سبتمبر 20, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

تتجلى علاقة تخفيف العقاب والرحمة في آية القصاص في قول الله تعالى من سورة البقرة، الآية 178: “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ” (البقرة 178). إذ شرع الله القصاص حقاً للعدل، ثم جعل العفو وقبول الدية أو ترك الدم باباً للرحمة والتخفيف على الناس. مفاهيم التخفيف والرحمة في الآية: التخفيف: هو إباحة الانتقال من عقوبة القتل (القصاص) إلى أخذ الدية (المال) أو العفو التام، وهو تسهيل لم يكن موجوداً بمثل هذه المرونة في بعض الشرائع السابقة. الرحمة: هي ما يزرعه الله في قلوب عباده من تسامح وتعاطف، حيث يُبدل وليُّ المقتول حقَّ الانتقام بالصفح والإحسان. حفظ النظام العام: شرع القصاص نفسه لتحقيق الحياة والأمن للمجتمع بمنع الجريمة قبل وقوعها، فالعلاقة تكاملية بين ردع الجاني ورحمة المجتمع.

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ﴿البقرة 178﴾ وقوله “فمن عفي له من أخيه شيء” فيه قولان (أحدهما) أن معناه من ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد من أخيه أي من دم أخيه فحذف المضاف للعلم به وأراد بالأخ المقتول سماه أخا للقاتل فدل أن أخوة الإسلام بينهما لم تنقطع وإن القاتل لم يخرج عن الإيمان بقتله وقيل أراد بالأخ العافي الذي هو ولي الدم سماه الله أخا للقاتل وقوله “شيء” دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سقط القود لأن شيئا من الدم قد بطل بعفو البعض والله تعالى قال “فمن عفي له من أخيه شيء” ﴿البقرة 178﴾ والضمير في قوله “له” وفي “أخيه” كلاهما يرجع إلى من وهو القاتل أي من ترك له القتل ورضي منه بالدية هذا قول أكثر المفسرين قالوا العفو أن يقبل الدية في قتل العمد ولم يذكر سبحانه العافي لكنه معلوم أن المراد به من له القصاص والمطالبة وهو ولي الدم، والقول الآخر: أن المراد بقوله “فمن عفي له” ﴿البقرة 178﴾ ولي الدم والهاء في أخيه يرجع إليه وتقديره فمن بذل له من أخيه يعني أخا الولي وهو المقتول الدية ويكون العافي معطي المال ذكر ذلك عن مالك ومن نصر هذا القول قال أن لفظ شيء منكر والقود معلوم فلا يجوز الكناية عنه بلفظ النكرة فيجب أن يكون المعنى فمن بذل له من أخيه مال وذلك يجوز أن يكون مجهولا لا يدري أنه يعطيه الدية أو جنسا آخر ومقدار الدية أو أقل أو أكثر فصح أن يقال فيه شيء وهذا ضعيف والقول الأول أظهر وقد ذكرنا الوجه في تنكير قوله “شيء” هناك وأما الذي له العفو عن القصاص فكل من يرث الدية إلا الزوج والزوجة عندنا وأما غير أصحابنا من العلماء فلا يستثنونهما، وقوله “فاتباع بالمعروف” ﴿البقرة 178﴾ أي فعلى العافي اتباع بالمعروف هي أن لا يشدد في الطلب وينظره إن كان معسرا ولا يطالبه بالزيادة على حقه وعلى المعفو له “وأداء إليه بإحسان” أي الدفع عند الإمكان من غير مطل وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام وقيل المراد فعلى المعفو عنه الاتباع والأداء وقوله “ذلك” إشارة إلى جميع ما تقدم “تخفيف من ربكم ورحمة” ﴿البقرة 178﴾ معناه أنه جعل لكم القصاص أوالدية أو العفو وخيركم بينها وكان لأهل التوراة القصاص أو العفو ولأهل الإنجيل العفو أوالدية وقوله “فمن اعتدى بعد ذلك” ﴿البقرة 178﴾ أي بأن قتل بعد قبول الدية أو العفو عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام وقيل بأن قتل غير قاتله أو طلب أكثر مما وجب له من الدية وقيل بأن جاوز الحد بعد ما بين له كيفية القصاص قال القاضي ويجب حمله على الجميع لعموم اللفظ “فله عذاب أليم” في الآخرة.

وعن تفسير الميسر: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ﴿البقرة 178﴾ يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله، بشرط المساواة والمماثلة: يُقتل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها. فمن سامحه ولي المقتول بالعفو عن الاقتصاص منه والاكتفاء بأخذ الدية -وهي قدر مالي محدد يدفعه الجاني مقابل العفو عنه- فليلتزم الطرفان بحسن الخلق، فيطالب الولي بالدية من غير عنف، ويدفع القاتل إليه حقه بإحسان، مِن غير تأخير ولا نقص. ذلك العفو مع أخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة بكم؛ لما فيه من التسهيل والانتفاع. فمَن قتل القاتل بعد العفو عنه وأَخْذِ الدية فله عذاب أليم بقتله قصاصًا في الدنيا، أو بالنار في الآخرة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة 178) “يا أيها الذين منوا كُتب” فرض “عليكم القصاص” المماثلة “في القتلى” وصفا وفعلا “الحر” ولا يقتل بالعبد “والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى” وبيَّنت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا “فمن عفي له” من القاتلين “من” دم “أخيه” المقتول “شيء” بأن ترك القصاص منه، وتنكيرُ شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطُّف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر “فاتِّباع” أي فعل العافي إتباع للقاتل “بالمعروف” بأن يطالبه بالدية بلا عنف، وترتيب الإتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورجح “و” على القاتل “أداء” الدية “إليه” أي العافي وهو الوارث “بإحسان” بلا مطل ولا بخس “ذلك” الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية “تخفيف” تسهيل “من ربكم” عليكم “ورحمة” بكم حيث وسَّع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية “فمن اعتدى” ظلم القاتل بأن قتله “بعد ذلك” أي العفو “فله عذاب أليم” مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ﴿البقرة 178﴾ “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ” ﴿البقرة 178﴾، الضميران في له وأخيه يعودان إلى القاتل، أما لفظة شيء فإنها تدل على ان ولي الدم إذا عفا عن شيء يتعلق بالقاتل، كالعفو عن قتله، والرضا بأخذ الدية فينبغي ان يقابل القاتل هذا العفو بالمعروف، وقيل: ان لفظة شيء تشعر بأن الورثة إذا تعددوا، وعفا واحد منهم عن القاتل سقط القصاص، حتى ولو أصر بقية ورثة المقتول على القتل، ومهما يكن، فان اللَّه سبحانه جعل لولي الدم حق القصاص من قاتل العمد، وليس له أن يلزم القاتل بالدية إذا قدم نفسه للقتل، ولا للقاتل أن يلزم ولي المقتول بأخذ الدية إذا أصر على القتل قصاصا،، ولهما معا أن يتفقا ويصطلحا على مبلغ من المال بمقدار الدية، أو أقل، أو أكثر عوضا عن القصاص، فإذا تم مثل هذا الاتفاق أصبح لازما، ولا يجوز العدول عنه، وعلى ولي المقتول أن يطالب القاتل ببدل الصلح بالمعروف، فلا يشدد ويضيق في الطلب، أو يطلب أكثر من حقه، وعلى القاتل أن يؤدي المال بإحسان، وبلا مطل وبخس وأذى، “ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ ورَحْمَةٌ” ﴿البقرة 178﴾، أي ان الحكمة من تشريع الدية بدلا عن القصاص هي التخفيف عنكم، والرحمة بكم، “فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ” ﴿البقرة 178﴾، كان بعض أهل الجاهلية إذا عفوا وأخذوا الدية، ثم ظفروا بعد ذلك بالقاتل قتلوه، وجمعوا بين القتل وأخذ الدية، فنهى اللَّه عن هذا الاعتداء، وتوعد فاعله بالعذاب الأليم، وقال جماعة من المفسرين: يتحتم على الحاكم أن يقتل من قتل القاتل بعد العفو عنه، حتى ولو بذل الدية، ورضي بها ولي المقتول،، وهذا القول مجرد استحسان لا تدل الآية عليه من قريب ولا بعيد،