
مع الاعتذار للأستاذ سامي المظفر
غربة القامات وسوسيولوجيا العجز المؤسسي
✍️ محمد فخري المولى
بغداد أيلول ٢٠٢٦
نعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وزيرها الأسبق الأستاذ الدكتور سامي المظفر الذي رحل في ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في بغداد عن ٨٥ عاما
الخبر في ظاهره نعي أكاديمي لرجل أنهى دورته الطبيعية في الحياة
لكنه في عمقه يكشف عن ظاهرة اجتماعية عراقية مزمنة
يمكن تسميتها بـ غربة القامات والرموز
سيزة مطرزة بالنجاح لابن البصرة المولود عام ١٩٤٠ الذي تخرج بدرجة شرف من جامعة بغداد والحاصل على دكتوراه الكيمياء الحياتية من جامعة فرجينيا بوليتكنك عام ١٩٦٧ في هرمونات الغدة الدرقية
مسار وتدرج رصين من مدرس في البصرة إلى عميد كلية إلى أول رئيس لجامعة بغداد عام ٢٠٠٣ ثم وزير للتربية وهي من عمقت معرفتي به ثم وزير للتعليم العالي
عُرف باستقلاليته وعدم انتمائه الحزبي نشر أكثر من ٣٠٠ بحث وألف ٥٠ كتاباً وأشرف على أكثر من ١٥٠ رسالة ماجستير ودكتوراه وفي إدارته ضاعف موازنة الوزارة واستحدث ١٢٠ ألف درجة وظيفية وأطلق بعثة الـ ١٥٠٠ طالب
هذه السيرة ليست مجرد إنجاز فردي
بل هي رأس مال رمزي للدولة
سوسيولوجيا العجز
علم الاجتماع (Sociology) هو الدراسة العلمية للمجتمع والسلوك الاجتماعي والعلاقات والمؤسسات التي تشكل حياة الأفراد
هنا يبدأ التحليل البنيوي لا الانطباعي
لماذا نجد أنفسنا اليوم نكتب اعتذاراً ولماذا تتكرر عبارة ليس بيدنا حيلة
بهذا الحدث وبعشرات الحوادث والاحداث المتشابهة تُردد على ألسنة آلاف من تلاميذه ومحبيه وحتى المتابعين
الاعتذار هنا ليس فعلاً أخلاقياً فردياً
بل هو تشخيص لخلل بنيوي في علاقة المجتمع العراقي برموزه
لذا نحن أمام ثلاث لبَنات متداخلة تفسر هذه الغربة
أولا. خصخصة الوفاء وغياب المؤسسة
خصخصة الوفاء عبارة انضمت لقامرس المفردات الخاص بي حديثا وهي ذات اثر كبير فقد تحولت رعاية الرموز من واجب مؤسسي للدولة والجامعة والنقابة إلى عبء عاطفي فردي يقع على التلاميذ والأصدقاء والمعارف
المظفر وقد سبقه العديد ومنهم
د جليل الخفاجي هذا ما تسعفنا به الذاكرة لم يكن يحتاج في سنواته الأخيرة من يسرد إنجازاته
كان يحتاج إلى نظام رعاية يحفظ ذكرى العالم بعد تقاعده عندما تغيب الأطر المؤسسية التي تكفل الرعاية الصحية والمعنوية والرمزية للقامات الوطنية يصبح العالم رهناً لتقلبات الظرف الشخصي ومزاج العلاقات الخاصة وهذا هو جوهر القصور المؤسسي.
ثانياً، مفارقة الرمز المستقل في نظام مسيس في بيئة ما بعد ٢٠٠٣
حيث أصبح الانتماء السياسي هو مفتاح الحماية والرعاية والاستمرار
يجد الأكاديمي المستقل نفسه خارج شبكات الحماية
استقلالية المظفر التي كانت مصدر فخره الأكاديمي تحولت بنيوياً إلى عامل هشاشة اجتماعية في لحظات الضعف الإنساني
النظام يكافئ المنتمي ويترك المستقل لمحبة محبيه والمحبة وحدها لا تبني مستشفى ولا تفتح باباً لبيت.
ثالثاً، ثقافة التكريم المتأخر
يميل مجتمعنا إلى تحويل التقدير من ممارسة يومية حية سؤال، زيارة، حضور
إلى طقس جنائزي بعد الفوات
نحن نكرم العلماء بعد رحيلهم ونبخل عليهم بالسؤال وهم بيننا
هذه ليست قسوة فردية بل هي بنية ثقافية تتعامل مع الرمز كذكرى وليس كحياة مستمرة تستحق الرعاية.
لحظات تامل
هناك لحظات في حياة النخب والقامات الفكرية والأكاديمية تتبدل فيها المواقع وتتوارى أضواء المنصات لتكشف عن حقيقة إنسانية شديدة الألم
حين يجد القائد أو العالم او الرمز نفسه في مواجهة ظروفٍ أو محنٍ يحتاج فيها إلى سند محبيه
لكن هؤلاء المحبين لا يملكون سوى العجز وقلة الحيلة
أحياناً لا يكون غياب الإنسان سببه أنه لا يريد أن يكون حاضراً، بل لأن الظروف أكبر من الرغبة والقدرة أقل من الحاجة والواقع يفرض منطقه حتى على من نحب ونحترم.
بناء جسر بين الاجيال
كيف نستفيد من خبرة الأكاديمي بعد تقاعده او كيف نبني جسراً بين الأجيال العلمية او كيف تتحول مكانة الأستاذ من لقب إلى علاقة مستمرة
الاهم كيف نجعل تكريم العلماء والنخب ممارسة في حياتهم
لا طقساً بعد رحيلهم؟
هذه الأسئلة أهم من الرثاء نفسه.
فالراحل لا يحتاج منا شيئاً
أما الأحياء من أمثاله فهم الذين يحتاجون أن نلتفت إليهم
ففي كل جامعة اليوم أستاذ كبير يحمل عشرات السنين من الخبرة
وفي كل مؤسسة علمية باحثون صنعوا أجيالاً
وفي كل بيت ربما يوجد أستاذ أو معلم أو طبيب أو مهندس ترك أثراً في حياة الآخرين
علينا ان نجد استثمار لهذه الخبرات.
الاعتذار للأستاذ سامي المظفر في هذا الموقف يتجاوز البعد الأكاديمي والمهني ليتحول إلى اعتذار وجداني صادق الاعتذار من يدٍ قصيرة وعينٍ تبصر الحاجة
لكنها لا تملك تغيير الواقع ومن مجتمعٍ أو منظومةٍ كثيراً ما تترك رجالاتها الذين خدموها عقوداً يخوضون معاركهم الإنسانية أو الصحية أو المعنوية بأجسادهم الخاوية وأرواحهم المتعبة دون أن تملك القاعدة العريضة من المحبين والتلامذة سوى حسرة الوقوف على النافذة لغياب الأطر المؤسسية والأكاديمية التي تكفل للرموز الوطنية كرامتهم ورعايتهم في أوقات الحاجة بحيث لا يترك الأستاذ والرمز رهناً لتقلبات الظروف.
الاعتذار هنا ليس مجرد مجاملة بل هو اعترافٌ بشرف المكاشفة بأننا في زمنٍ قسَت فيه الظروف حتى غدا أكثر الناس وفاءً أصغرهم قدرة على الفعل.
اليوم، لا نملك إلا حيلتين
الدعاء والوفاء لذكراه
بأن نحفظ كتبه ومنهجه
اللهم ارحم عبدك سامي عبد المهدي المظفر، الذي أفنى عمره في المختبر والقاعة والوزارة واغفر له ولنا تقصيرنا نحن محبيه الذين لم نكن بقربه كما يجب.
إنا لله وإنا إليه راجعون
حقا انها غربة القامات… حين يتحول الوفاء الفردي إلى عجز.
تقديري واعتزازي
مسؤول مؤسسة
✍️ #محمد_فخري_المولى
#العراق_بين_جيلين ١
https://chat.whatsapp.com/DvjwsbOy8Lr5kU84dPidAt
#العراق_بين_جيلين ٢
https://chat.whatsapp.com/HyhpIgkknjjGl8ZW4xDuZi




