
د. فاضل حسن شريف
يركز الكاتب والباحث الدكتور فاضل حسن شريف في كتاباته ومقالاته التفسيرية والقرآنية على أبعاد التحدي الإلهي، لا سيما ما يرتبط بالآية الكريمة: “فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ” (الطور 34)، حيث يستعرض كيفية إبراز القرآن الكريم لهذا التحدي في ظل الظروف والإمكانيات البشرية المتاحة: التدرج في التحدي وكسر الظروف:يُشير الدكتور فاضل إلى أن التحدي القرآني جاء متدرجاً لمراعاة ظروف العرب في البلاغة والفصاحة، فبدأ بالتحدي بالقرآن كاملاً، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة، وأخيراً بأي حديث أو كلام يماثله (“فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ” (الطور 34)). وهذا التدرج يسقط كل الذرائع والظروف التي قد يتحجج بها الخصوم. تحدي البيئة والظروف الأمية:يركز على ظروف البيئة التي نزل فيها القرآن (بيئة أمية لا تمتلك معاهد أو مطابع أو أدوات تدوين حديثة)، ورغم هذه الظروف الصعبة، تحدى القرآن البلغاء والشعراء في عقر دارهم. وكون الرسول صلى الله عليه وآله نشأ أمياً في تلك الظروف، ينسف أي ادعاء بأن القرآن من صنع البشر. شمولية التحدي (اللفظ والمعنى): يبين الباحث أن التحدي لا يقتصر على الصياغة اللغوية والبلاغية فحسب، بل يتعداه إلى المعاني والأحكام، والتشريعات الصالحة لكل زمان ومكان، والإخباريّات الغيبية والعلوم التي لم تكن معروفة في تلك الظروف الزمانية والمكانية.عجز الإنس والجن واستمرارية التحديث:يستشهد بالارتباط بين هذه الآية وآيات التحدي الأخرى مثل: “قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ” (الاسراء 88)، ليؤكد أن التحدي قاهر عبر الأزمنة والظروف، ويبقى قائماً مهما تطورت الأدوات البشرية والعلوم.
معظم التفاسير القرآنية التي يعتمد عليها الدكتور فاضل حسن شريف في مقالاته هي تفاسير الشيخ الطبرسي والطوسي والعلامة السيد الطباطبائي والشيخ محمد جواد مغنية والشيخ مكارم الشيرازي بالاضافة الى تفسير الميسر وتفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي والدكتور طنطاوي. تتفق تفاسير الإمامية على أن الآية الكريمة “فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ” (الطور 34) هي إحدى “آيات التحدي” (الإعجاز) التي تُسقط دعاوى المشركين وتثبت أن القرآن وحي إلهي وليس من صنع البشر. ويرتكز المفسرون الشيعة في بيان هذه الآية على جوانب عدة: 1. التحدي والإعجاز (مجمع البيان – الشيخ الطبرسي) يذكر الطبرسي أن الآية جاءت رداً على قول المشركين في الآيات التي سبقتها: “أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ” (أي اختلقه محمد من تلقاء نفسه).التحدي هنا بـ “حديث مثله” يُقصد به: إن كان هذا القرآن كلاماً بشرياً صاغه محمد وهو بشر مثلكم، وأنتم أهل الفصاحة والبلاغة، فأتوا بكلام/حديث يماثله في بلاغته، ونظمه، وحكمته، وإخباره بالغيب. عجزهم عن الإتيان بمثله -رغم توفر دواعي المعارضة لديهم- دليل قاطع على صدق نبوته.2. إبطال التناقض البشري (التبيان – الشيخ الطوسي) يؤكد الشيخ الطوسي أن الحديث يُقصد به المنظوم من الكلام الذي يبلغ حد الإعجاز.يُبيّن أن القرآن يخلو من التناقض والاختلاف، وهو ما لا يستطيعه البشر، فلذلك لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، والتحدي قائم بأن يأتوا بكلام يماثله في الاتساق والعمق والتأثير.3. التدرج في التحدي (الميزان – العلامة الطباطبائي) يوضح العلامة الطباطبائي أن الآية تُشير إلى مراتب التحدي القرآني. فالقرآن تحدى العرب والعالمين تارة بالقرآن كله، وتارة بعشر سور، وتارة بسورة، وتارة بـ “حديث مثله”.”الحديث” هنا يُشير إلى أي كلام أياً كان مقداره (ولو قليل)، مما يعكس نهاية العجز البشري، إذ لو كان مقدوراً للبشر لأتوا ولو بفقرة أو حديث يماثل القرآن في هدايته وبلاغته.4. البُعد الولائي والروايات (التفاسير الروائية: البرهان، الصافي، العياشي)تستعرض التفاسير الروائية الشيعية أبعاداً تنزيلية وتأويلية وردت عن أهل البيت (عليهم السلام): صدق الدعوى: تُبيّن الروايات أن الآية تفضح كذب المشركين في زعمهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتكلف القرآن، لأن “الصادق” في دعواه يملك الدليل، وهم عجزوا عن تقديم الفتيل والقطمير من جنس هذا الكلام.الارتباط بالإمامة والولاية: ترتبط بعض التفاسير الروائية بين قبول القرآن كاملاً بما فيه من أحكام الولاية والإمامة وبين الإيمان بالرسالة، فالتحدي قائم على النص القرآني بكامل هدايته وتشريعاته وأخباره. المفسر / التفسير المحور الأساسي في تفسير الآية الشيخ الطوسي (التبيان) دحض شبهة التقول والإثبات العقلي لإعجاز النظم والبيان. الشيخ الطبرسي (مجمع البيان) بيان وجه التحدي بالفصاحة والبلاغة وإسقاط حجج الخصوم. العلامة الطباطبائي (الميزان)التحدي الشامل لكل المراتب (البلاغة، المعارف، التشريع، الغيب). التفاسير الروائية (كالبرهان) إيراد الأحاديث المروية عن آل محمد عليهم السلام في بيان عجز المخالفين وصدق الرسالة.
يتناول الباحث والكاتب الدكتور فاضل حسن شريف كلمة “أتى” ومستقاتها في القرآن الكريم عبر عدة زوايا لغوية وتفسيرية وتطبيقية: 1. الفروق اللغوية والتفسيرية (بين أتى وجاء) دلالة الصعوبة والأهمية: يُفرق الدكتور فاضل حسن شريف بين استخدام “أتى” و”جاء” في النص القرآني، حيث يُشير إلى أن “أتى” تُستعمل في التعبير القرآني غالباً للمجيء الذي يحمل في طياته أمراً ذي شأن كبير أو يرافق معناه صعوبة وجهد ومشقة. اليسر مقابل العسر: بينما تُستخدم كلمة “جاء” في السياقات التي يتسم فيها المجيء بالسهولة أو كونه أمراً عادياً ومباشراً، تأتي “أتى” لتفيد حصول الأمر بظروف أو دلالات أعمق وأشد تأثيراً. 2. المشتقات القرآنية والمفاهيم المرتبطة: التقوى والكرامة (“أتقاكم”): يربط في مقالاته بين جذر الكلمة ومشتقاتها المقاربة، مثل قوله تعالى: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات 13)، مشيراً إلى أن الإتيان بالطاعة والوصول إلى مرتبة التقوى هو المعيار الحقيقي للكرامة عند الله، وليس النسب أو الجاه. إجابة الداعي والاستجابة: يستشهد بالآيات التي تتضمن السعي والإتيان لإجابة “داعي الله”، متناولاً مفهوم الإتيان كاستجابة عملية وفعلية للمبادرات الإيمانية والاجتماعية والعمل التطوعي، وليس مجرد حضور شكلي. 3. البعد الروحي والميداني (المشاة والزيارة) إسقاط المفهوم القرآني للإتيان والسعي على الشعائر الإيمانية، كمسيرة الأربعين، حيث يُعبر “الإتيان” هنا عن المجيء القاصد والمتحمل للمشقة والجهد في سبيل الهدف الروحي.

