
واحد، اثنان، ثلاثة
عفاف البعداني
بكتفين عريضين، وسواعد لم تنهكها الطريق، ثياب توحد لونها مع الصحراء، توهج عباب عز على الغبار حمله فمسحته الملائكة، احتشمت لقدومه الحقائب، فصارت تُربي كُدمها على البركة، قليل من الزاد، وكثير من الاحتمال.
وهذا الشعور لا تعرف مدى لذته عندما تفكر بالقسوة ، وعندما تملك روحا تمشي بلا أصابع، فحين يصبح الجسد أقل أهمية من الغاية، تكتشف أن الإنسان يستطيع أن يتجاوز حدود جسده، وأن يواصل السير حتى حين لا يبقى في قدميه شيء من القوة.
تأملوهم جيدا؟! إنهم يفكرون خارج بقعتنا التفكيرية؛ فالمجاهد لا يمشي لنفسه وحدها، الكل يحمي الواحد، والواحد حين يحتاج، يجد الكل، ومن هنا أصبح الطريق شيئا آخرا، فالجبل نفسه ليس ممرا، وإن بدا كذلك، وليس طريقا، وإن اضطروا إلى تسميته طريقا، إنه امتحان طويل لعزيمتهم.
وجميعهم لا يحتاجون إلى الضوء؛ لأنهم مصابيح كونية، الظلام يفر منهم جنوبا وشمالا، ليقدموا لنا نصيبا من الفطرة والإنسانية التي لا تشيخ، فعلى سفح مهجور، وتشققات صغيرة ظهروا في قلب الجبل، تأرجحت أجسادهم، تعلقت، لكنها نجت. كتف تمدد، وآخر بثبات وقف عليها، وآخر يرتق العودة إلى الأرض.
لمن البطولة؟ من الذي نزل الأول؟ وكيف يبدو المشهد عن قرب؟ كل هذا آخر همهم، فكل بطولة لا يعرف لها صاحب ولا اسم، قد يكون ظاهر الأمر ثلاثة، لكنها بطولات مكثفة لألف يد وقلب وكتف،عهد سماوي شهده الكون، فارتجفت منه الريح وكل طقوس الأرض.
وقد يخدعك الانتماء، فتختزل، وتبدأ بالعد من خلف هذه الشاشة:
واحد… اثنان… ثلاثة….
توقف عن العد، أيها الأبله، الجهاد يتكاثف باللحظة، إنهم يشعون، فهل تستطيع أن تقيس حجم الضوء وهو يتعاظم بين يديك الصغيرة؟
العجيب أن بعض المحطات في نفوسها أحقاد كثيرة، لم تمنحهم أي مأوى، لكنهم ظلوا حياة لكل يابسة يصلونها، لا يخيفون أحدا، لا يقتلون أحدا حتى لو اختلفوا معهم، لا يكفون عن ترديد السلام، وإن كانت الأشياء لا تتحدث معهم،
إنهم لا يعلمون أين سينامون الليلة، ولا أي حجر سيستريحون عنده، ولا كم بقي من الطريق، ومع ذلك يمشون، فالمجاهد يكفيه أن يعرف أن خلفه من لا يريد أن يتركه، وأمامه ما يستحق أن يكمل من أجله.
وفي النهاية، حين تنظر إلى الصورة من بعيد، سترى:
واحد… اثنان… ثلاثة…
لكن اقترب قليلا، ستجد أن العدد اختفى، وبقي هذا الإنسان..
#اتحاد كاتبات اليمن.