سبتمبر 7, 2026
IMG_1630

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 13
تطوان : مصطفى منيغ
لم تكن الصَّدمة التي أصابت فكر الراحل الهواري بومدين بموقفِ ذاك المغربي الذي فَضَّل تلقِّي صدره رصاص الإعدام على خيانة المغرب المُقبل على موعدٍ لا يُنْسَى أبد الدَّهرِ مع مسيرة تحرير ما تَبقَّى مُحتلاً من أراضيه وفي طليعتها الصحراء المغربية ، بل أكثر من ذلك مَنَحَ لكل المتشككين (المقرَّبين لذاك المحيط التابع مباشرة لرئاسة الجمهورية الجزائرية تلك) في مصداقيةِ المغاربة المقيمين في تلك الجارة الشرقية (لأسبابٍ ومنها السياسية التي جَرَّت بعضهم إلي وضعيات عرَّضت حياتهم للخطر) في حبهم للوطن ومشاركتهم الفعلية لجعل نداء الملك الراحل الحسن الثاني مُلَبَّى بالحرف الواحد خارج المغرب ، بحماسٍ أشبَه ممَّا عَبَّأَ كل المغاربة في الداخل ، ما دام الهدف في مستوى انقادِ الأرض المغربية من معتقل الاستعمار الاسباني . أجل لم تكن الصدمَة هينة عليه ، خاصة وقد هيَّأت وسائل الإعلام الجزائرية المرئية ما يسجِّل الحدث بما يستحق من عناية قصوى يُدشِّن بها النظام حملته الشَّرسة على رمز مقدسات المغرب ، لكن هبَّت رياح ذاك الموقف النبيل من معربي لا يملك إلا سلاح لسانه الناطق الصادق بما يؤكِّد أنَّ المغاربة على موقفٍ واحد مهما كانت العواقب ومهما جرفتهم المخاطر إلى انتقام ظُلْمٍ فاقِدٍ لرحمة التعقُّل ولحكمة الحق ، فكان مصير ذاك الاجتماع المذكور آنفاً الفشل ، مما جعل أحد المسؤولين يطلبُ مِنِّي التشطيب على التسجيل وعدم تسريب أي معلومة تخص الموضوع حتى لأقرب الناس إليّ ، وخاصة للجهاز الإعلامي الذي اشتغل داخله مُنتجاً. للأسف الشديد لم تتوقَّف متابعة الرئيس شخصياً للموضوع ، بل منحَ حيِّزاً معتبَراً من وقت عمله ، للنَّظر في أنجعِ وسيلةٍ تجعل ملك المغرب يتوقف عند مرحلة الاستعداد لتلك المسيرة ، التي غيَّرت وجه التاريخ ليعتمدها بداية حق يُؤخَذُ مِن طرفِ صاحبِه بأرقَى نضال اعتمد السِّلْمَ القائم على النصر وما بعده مِن شرف مَكانَة مقامها الكريم المرصَّع فضاؤه بجواهر الإيمان ، المؤدي لخلق واقع لا يأتي به بَعْدَ وقوعه زمان ، تعود فيه الصحراء لأصلها المغربي مُذْ كانت و منذ المغرب أمة ودولة كان . ولطالما اجتمع بأهمِّ قادة جيشه للخروج بقرار تدخُّلٍ عسكري يُنهي خطة المغرب ، أو على الأقل يؤجَّلها لموعد تكون الجزائر أثناءه أكثر تأييداً من طرف دول افريقية ، لطرحها الذي ستسوِّقه بنشر استثمارات مغلَّفة بما يجلب لمصيدة ترك الضمير في ثلاجة ، بضغط من ظروف معينة ، بمعادلة رموزها مُجحفة ، يتَّجه لاعتمادها ولو بنتائجها السلبية ، كل يائسٍ لا حظَّ له قي إنجاح هدفه المشيَّد أساساً على باطل ، لكن معلومة مخابراتية أزاحت المواجهة العسكرية من مُخَيِّخِ الرئيس الهواري بومدين ، وأدخلت على كيانه الهدوء المشوب باستعجال الواقعة التي سيستغلها النظام الجزائري بكل مقومات أنصاره ومؤيديه لفرض فرصة وضع اليد وبيسر على ممر أرضي صوبَ المحيط الأطلسي غَربا ، المعلومة ذهبت في مضمونها لقيام اسبانيا بشن غارة على كل مسيرة تجتاح حدود الصحراء المحتلَّة من طرفها، واسبانيا مشغولة في جمع كل المبررات لعملها ذاك وإحضارها ما يتناسب مع قوانين تُقَوِّي حظوظها للإفلات من أي عقوبات دولية قد تتعرض لها مستقبلا . تَأَتَّى لي سَمَاعُ المعلومةِ بالصُّدفَة ، حينما دخلَ شخص يعملُ في جهاز المخابرات لمكتب مسؤول ، طلب مني الحضور لمناقشةٍ موضوعٍ كَلَّفَهُ الرئيس بجمْعِ اقتراحات حولَه ، ودون انتباهٍ بضغط فَرَحٍ رَفَعَه عن استعمال الحيطة مني كغريب غير موثوق في أمره ، وفجَّر المعلومة على سجيته بغير تحفُّظ ، ولمَّا فَطن لم يكن في وسعه إلاَّ الانسحاب بوجهٍ تعالت سحنته الكآبة ، بعدها بأيام قررتُ انطلاقاً من موقعي التحرُّك نحو غاية ، وما أنبلها حينما تمتزج كلياً مع مصلحة وطني العليا ، لم أُعِر ادنَي اهتمام بما أعرِّض نفسي إليه ، فالتصفية الجسدية أيسر من ذبح دجاجة عند مكلفين ، قلوبهم الحجر الين منها ، شعورٌ صاحَبَ حماسي للتَّنفيذ ، غَمَرَ عقلي ملبياً المشي على هدى طريق مع الخطوة الأولى ، تتسارَع فوقه الخُطَى للنهاية ، دون الالتفات إلى الخلف ، أو السَّماح للخوف سبَبَ الوقوعِ فيما لا يٌحمَد عقباه ، داخل أمكنة الكل فيها يراقب الكل ، وهناك استفدتُ كثيراً مِن تجربةٍ تتلمذتُُ على يدها في قَرْيَة ، ربما تعرَّضَت لتهميش ردحاً من الوقت ، لاعتبارات سياسية لم تُفْهَم على حقيقتها ، ولم تُمثَّل بموقعها الاستراتيجي الشديد الأهمية ، ولم يُنْظَر إليها كمُجَمَّعٍ لقبائل لها رصيد كبير من الوطنية ، وصمود الدفاع عن الحدود المغربية المتداخلة بعضها ببعض مع الدولة الجزائرية ، أعْنِي بها قرية “بَرْكَنْتْ” المسماة حالياً “عَيْن بني مَطْهَرْ” الواقعة تحت النفوذ الترابي لإقليم جرادة ، البعيدة عن وجدة باثنين وثمانين كيلومتر ، التي تعلمتُ فوق هضبتها المشي ليلاً مسترشداً في الصيف بنجوم سمائها ، وشتاءً بمواقع معيَّنة غير مُبَيَّنَة لغريبٍ عن الحدود المشتركة في تلك الناحية بين المغرب والجزائر ، ووقفتُ على فائدة المواد المجفَّفة ك”الكْلِيلَة” والمجمَّدة القابلة للذوبان على الرمال الساخنة ك “الدْهَانْ”، والمشروب الساخن المُحَضَّر من”الشِّيحْ” وعشرات متعلقة بالبقاء حياً في قفار متوحشة ولو بمن فوقها حَضر، مِن حيوانات أصعرها بمثل كبيرها من حيث الخطر ، ولقنَّتني دروساً في تلقى المِحن والتغلُّب عليها منفردا ، وجعلَت مني حريصاً على التعامل بذكاء فوري مع مواقف لا وسط بين النجاة أو الهلاك داخلها إلاَّ بالدليل المُقنع الناتج عن التحدي الند للند لمن نفوذه أكبر ، وطبعه كالعلقم بل أمر ، ولسانه لا يحترم الأصغر منه أو الأكبر ، و الأهم من هذا كله بل أهم الأهم ، جعلتني والإنسان الجزائري (متى أريد) في كفة واحدة لهجةً وعَقْلِيَّة .
عين بني مطهر ، (كان اسمها ” بركنت Berguent” على اسم مكان بوادي شيدت على ضفته باللغة الأمازيغية) تابعة حاليا لإقليم جرادة، تبعد عن وجدة عاصمة المغرب الشرقي بحوالي 81 كيلومترا وعن مدينة فجيج بما يقارب 300 كيلومتر ولا يفصلها عن الحدود الجزائرية سوى 36 كيلومترا. عبر ترابها يمر خط أنبوب الغاز من مصدره “حاسي مسعود” صوب أوربا. تختزن من المياه الشيء الكثير. وإذا كان للصحراء باب فسيكون هو عين بني مطهر نفسها وليس سواها .
في عهد السلطان عبد العزيز المريني أراد المؤرخ الاجتماعي الشهير ابن خلدون زيارة المغرب قادما من مدينة “بسكرة” الجزائرية سكناه سنة 774 هجرية، وبوصوله “مليانة” جاء من يخبره أن عبد العزيز التحق بالرفيق الأعلى فاعتلى الحكم ابنه ، ومع ذلك واصل طريقه صوب فاس بمعية علي بن حسون والي السلطان المغربي على “مليانة” بحراسة جنود الوالي، وبوصولهم رأس العين (عين بني مطهر) اعترض طريقهم في مكان من وادي زا (وادي الشارف) جماعة من شيوخ عبد الله بن معقل من بني يغمور بأمر من سلطان “تلمسان” “ابَّا حموا” فنجا من المعركة ابن خلدون وتاه في تلك الأراضي إلى أن وصل “دبدو” ومنها التحق بفاس. السلطان إسماعيل بن على العلوي اتخذها موقعا استراتيجيا ومنطلقا لمحاربة أتراك الجزائر، لكن قبائل المنطقة خذلته وانهزم ، فعاد إليها بعد حين لينتقم منها شر انتقام . لا يمكن للمقاومين الجزائريين التأريخ لتلك المراحل وهم يخوضون المعارك الشرسة ضد الغازي الفرنسي في الجنوب الغربي الجزائري بهدف تحرير بلادهم من ويلاته وأهدافه الدنيئة، دون الحديث عن الدور الذي قامت به “عين بني مطهر” المنتقل من المساندة المطلقة إلى المشاركة الكاملة، حيث أصبحت الخلفية القوية للمجاهدين بقيادة الشيخ بن الطيب البوشيخي البكري المعروف عند الفرنسيين انطلاقا من مواجهته لهم في “الشريعة شمال البيض” في الثاني من شهر ماي سنة 1845، معتمدا على من كان في “عين بني مطهر من قبيلة “المهابة” المنتشرة آنيا في “تيولي” و”النعيمة” المجاورة لمدينة العيون سيدي ملوك، الشيء الذي عَرّض عين بني مرة لانتقام مرير من طرف الفرنسيين بدءا بهجمة الجنرال ومفن (Wemphen) على الجنوب المغربي سنة 1870 اعتمادا أن “عين بني مطهر تشكل القاعدة الأساس لكل مقاومة جزائرية داخل جل المناطق الداخلية في جزائر تغلي حماسا غير مسبوق بنية طرد الاستعمار الحاقد الملحق الأذى بكرامة أمة جزائرية كريمة شريفة برز فيها الأمير عبد القادر وغيره كثير .
وكما سبق أن ذكرتُ خلَّف تحويل اسمها من “بركنت” إلى عين بني مطهر قصة ظريفة عِشت أطوارها مباشرة خلال إقامتي الطويلة هناك في أواسط ستينات القرن الماضي ، حيث سكنتُ منزلا مفعماً بالطيبوبة والكرم والشرف ، صاحبه الشريف “ميموني ميمون” رحمه الله، الكائن بحي يُدعَى “دوار الزياني”، كان على رأس السلطة المحلية قائد من “بني يزناسن” يسمى “علي”، له من الصرامة والحزم ما جعله مثار قلق بليغ داخل سكان تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ المغرب قاطبة ، رئيسه عامل (محافظ) لإقليم “وجدة” الشهير بمشاركته في انقلاب “الصخيرات” ضد الملك الراحل الحسن الثاني، ويتعلق الأمر بالعامل “الشلواطي” إن لم تخني الذاكرة، وفي اجتماع مصغَّر ترأسه القائد المذكور تنفيذا لمراسلة في الموضوع واردة عليه من العمالة (المحافظة) تقرر تغيير الاسم إلى “عين بني مطهر” الشيء الذي لم يرق جماعات من قبائل عريقة لها الوزن الثقيل في حضورها الاجتماعي داخل مساحة ترابية لا بأس بها ، التي رأت، في اختيار “المطهريين” ليحظوا بهذا التكريم، مجرد إهانة موجهة لها وتصغيراً لقيمتها التاريخية وتقزيما للدور الذي بذلته حفاظا على استقرار ووحدة التراب المغربي في تلك المنطقة الحدودية الشاسعة الأطراف، فغضبت غضبة لم تشف غليلها سوى أن يستيقظ السكان والقائد يفتح إسطبله ليجد جلد ثوره المدلل مسلوخا مُعلَّقا في الواجهة مكتوب عليه :” أنت سَمَّيتَ ونحن سَبّعْنا “، طبعا كاد القائد أن يُغمى عليه من الصدمة، وبخاصة أن الثور المذبوح أغلى ما كان يملكه افتخارا ومقاما ودرجة في الحكم المحلي، التحريات التي أجرتها السلطات المعنية لم تسفر على أي نتيجة تُذكر لتسجل القضية من ارتكاب مجهول، لكنها ظلت محفورة في أذهان من عاشوها جملة وتفصيلا ومنهم العبد لله .(يتبع)
(الصورة : قرية عين بني مطهر)
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
سفير السلام العالمي
مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان
في سيدني – أستراليا
212770222634
aladalamm@yahoo.fr
https://assafir-mm.blogspot.com