سبتمبر 20, 2026
LOGO

ثورة استعادت وطناً

البتول جبران

لم تكن ثورة، كانت صرخة شعبٍ بلغ به الألم منتهاه، وانفجار غضبٍ تراكم لسنوات طويلة تحت ركام الظلم والخضوع، ففي 21 سبتمبر عام 2014م انطلقت ثورة استعادت وطناً. قبل أن تشرق شمسها، كان اليمن جثةً ممزقة، وطنٌ يُغتال أبناؤه كل صباح، لا يكاد يمر يوم دون دمٍ يُسفك في شارع أو مسجد أو سوق، في ظل دولة غائبة لا تحمي ولا تحاسب. كان التقسيم هو المشروع، فمزقوا جسد الدولة إلى أقاليم هزيلة، خريطة رُسمت بمسطرة خارجية لا بيد الشعب، أقاليم لا تخدم وحدةً ولا تحقق عدالة، بل تزرع الفتنة وتضمن بقاء الوطن ضعيفاً قابلاً للابتلاع.

كان الشعب يعيش تحت وصايةٍ ثقيلة خانقة، قراره ليس بيده، وسيادته مرهونة في عواصم الخارج، ورئيسٌ يجلس على الكرسي شكلاً، لا يأمر ولا ينهى، إلا إذا جاءه الأمر من وراء الحدود. من رحم هذا الظلام انفجرت الثورة، وكان لها أسباب عظيمة بحجم الظلم الذي ثارت عليه، لم تكن ثورة عبثية، بل كانت ضرورة وطنية.

لقد ثار الشعب ليسقط الهيمنة الخارجية التي جعلت من القرار اليمني مجرد صدى يُدار من السفارات، ليقول إن اليمن ليس حديقة خلفية لأحد، ثار ليقتلع منظومة فساد متجذرة، شبكة من مراكز القوى المتنفذة التي نهبت الثروات وتقاسمت الدولة كغنيمة، وأفقرت الشعب وأذلته، ثار ليفشل أخطر مشروع، مشروع تمزيق اليمن إلى أقاليم متناحرة، أقاليم صُممت لتقسيم الأرض والإنسان، وتحويل اليمن الواحد إلى دويلات متنازعة يسهل التحكم بها، ثار ليؤكد الحقيقة البسيطة والعظيمة، أن اليمنيين هم وحدهم من يملكون حق إدارة شؤونهم، لا وصي عليهم ولا وكيل.

ولأنها كانت ثورة صادقة، فقد كان لها منجزات بحجم أهدافها، تحولت من شعارات إلى واقع ملموس. فمنجزها الأعظم هو انتقال اليمن من موقع التبعية والارتهان إلى موقع استقلالية القرار الوطني، أصبح قرار الحرب والسلم يمنياً خالصاً، ينبع من اليمن لا من دول الخارج.

في ظل حصارٍ خانق وعدوانٍ مستمر، بنى هذا الشعب قدراته العسكرية والدفاعية بجهود وكفاءات محلية خالصة، فبعد أن كان يستجدي السلاح، أصبح يصنعه، وبعد أن كان يُقصف بصمت، أصبح يملك القدرة على الردع وحماية سمائه وأرضه، وفي زمن الحرب الناعمة ومحاولات طمس الهويات، كان الحفاظ على الهوية الوطنية والإيمانية هو السد المنيع، فبقي اليمن يمنياً أصيلاً، متمسكاً بقيمه وأصالته في مواجهة كل محاولات التغريب والتشويه الثقافي، لقد أثبتت هذه الثورة أنها لم تكن لحظة غضب عابرة، بل كانت نقطة تحول تاريخية، نقلت شعباً من حافة الضياع والتمزق والوصاية، إلى عزة الاستقلال والقوة والكرامة. إنها ثورة لم تنتهِ ببيان، بل بدأت به، ولا تزال تكتب فصولها بيد الشعب نفسه.

#اتحاد_كاتبات_اليمن