سبتمبر 12, 2026
LOGO

الجنَّة دار جعلها اللّه تعالى مستقرّاً لمن أطاعه، “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ” (البروج11). الوصف العام للجنَّة: لأنَّ الجنَّة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولأنَّها كما قال تعالى: ﴿”لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (السجدة 17). فلذلك فإنَّ الله تعالى لا يصف الجنة بما هو واقعها، وإنَّما يصفها على نحو التقريب فيقول عزَّ وجلَّ: “مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ” (الرعد 35). ويقول في آية أخرى: “مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ” (محمد 15).

خصائص نعيم الجنة: إنَّ الجنَّة لا تفنى ولا تبيد، والدليل على هذا ظاهر في كتاب الله عزَّ وجلَّ، قال تعالى عن الجنة: “عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ” (هود 108)، وقال سبحانه: “إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ” (ص 54)، وقال عزَّ وجلَّ: “أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا” (الرعد 35)، وقال تعالى عن فاكهة الجنَّة: “لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَة” (الواقعة 33). ويقول الحقُّ سبحانه عن خمر أنهار الجنة: “فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ * بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ” (الصافات 43-47). أي: أنَّه سبحانه ينفي عن خمر أنهار الجنَّة كل المكدرات التي تشوب خمر الدنيا.

درجات الجنَّة: للجنَّة درجات بعضها فوق بعض، وأهلها متفاضلون فيها بحسب منازلهم فيها، قال الله تعالى: “وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى” (طه 75). ويقول سبحاته وتعالى في آية أخرى: “انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا” (الإسراء 21).

غرف الجنَّة: يقال (غرفة) للشيء الذي يـرفـع ويتناول ثم أطلق ذلك على القسم العلوي للبناء (الغرفة كما قيل: البناء فوق البناء فهو الدرجة العالية من البيت وهي كناية عن الدرجة العالية في الجنَّة). وللجنَّة غرف فوق بعضها كما في جاء في القرآن الكريم: قال تعالى: “لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ” (الزمر 20).

نساء الجنة: ذكر تعالى أوصافاً عديدة لنساء الجنَّة، إذ يقول عزَّ من قائلٍ في محكم آياته: “كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ”(الرحمن 58)، والياقوت حجر كريم ثمين جداً، وهناك الياقوت الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر، ومن خصائصه أنَّ كثرة مسِّه ولمسه لا تعدمه بريقه وتألَّقه. وأحد دواعي تشبيه الحور بالياقوت هو جانب الصفاء والتألق، أما الجانب الثاني في علَّة تشبيه الحور بالياقوت فهو جانب اللون، فهن حمراوات كالياقوت، بيضاوات كالمرجان. ويقول تعالى في وصف الحور العين: “وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُون” (الواقعة 22-23). (حور) جمع (حورا) و(احور)، وعلى قول الكثير من أرباب اللغة والمفسِّرين (شدة بياض العين في شدة سوادها) وهذا غاية جمال العين، ولقد فسَّره البعض ببياض جميع الجسم، أمَّا كـلـمـة (عـيـن) جمع (أعين)، (على وزن أفضل)، و(عيناء) في الأصل بمعنى العين الـوسـيعة، وتطلق هذه الكلمة على المرأة التي تمتلك عينين واسعتين جميلتين وجذابتين، أو الرجل كذلك. إنَّ الحور العين تتصف بجميع الصفات والمحاسن وحسن الظاهر والباطن والفضائل الجسمانية والروحانية والأخلاقية، وبذلك فيتصفن بكل ما هو حسن. ويقول جلَّ وعلا في وصفهن: “فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ” (الرحمن 56- 58). ويقول سبحانه وتعالى أيضاً “وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة 25). فكما يدلَّ التعبير على نقائها وصفائها من كل النقائص والأقذار الجسمية والـخـلقية، كذلك يشمل أيضا نزاهتها من العيوب والأدران المعنوية والخلقية، فالزوجة في الآخرة مطهَّرة من كل ما يكرهه الزوج فيها، وما لم يحبَّه في الدنيا يختفي. ومن صفاتهن ما في قوله تعالى: “إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا” (الواقعة 35-37). أي خلقناهن عذارى، كلما آتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً، ويستفاد من بـعـض الـروايات وكلمات المفسرين أنَّ هذه الحالة حالة دائمة لا تتغير، و (عُرُب) أي متحننات على أزواجهنَّ متحبِّبات إليهم، وقـيـل: عـاشـقـات لأزواجهنَّ، وقيل: العروب، اللعوب مع زوجها، وفسَّرها البعض أيضا بمعنى الدلال.

متاع أهل الجنة وملبسهم: وأما لباس أهلها، فهو الحرير والذهب والسندس والإستبرق، قال تعالى: “وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ” (الحج 23)، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا” (الكهف 31). وأما فرشها، فمن إستبرق مفروشة في أعلى الرتب،يقول سبحانه وتعالى: “مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ” (الرحمن 54). وأما الأرائك فهي الأسرَّة “فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ* وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ* وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ”(الغاشية 13-16).

أنهار الجنَّة وعيونها: وهي مطلب لراحة النفس في الدنيا على ما فيها من مكدرات، فكيف إذا كانت في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد تكرر في القرآن الكريم في عدة مواضع قوله تعالى “جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ” (البقرة 25). وهذا يدلّ على أنَّها أنهارٌ حقيقية، وأنَّها جارية لا واقفة، وأنَّها تحت قصورهم، وقد ذكر تعالى في آية واحدة أربعة أجناس من الأنهار قال عزَّ وجلَّ: “مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ” (محمد 15).