سبتمبر 12, 2026
LOGO

▪️معادلة الثبات والميدان: كيف تهاوت مشاريع الارتهان أمام ثبات المجاهدين؟

▪️د محمد عبدالباري الجنيد

تحليل سياسي وعسكري واستراتيجي شامل ومفصل يتناول اندحار الخصوم في الجبهات الثلاث (الساحل الغربي، والجوف ومأرب، والبيضاء)، مع الربط التاريخي بفرارهم السابق في حضرموت، وتفكيك بنية خطاباتهم ودعاويهم.

​ قراءة لغوية وأدبية رفيعة، تُبرز ثبات المجاهدين وصمودهم أمام الغارات الجوية المكثفة وتضحياتهم، وتكشف زيف الشعارات ودعاوى “الإصلاح” التي يتستر بها الخصوم.

​القراءة الكاملة للبحث والتحليل:
​المقدمة: معادلة الميدان وسقوط الرهانات الزائفة
​تظل سنن التاريخ وشواهد الميدان هي الحاكم الفاصل بين الصدق والادعاء، وبين صاحب الحق والموقف الرخو المستند إلى أوهام القوة الخارجية. إن استقراء المسارات العسكرية والأحداث الميدانية المتعاقبة يوضح بجلاء التباين الهيكلي والروحاني بين عقيدة الثبات والصمود لدى أبناء الوطن المجاهدين، وبين الهشاشة البنيوية والعجز الميداني لخصومهم الذين يتدثرون بشعارات حماسية وجوفاء لا يصمد زيفها أمام أولى جولات المواجهة الحقيقية.
​ولعل النظر المتأمل في محطات الصراع يقودنا إلى نتيجة حتمية مفادها: أن القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي والغطاء الجوي المكثف لا يمكن لها أن تصنع نصراً أو تثبت أقداماً على أرض ترتفض المستعمرين وأذنابهم، وأن العاقبة دائماً تنتهي بفرار المستأجرين واندحار المتشدقين بالدين وتركهم لعتادهم وأسلحتهم غنيمة باردة في أيدي الصامد الثابت.
​المحور الأول: قراءة في اندحار الخصوم عبر الجبهات الثلاث
​1. جبهة الساحل الغربي: تحطم الأوهام على صخرة الثبات
​مثلت جبهة الساحل الغربي أحد أكبر التجميعات العسكرية والحشود اللوجستية التي دعمها الطيران الحربي والأسطول البحري بكل إمكانياته الحديثة. وكان الرهان كبيراً على اختراق هذه الجبهة وإخضاع مدنها وقراها الساحلية. غير أن الواقع الميداني أسفر عن تحطم كل تلك المخططات؛ حيث اصطدمت تلك الحشود ببسالة استثنائية من قِبل المجاهدين الذين تثبّتوا في مواقعهم رغم القصف السجال والغارات المتواصلة. وبدلاً من أن يحقق الخصوم أهدافهم التكتيكية، انقلبت موازين المواجهة إلى استنزاف واسع لصفوفهم، واضطرارهم للاندحار والتراجع خلف خطوط الحماية التي أنشأوها.
​2. جبهتا الجوف ومأرب: تهاوي النسق العسكري وتفكك التحالفات
​في الصحاري المفتوحة وسلاسل الجبال بجمهرة الجوف ومأرب، حيث اعتمد الخصوم بشكل مطلق على التغطية الجوية المكثفة لسلاح الجو، تجلت أبهى صور الصمود. فقد اندفعت مجاميعهم المدفوعة بالدعم الخارجي والشعارات العقائدية الزائفة نحو مواضع المجاهدين، لكن سرعان ما انكسرت أرتالهم أمام الاستبسال والتخطيط التكتيكي المحكم. لقد أثبتت جبهات الجوف ومأرب أن الميدان لا يعترف بالجعجعة الإعلامية ولا بالتحشيد العقائدي المشوه، بل يخضع لمن يمتلك الإرادة، مما أدى إلى تهاوي خطوط دفاعهم وفرار قياداتهم وتشتت جمعهم في الصحارى والوديان.
​3. جبهة البيضاء: تطهير الأوكار وانكشاف الغطاء
​شكلت جبهة البيضاء محطة مفصلية في تعرية الحركات والجماعات المتشدقة بالدين، التي اتخذت من التضاريس الوعرة والمناطق النائية أوكاراً لتنفيذ أجندات مخترقة خادمة للمشروع الصهيوني والأجنبي. وبمجرد أن بدأ التحرك العسكري للمجاهدين لتطهير تلك المناطق، ظهر العجز القيادي والعملياتي لتلك الجماعات؛ فلم تصمد مواضعهم المجهزة سوى أوقات يسيرة، لتنتهي المعركة بتطهير كامل للجبهة وسقوط المقولات التضليلية التي طالما خدعوا بها البسطاء.
​المحور الثاني: الجذور التاريخية للهشاشة (من وادي حضرموت إلى الميدان المفتوح)
​إذا أردنا فهم طبيعة هذا الاندحار المتكرر، فلا بد من العودة بالذاكرة العسكرية إلى ورائها؛ وتحديداً إلى المشاهد الأولى في حضرموت. فقد أظهرت الأحداث هناك كيف تلقت تلك الجماعات والقوى المرتزقة ضربات محدودة وبضع غارات طيران، فما كان منهم إلا الفرار الجماعي والتشتت في الشعاب والوديان دون إبداء أدنى درجات الصمود أو الدفاع عن مواضعهم، بل لم يصمدوا حتى لسويعات معدودة.
​هذه الظاهرة تعكس “عقيدة المرتزق” الذي يقاتل من أجل أجر أو توجيه خارجي، وليس عن عقيدة راسخة أو قضية عادلة. إن شواهد التاريخ تؤكد أن من يتلقى دراسته وتوجيهاته في محاريب الغرب ومؤسسات الصهيونية العالمية لا يمكن له أن يحمل روحية التضحية، بل يمتلك سيكولوجية الجبان الذي يفر عند أول امتحان حقيقي.
​ويرتبط هذا السلوك بما جاء في المحكم القرآني في وصف هذه النموذجية النفسية:
​﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾
​فهؤلاء لا يمتلكون الشجاعة للمواجهة المباشرة أو الثبات على الأرض؛ إنما يتحصنون بالعتاد الأجنبي والدعم الجوي، وإذا ما تقطعت بهم أسباب هذا الدعم أو واجهوا إرادة صلبة، دبت الخلافات في صفوفهم، وظهرت انقساماتهم الداخلية، فرأيتهم يحسبون أنفسهم كتلة واحدة بينما قلوبهم وأهدافهم شتى.
​المحور الثالث: ملحمة ثبات المجاهدين وسقوط غطاء الطيران الحديث
​إن الشاهد الحي والملموس في معارك اليوم يتجسد في الثبات الأسطوري لأبنائنا المجاهدين. لقد أُمطرت مواقعهم وأنساقهم بأحدث المظلات الجوية والطائرات الحربية المقاتلة عبر غارات مكثفة ومتواصلة لا تتوقف، استمرت لأيام وأسابيع طويلة بهدف كسر إرادتهم وزحزحة أقدامهم.
​ومع ذلك، أثبت المجاهدون أنهم كالجبال الراسيات التي لا تهزها الرياح ولا تنال منها القوة الغاشمة:
​الصمود الفولاذي: الامتناع عن الانكسار واستيعاب الضغط الجوي والناري الكثيف.
​المبادأة والانتقال للزحف: لم يكتفِ المجاهدون بالدفاع الثابت، بل تحولوا إلى الهجوم والتقدم نحو مواقع الخصوم وخطوطهم الخلفية.
​سقوط التكتيكات الغربية: إثبات أن التكنولوجيا العسكرية الحديثة تقف عاجزة أمام العقيدة الميدانية القوية والمؤمنة.
​أما أولئك المتنطعون باسم الدين، الذين يرفعون الشعارات الجوفاء ويضللون الناس و”يبغونها عوجاً”، فقد لاحقهم العار والهزيمة في كل ساحة. وتبين للعامة والخاصة أن شعاراتهم ليست سوى غطاء لتمرير مشاريع التفتيت والهيمنة.
​المحور الرابع: الرؤية المستقبلية واستشراف المآلات
​إن مسار الأحداث والحتميات الميدانية يشير بوضوح إلى السيناريو المستقبلي لتلك القوى والمجموعات:
​دوانم الفرار: يستمر نموذج الفرار المنظم والتراجع الذليل كلما اشتدت المواجهة أو انكشف غطاؤهم؛ حيث سيظلون يفرون من الضربات والمواجهات المباشرة كالجرذان الجحيرة التي لا تملك قرارها.
​ترك العتاد والأثقال: كما حدث في كل الجبهات السابقة، سيخلف هؤلاء وراءهم أسلحتهم الحديثة وعتادهم المتطور ومخازن ذخائرهم لتكون غنيمة باردة وصافية بأيدي المجاهدين، تسهم في تعزيز قوتهم وتطوير قدراتهم العسكرية.
​التآكل الذاتي: تتسارع حالة الانهيار الداخلي لصفوف الخصوم نتيجة فقدان الثقة بين القيادات والقواعد، والشعور الدائم بأنهم مجرد أدوات تُستغل لمآرب خارجية ثم يُضحى بها عند أول تسوية أو انكسار.
​الخاتمة
​إن التاريخ لا يرحم الأدوات، والواقع الميداني لا يعترف إلا بالصادقين الثابتين على أرضهم. لقد أثبتت المعارك في الساحل الغربي، والجوف، ومأرب، والبيضاء، ومن قبلها حضرموت، أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن التهويل الإعلامي والغطاء الجوي لا يمكنهما منح الشرعية أو النصر لمن باع قضيته واستكان للمشروع الأجنبي. وتظل تجربة أبنائنا المجاهدين صرحاً شامخاً في الثبات والبطولة، تنير الطريق نحو انتصار الناصرين وسقوط المتشدقين والمفسدين إلى غير رجعة.