
الأكاديمية والباحثةالدكتورة أوفيك عبد المهدي عبد الجليل عبدالله عبد الحسن الموسوي الحصيني.
تُعرف في محيطها والمنصات العامة باسم “وفا”، وهو اختصار لجأت إليه لصعوبة نطق اسمها الحقيقي “أوفيك” ذي الأصول الآذرية. ولهذا الاسم قصة وفاءٍ نبيلة؛ فقد أطلقه عليها عمها “سيد نعيم الحصيني” الذي كان يدرس هندسة المشاريع في روسيا، تخليداً لذكرى زميلته وزوجته الآذرية “أوفيك” بعد أن افترقا.
تنحدر الدكتورة أوفيك من أسرة علوية دينية عريقة تقطن مدينة النجف الأشرف ومدينة الحلة (تحديداً قضاء الهاشمية)، ويعود لقب العائلة “الحصيني” إلى قرية “الحصين” الواقعة حالياً على الطريق السياحي. كان جدها الأكبر، السيد عبدالله، رجل دينٍ مهاباً وأحد طلبة الحوزة العلمية في النجف الأشرف، لما تحمله بيوتات السادة من وقارٍ واحترامٍ بالغين في مناطق جنوب العراق.
في بدايات القرن العشرين، استعانت السلطات العثمانية بالمرجعية الدينية في النجف لتهدئة تمردات عشائر “المنتفج” في الناصرية، فكان السيد عبدالله هو المبعوث المختار لهذه المهمة. وبحكمته ومكانته، نجح في عقد تفاهمات أعادت الهدوء للمنطقة،
وتُوّجت هذه المرحلة بزواجه من ابنة أمير المنتفج، ليُرزق منها بولدين: السيد عبد الكريم والسيد عبد الجليل (جد أوفيك).
انتقل السيد عبدالله لاحقاً إلى مدينة السماوة، حيث استقبلته العشائر بحفاوة بالغة، وفي طليعتهم عشيرة “آل رباط” التي يُعد شيخها من الآباء المؤسسين لمدينة السماوة، وهو شخصية وطنية فذة قاومت الاحتلال البريطاني بشراسة ولم تساوم على مبادئها. وقد دفع الشيخ حياته ثمناً لرفضه الانصياع للإنكليز حين مات مسموماً على أيديهم. وكان لعشيرته دور محوري في ثورة الشعيبة، حيث فتح ابن عمه “بربوتي” ديوانه لاستقبال العشائر الثائرة، ولا يزال هناك جسر على نهر الفرات في السماوة يحمل اسمه تخليداً لبسالته في قنـ ـص جنود الاحتلال الإنكليزي.
من رحم هذا التلاحم الوطني، زوج شيخ “آل رباط” أخته لتكون زوجةً للسيد عبدالله، محبةً وتقديراً لبقائه بينهم، ورُزق منها بولدٍ وبنتين. طاب المقام للجد في السماوة، فامتهن التجارة والمقاولات، وترك بصمةً عمرانية واضحة، حيث بنى العديد من المدارس وأسس معملاً للطابوق بالشراكة مع الشيخ شنان آل رباط.
بعد وفاة السيد عبدالله، استكمل ابنه السيد “عبد الجليل” مسيرة الإعمار في المدينة. ومن المفارقات التاريخية العجيبة أن السيد عبد الجليل قام بترميم قلعة “نقرة السلمان” لتكون حصناً لصد الهجمات الوهـ ـابية القادمة من غرب العراق، كما أسهم في بناء مدرسة الرشيد الابتدائية، وثانوية السماوة للبنات، والعيادة الشعبية، وساهم في استيراد مكائن السقي الزراعية.
لكن الأقدار شاءت أن تكون القلعة التي رممها الجد لحماية البلاد، سجناً لحفيده! فوالد أوفيك، السيد “عبد المهدي” (الابن البكر للسيد عبد الجليل)،
وبعد أن التحق بالحوزة الدينية في النجف ضمن حلقة العلامة حسين فضل الله، اختطفته الأفكار اليسارية التي اجتاحت العراق في الخمسينيات. ترك الحوزة وانخرط في صفوف الحزب الشيوعي الذي كان جزءاً من الجبهة الوطنية التي أطاحت بالنظام الملكي عام 1958. وبعد انقلاب شباط عام 1963، اعتُقل السيد عبد المهدي وزُج به في سجن “نقرة السلمان” الذي رممه والده، وكان له مقالٌ شهير نُشر في جريدة “طريق الشعب” وثّق فيه معاناة معتقلي “قطار الموت” الشهير.
سنوات الجمر والشتات
تزوج السيد عبد المهدي – كأبيه وجده – من عائلة “آل رباط”، ورُزق بخمس بنات (كانت أوفيك أصغرهنّ قبل الأخيرة) وولدين (السيد كاظم والسيد جعفر). تفرغ الأب للعمل السياسي، مما جعله عرضة للاعتقالات المتكررة والملاحقات، خاصة بعد تولي صدام حسين مقاليد السلطة.
ضُيّق الخناق على العائلة، وأُجبر الأب على ترك عمله، وتشتت الإخوة في بداية التسعينيات هرباً من البطش؛ فهاجر السيد جعفر إلى روسيا، بينما استقر السيد كاظم في جدة ليعمل في “إذاعة صوت العراق الحر” مسؤولاً للتنسيق الإذاعي، حيث أعد برامج شعرية، وكتب أغاني للفنان فؤاد سالم، وعمل مع الإعلامي إبراهيم الزبيدي ونخبة من المعارضين، قبل أن يهاجر لاحقاً إلى أستراليا.
كل تلك الأجواء المشحونة بالسياسة، والأدب، والتشرد، والانكسارات، صقلت شخصية “أوفيك”، وحولتها إلى قارئة نهمة وإنسانة طموحة لا تعترف بالمستحيل.
بعد التغيير الذي شهده العراق عام 2003، شقت أوفيك طريقها الأكاديمي بثبات. تخرجت من كلية الآداب (قسم التاريخ) وكانت من الأوائل على دفعتها. واصلت دراستها العليا لتنال درجة الماجستير بتقدير “جيد جداً” عن رسالتها الموسومة: (العلاقات الأفغانية – السوفيتية 1953 – 1973).
ولم يتوقف طموحها عند هذا الحد، بل أكملت مسيرتها لتنال شهادة الدكتوراه بتقدير “امتياز”، في أطروحة جاءت امتداداً لبحثها السابق تحت عنوان (العلاقات الأفغانية السوفيتية 1973 – 1989). لقد كان هذا الإنجاز ثمرة ثلاث سنوات من البحث المضني والتنقل المستمر بين أروقة وزارة الخارجية، ومعهد الخدمة الخارجية، والمكتبة الوطنية في باب المعظم.
الدكتورة أوفيك تعكس تاريخ العراق الحديث بكل تناقضاته، من عمائم النجف ومضايف العشائر، إلى سجون المعارضين ومنافي المثقفين، وصولاً إلى قاعات البحث العلمي التي توّجت مسيرة عائلةٍ لم تعرف يوماً الاستسلام.
#أسعد_صباح



