدَّم بوصفها دولة تقع في «الخط الأمامي» في مواجهة الثقافة العربية والإسلامية، بينما تُصوَّر أوروبا باعتبارها تواجه الخطر نفسه داخل حدودها.

وهنا يصبح من المشروع دراسة كيفية انتقال الأفكار بين هذه البيئات، دون تحويل العلاقة إلى نظرية مؤامرة.

فالسؤال الأكثر جدية ليس «هل صنع اليهود حزب SD؟»، وإنما: هل ساهمت الشبكات الصهيونية المؤيدة لإسرائيل وشبكات مكافحة الجهاد في توفير إطار فكري وسياسي جعل معاداة الإسلام جزءًا أكثر مركزية من خطاب اليمين القومي الأوروبي؟

هذا سؤال مختلف تمامًا، ويمكن اختباره من خلال الوثائق والخطب والعضويات والعلاقات والأنشطة السياسية.

المرأة المسلمة: عندما يصبح الحجاب قضية دولة
ربما لا يوجد رمز يوضح انتقال المعركة من الهجرة إلى الهوية مثل الحجاب. فالحجاب الذي يمكن أن يكون، بالنسبة للمرأة التي ترتديه، تعبيرًا عن الدين أو الهوية أو الاختيار الشخصي، أصبح في خطاب SD قضية سياسية تتعلق بالاندماج والمساواة والسلطة الأبوية.

الحزب يؤيد حظر الحجاب في رياض الأطفال والمدارس الأساسية والقطاع العام، ويقدم موقفه بوصفه دفاعًا عن الأطفال والمساواة ومواجهة الرقابة الاجتماعية.

لكن من منظور نقدي، يمكن طرح سؤال مختلف: لماذا أصبح لباس المرأة المسلمة تحديدًا أحد رموز الصراع على مستقبل الدولة؟

هنا تظهر ظاهرة «النسوية القومية» التي درسها عدد من الباحثين في أوروبا، حيث يمكن لخطاب حقوق المرأة أن يتقاطع مع خطاب قومي مناهض للهجرة. ففي هذا النموذج تصبح المرأة المسلمة ضحية، والرجل المسلم مصدر تهديد، والدولة الأوروبية هي الجهة التي تتولى تحريرها.

إنها صيغة سياسية قوية لأنها تسمح لليمين بأن يستخدم لغة كانت تقليديًا أقرب إلى الخطاب الليبرالي واليساري: حماية المرأة، المساواة، الحرية، حقوق الطفل.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول حالات حقيقية مثل العنف الأسري أو الزواج القسري أو جرائم الشرف إلى دليل عام على أن «الثقافة الإسلامية» نفسها مشكلة.

فالجريمة يجب أن تُحاسب بوصفها جريمة، لا أن تتحول هوية ملايين الأشخاص إلى قرينة اتهام.

الطفل المسلم: المعركة على المستقبل
إذا كانت المرأة هي الوجه المرئي للهوية الإسلامية، فإن الطفل هو مستقبل هذه الهوية. وهنا تصبح اللغة والتعليم والأسرة مسائل سياسية.

يدعو SD إلى إلغاء التعليم الممول من الدولة للغة الأم، باستثناء لغات الأقليات الوطنية، ويرى أن الأولوية يجب أن تكون لتعلم السويدية والاندماج.

من وجهة نظر الحزب، المسألة تعليمية واندماجية: الطفل يحتاج إلى إتقان السويدية حتى ينجح في المدرسة وسوق العمل.

لكن المسألة تحمل بعدًا ثقافيًا أوسع. فاللغة ليست مجرد أداة. إنها ذاكرة الأسرة، وطريقة التواصل مع الأجداد، ووسيلة نقل القصص والدين والثقافة. ولذلك فإن تراجع لغة الأسرة يمكن أن يعني أيضًا تراجع أحد الروابط الأساسية بين الجيل الثاني وثقافة آبائه.

وهنا يصبح الصراع حول اللغة جزءًا من صراع على سؤال أكبر: هل يمكن أن يكون الطفل عربيًا وسويديًا في الوقت نفسه؟ مسلمًا وسويديًا؟ أم أن عليه، لكي يصبح سويديًا كاملًا، أن يخفف تدريجيًا من العلامات الثقافية التي تربطه بالمجتمع الذي جاء منه والداه؟

وهذا هو السبب في أن سياسات التعليم واللغة لا ينبغي أن تُقرأ منفصلة عن سياسات الهوية.

الأسرة والديموغرافيا: لماذا يخيف المستقبل أكثر من الحاضر؟
تظهر في خطاب اليمين الشعبوي الأوروبي مخاوف متكررة من الديموغرافيا. فالمهاجر الذي يدخل البلاد اليوم يمثل شخصًا واحدًا. لكن إذا أنجب أطفالًا، ثم أصبح هؤلاء الأطفال جزءًا من المجتمع، فإن التحول يصبح طويل الأمد.

ولهذا نجد خطابًا سياسيًا يهتم بصورة خاصة بمعدلات الإنجاب، وحجم الأسر، ومساعدات الأطفال، والأحياء ذات الكثافة العالية من السكان المهاجرين، وانتقال الهوية بين الأجيال.

وفي بعض خطاب شبكات مكافحة الجهاد، تحولت هذه المخاوف إلى نظريات واسعة عن «الاستبدال الديموغرافي» و«أسلمة أوروبا».

ولا يعني ذلك أن كل SD يتبنى نظرية «الاستبدال الكبير» أو أن كل حديث عن الديموغرافيا مؤامراتي. لكن وجود هذه الأفكار في البيئة الفكرية التي تحرك فيها بعض قادة الحزب يساعد في فهم لماذا أصبحت الأسرة والطفل والمرأة جزءًا من النقاش السياسي حول الهجرة.

سامنيت: عندما ينتقل الخطاب من البرلمان إلى الإعلام
لا يمكن دراسة هذه الظاهرة من خلال البرلمان وحده. فقد ظهرت في السويد منظومة من وسائل الإعلام البديلة التي لعبت دورًا في نشر خطاب اليمين الشعبوي حول الهجرة والإسلام والجريمة.

ومن أبرز هذه المنصات موقع سامنيت «Samnytt»، الذي ارتبط بكِنت إيكروث، والذي أصبح من المنابر المهمة في البيئة الإعلامية المحيطة بـSD.

وتكمن أهمية هذه العلاقة في أن إيكروث لم يكن مجرد سياسي يكتب أحيانًا في موقع إعلامي. فقد كان مرتبطًا بتشغيل الموقع وكتابة مواده، الأمر الذي أتاح له استمرار إنتاج الخطاب نفسه خارج المؤسسات البرلمانية.

وفي كتاباته، تناول إيكروث الهجرة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باعتبارها جزءًا من تغير ديموغرافي يرى أنه يهدد مستقبل السويد، واستخدم تعبيرات مثل «القنبلة الديموغرافية».

وهكذا أصبحت هناك دائرة مكتملة؛ تبدأ بسياسي يتحدث عن الإسلام والهجرة، مدعوماً بشبكة دولية توفر له المفردات والأفكار، ليأتي دور الحزب السياسي الذي يُطبع هذا الخطاب داخل البرلمان، ثم تتبناه منصة إعلامية تعيد إنتاجه، وصولاً إلى جمهور يتعرض لهذه الرواية بصورة مستمرة.

وهذه العملية مهمة لأنها تفسر كيف يمكن لفكرة كانت هامشية في بداية الأمر أن تتحول إلى خطاب طبيعي في جزء من المجال العام.

لماذا لا يتعامل الخطاب نفسه مع جميع المهاجرين؟
إذا كانت المشكلة هي الهجرة فقط، فلماذا يحتل المهاجر المسلم مكانًا مختلفًا في الخطاب؟ ولماذا تتركز النقاشات حول الحجاب، والمساجد، والمدارس الإسلامية، واللغة العربية، وجرائم الشرف، والإسلاموية، والأسلمة، والديموغرافيا في الوقت نفسه؟

الجواب هو أن «المهاجر المسلم» أصبح في الخطاب الشعبوي أكثر من فئة مهاجرين. فلقد أصبح رمزًا لمشكلة الهوية.

المهاجر الأوروبي الذي يشارك في الثقافة البروتستانتية أو العلمانية السويدية يمكن أن يكون، وفق هذا التصور، أقل إثارة للقلق الثقافي حتى لو كان مهاجرًا.

أما المسلم، وخصوصًا القادم من الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا، فيُنظر إليه أحيانًا بوصفه يحمل هوية جماعية يمكن أن تستمر عبر الأجيال.

وهنا تتحول المسألة من الأصل الجغرافي إلى الدين والثقافة. وهذا هو ما يجعل الإسلاموفوبيا السياسية مختلفة عن مجرد معاداة الهجرة.

من الإسلاموية إلى الإسلام
لكن هناك مشكلة أخرى أكثر دقة. تقول SD إنها تحارب الإسلاموية، لا المسلمين. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح تعريف «الإسلاموية» واسعًا جدًا بحيث يقترب من تعريف الإسلام نفسه، أو عندما تُستخدم حالات متطرفة لتكوين صورة عامة عن المسلمين.

فالإسلام دين يعتنقه ملايين الأشخاص الذين يعيشون حياة عادية، ويعملون ويدرسون ويدفعون الضرائب ويشاركون في الانتخابات والمجتمع المدني.

والخلط بين هؤلاء وبين جماعات متطرفة هو بالضبط النقطة التي ينبغي عندها التوقف.

فإذا كان الحزب يقول إنه يحارب التطرف، فإن السؤال المشروع هو: أين يضع الحد الفاصل بين التطرف وبين التدين العادي؟

وهذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما تشمل السياسات الحجاب، والمدارس الدينية، واللغة، والمؤسسات الإسلامية، وليس فقط التنظيمات المتطرفة.

من الهجرة إلى الهوية
إذا جمعنا كل هذه الخيوط، تظهر صورة أكثر وضوحًا. الهجرة كانت نقطة البداية. ثم جاءت قضية الاندماج. ثم الثقافة. ثم الإسلام. ثم الحجاب والمرأة. ثم الأطفال واللغة والتعليم. ثم الأسرة والديموغرافيا. وهكذا أصبحت قضية الهجرة تمتد إلى داخل البيت والمدرسة والجسد واللغة والهوية.

وهذا هو التحول الحقيقي الذي يكشف نوايا الحزب.

فسياسة الحدود تقول: من يدخل؟ أما سياسة الهوية فتسأل: كيف يجب أن يعيش من دخل؟ والفرق بين السؤالين هائل.

عندما يكون النقاش حول عدد المهاجرين، فإن الدولة تتحكم في الحدود. لكن عندما يصبح النقاش حول الحجاب، واللغة الأم، والمدرسة، والدين، والأسرة، والقيم، فإن الدولة تدخل إلى المجال الذي يتشكل فيه الإنسان نفسه.

وهنا تصبح المرأة والطفل مهمين بصورة خاصة، لأنهما يمثلان مستقبل الهوية.

المرأة هي أحد أكثر الرموز وضوحًا للهوية الدينية في المجال العام عندما ترتدي الحجاب أو النقاب. والطفل هو الشخص الذي سيحمل هذه الهوية إلى المستقبل.

ولهذا يمكن قراءة التركيز السياسي على الحجاب وتعليم اللغة الأم والمدارس والأسرة باعتباره جزءًا من صراع أكبر على الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين.

هل سيبقى الطفل مرتبطًا بلغة والديه؟ هل ستظل الأسرة قادرة على نقل ثقافتها؟ هل ستبقى المرأة قادرة على التعبير عن هويتها الدينية في المجال العام؟ وهل يستطيع الشخص أن يكون مسلمًا وعربيًا وسويديًا في الوقت نفسه؟ أم أن الانتماء السويدي سيُعرَّف بطريقة تجعل بعض هذه الهويات تبدو متناقضة معه؟

هذه الأسئلة بالنسبة للحزب أهم من مجرد معرفة عدد المهاجرين الذين يدخلون السويد كل عام.

انتهى