سبتمبر 18, 2026
FB_IMG_1789707379533

من يحرس حق المريض ويرفع جودة الخدمة العامة… إذا لم نجد الطبيب
✍️ محمد فخري المولى
بغداد ايلول ٢٠٢٦

تحولت زيارة وزير الصحة المفاجئة، في ساعة متأخرة من الليل، إلى أحد أبرز الموضوعات المتداولة في الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي
الوزير الذي اعتاد المواطنون أن يروا حضوره في الميدان انتقل هذه المرة من مكتبه إلى أحد المستشفيات الحكومية بعيدًا عن أجواء الدوام الرسمي ليجد واقعًا مختلفًا عمّا يفترض أن تكون عليه الخدمة الصحية.
المشكلة ليست في الزيارة المفاجئة بحد ذاتها، فالرقابة الميدانية مطلوبة
بل في أن تكشف زيارة واحدة تفاصيل يفترض أن تكون معروفة لدى حلقات الإدارة والرقابة قبل وصول الوزير
هنا يبدأ السؤال الأهم
إذا كان أعلى مسؤول عن القطاع الصحي يستطيع الدخول ليلًا إلى مستشفى حكومي ولا يجد الطبيب في موقع عمله
فماذا يحدث في المؤسسات الصحية الأبعد عن مركز القرار والادارة؟

المريض لا يعنيه من هو الوزير أو المدير العام أو مدير المستشفى أو رئيس القسم. ما يعنيه ببساطة
أن يجد طبيبًا يستقبله وممرضًا يؤدي واجبه وكادرًا صحيًا يقدم له الخدمة التي يحتاجها في الوقت المناسب
فالمرض لا ينتظر ساعات الدوام الرسمي والطوارئ لا تعرف معنى التأجيل.

الخدمة الطبية والصدفة
الأكثر أهمية من حادثة الغياب نفسها هو السؤال هل أصبح الحصول على الخدمة الطبية مرتبطًا بالمصادفة أو بوجود زيارة تفتيشية؟
إذا كانت الإجابة نعم
فنحن أمام مشكلة تتجاوز غياب موظف أو طبيب لتصل إلى أداء المؤسسة وجودة الخدمة وآليات الرقابة.

الخدمة العامة لا ينبغي أن تعمل عندما يحضر المسؤول ثم تتراجع عندما يغادر
والرقابة الناجحة ليست التي تكشف الخلل بعد وقوعه وإنما التي تمنع حدوثه أصلا
هذه ليست مشكلة جديدة في الإدارة العامة
إذ إن انخفاض الإنتاجية وعدم الإنجاز يرتبطان في بعض المؤسسات بخلل
متراكم في ثقافة العمل والمساءلة
وفي ظل التخمة الوظيفية التي تجعل الحضور أحيانا هدفا بحد ذاته
بدل أن يكون مقدمة لإنجاز حقيقي.

لكن… وما أدراك ما لكن.
الصحة ليست دائرة اعتيادية
هل يصح أن تتدنى خدمات القطاع الصحي؟
الإجابة تبدأ من حقيقة أساسية
الصحة خدمة إنسانية بالدرجة الأولى وهي من أكثر قطاعات الدولة حساسية وخطورة شأنها في ذلك شأن قطاعات الأمن والدفاع والخدمات الحيوية الأخرى
فالخطأ في بعض القطاعات قد ينتج عنه تأخير أو خسارة مالية
أما في القطاع الصحي فقد تكون النتائج مرتبطة بحياة إنسان
لهذا نرى الأخبار التي تتحدث عن فريق طبي أنقذ مريضًا في حالة حرجة،
أو عملية عاجلة أعادت الأمل إلى إنسان، تتحول سريعا إلى أخبار متداولة وإشادة بالكادر الطبي.
وهذا هو الوجه الآخر للمشهد
فالإنصاف يقتضي ألا تتحول حادثة واحدة إلى إدانة جماعية للقطاع الصحي أو للأطباء فقد يكون للغياب مبرر قانوني أو تكليف رسمي أو ظرف طارئ، لذلك فإن التحقيق المهني والشفاف هو الطريق الصحيح: فلا يُظلم الملتزم، ولا يُترك المقصر بلا حساب.

الزيارة المفاجئة تكشف… لكنها لا تعالج
الزيارات المفاجئة مهمة لكنها ليست حلاً كاملا
الرقابة الحقيقية هي أن يؤدي الموظف واجبه سواء حضر الوزير أم لم يحضر لأن الالتزام بالقانون ينبغي أن يكون نابعا من قناعة مؤسسية
لا من الخوف من التفتيش.
من هنا تفتح الحادثة بابا أوسع من مجرد السؤال عن طبيب غائب
هل الخلل في الأشخاص
أم في النظام الإداري
هل نحتاج إلى مزيد من العقوبات فقط
أم إلى تطوير آليات المتابعة وقياس الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة
وماذا عن نظام البصمة وهل يعمل بكفاءة وهل يمكن التحايل عليه
وهل الحضور المسجل يعني بالضرورة وجود الموظف في موقع الخدمة طوال الوقت؟
كل هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة وشفافة
بعيدا عن المتاهات الإدارية والفنية.
البداية الواقعية يجب أن تكون من تشخيص الخلل الإداري والفني وفق معايير الجودة والحوكمة الرشيدة والذكية لإدارة المؤسسات والخدمات العامة.

لماذا يغيب الطبيب؟
قد تبدو الإجابة سهلة: تقصير، إهمال
أو انعدام ضمير.
لكن اختزال المشكلة بهذه الطريقة قد يكون تبسيطا لواقع أكثر تعقيدا
هناك أسباب ينبغي بحثها بموضوعية ومنها:
أولًا: ازدواجية العمل
فبعض الأطباء يعمل صباحا في المستشفى الحكومي ثم ينتقل إلى عيادته الخاصة أو إلى مستشفى أهلي وعندما تتعدد مواقع العمل
قد يتحول المستشفى الحكومي عند البعض إلى محطة لتسجيل الحضور بدل أن يكون موقعا فعليا لتقديم الخدمة.
ثانيًا: ضعف الحافز والمساءلة.
عندما يتساوى الملتزم والمقصر في الراتب والمخصصات والترقية
تصبح العدالة الوظيفية موضع سؤال. والأسوأ عندما تكون المحاسبة انتقائية أو موسمية تنشط بعد حادثة أو فضيحة إعلامية ثم تتراجع.
وفي المقابل قد يجد الطبيب الملتزم نفسه مضطرا إلى تغطية غياب زملائه، فيتحمل عبئا إضافيا بصمت.
ثالثًا: بيئة العمل.
نقص بعض الأدوية والمستلزمات، وتعطل الأجهزة واكتظاظ المرافق والاعتداءات التي يتعرض لها العاملون في القطاع الصحي
كلها عوامل يمكن أن تؤثر في الأداء وتحتاج إلى معالجة مؤسسية
وهنا يجب التفريق بين تبرير الغياب وبين فهم أسبابه ففهم السبب
هو الطريق إلى العلاج وليس إعفاء المقصر من المسؤولية.

المواطن هو من يدفع الفاتورة
في النهاية، المواطن هو الحلقة الأضعف
فعندما لا يجد الطبيب في المستشفى الحكومي أو لا يحصل على الخدمة التي يحتاجها في الوقت المناسب
فإنه يبحث عن البديل وغالبًا ما يكون القطاع الخاص هنا تظهر المفارقة
المؤسسة الخاصة تراقب الخدمة
لأن هناك إدارة ومراجعا وسمعة ومقابلا ماليا، بينما يفترض بالمؤسسة الحكومية أن تقدم الخدمة بكفاءة حتى من دون وجود هذه الضغوط التجارية، لأن المال العام هو الذي يمولها والمواطن هو صاحب الحق فيها.

المستشفى بلا طبيب… صورة أكبر
المستشفى بلا طبيب ليس مجرد حادثة منفردة بل يمكن أن يكون أنموذجا مصغرا لمشكلة الخدمة العامة
عندما تنفصل الوظيفة عن المسؤولية.
دائرة بلا موظف، مدرسة بلا معلم، شارع بلا خدمة، ومؤسسة بلا إنتاج… كلها صور مختلفة لمرض واحد
خدمة عامة بلا روح عامة.
فالوظيفة العامة ليست مجرد راتب
أو عنوان وظيفي أو حضور في سجل إلكتروني إنها مسؤولية وواجب ووقت يُستقطع من عمر المواطن ومال الدولة لتقديم خدمة يستحقها الناس.
لذلك فإن زيارة وزير الصحة في منتصف الليل ينبغي ألا تنتهي عند حدود صورة أو خبر أو محاسبة فرد.

السؤال الحقيقي هو هل ستكون هذه الزيارة بداية لإصلاح مؤسسي يعالج أسباب الخلل أم مجرد حادثة تتصدر الأخبار أيامًا ثم يطويها النسيان؟
الدول الناجحة لا تُبنى على الاجتهادات الفردية ولا تنتظر حضور الوزير لاكتشاف غياب الطبيب
إنها تُبنى على مؤسسات تعمل بالقواعد نفسها وبالمعايير نفسها وفي كل الأوقات.
فعندما يدخل المواطن إلى المستشفى فيجد الخدمة التي يحتاجها
سواء كان الوزير موجودا أم غائبا
عندها فقط يمكن القول إن الإصلاح بدأ بالفعل
لكن أن نحتاج إلى وزير يتحول ليلا إلى مفتش حتى نكتشف أن الطبيب غير موجود فهذه ليست مشكلة طبيب فقط…بل سؤال كبير عن جودة الخدمة العامة ومنظومة الرقابة وثقافة المسؤولية.

ختاما
المستشفى بلا طبيب هو
أنموذج مصغر لدائرة بلا موظف ومدرسة بلا معلم
وشارع بلا تنظيف ووو
كلها نفس المرض
خدمة عامة بلا روح عامة وشعور بالمسؤولية ووظيفة عامة تحولت
من واجب بروح وطنية ومواطنة إلى غنيمة دون وخزة ضمير بسيطة.

تقديري واعتزازي
✍️ #محمد_فخري_المولى
مجموعة
#العراق_بين_جيلين ١
https://chat.whatsapp.com/DvjwsbOy8Lr5kU84dPidAt?s=cl&p=a&ilr=4

#العراق_بين_جيلين ٢
https://chat.whatsapp.com/HyhpIgkknjjGl8ZW4xDuZi?s=cl&p=a&ilr=4