سبتمبر 24, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين التَّرْك والإِعْرَاض، فكلاهما يُعبر عن التخلي والتخلّف عن الشيء أو العزوف عنه، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في المقصد النفسي، والوجهة والاتجاه، والموقف الوجداني، والمقام القرآني: التَّرْك (التخلية والتخلّي الفعلي أو الإجرائي) المفهوم: هو التخلي عن الشيء ودَعه وإبقاؤه في مكانه، سواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، وسواء رافقه بغض ومقت أم لم يرافقه، فقد يترك الإنسان ما يحبه اضطراراً أو إيثاراً. الأصل والصفة: مأخوذ من “تَرَكَ” (يَتْرُكُ) تَرْكًا، وهي التخلية وإبقاء الشيء على حاله، فالترك عملٌ إجرائي يتعلق بقطع الفعل أو عدم الأخذ به، وقد يقع في الماديات والمعنويات دون استلزام للعداء النفسي. الاستعمال القرآني: ورد “التَّرْك” وفعله بكثرة في القرآن الكريم للتعبير عن التخلي المادي أو الشرعي أو القدرِي: “وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ” (الكهف 99) التخلية والترك الإلهي. “مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ” (آل عمران 179) التخلية وعدم الإبقاء على حال الابتلاء. “مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ” (الضحى 3) نفي الترك والتخلية عن النبي صلى الله عليه وسلم. الإِعْرَاض (التولي بالصفحة والرفض القلبي التام) المفهوم: هو الانصراف عن الشيء بصفحة الوجه أو القلب، ومقابلة الحق أو الناصح بالصد والرفض والصدود، وهو موضعٌ ونشاطٌ وجداني ونفسي ينطوي على المقت، أو الاستكبار، أو الاستهانة. الأصل والصفة: مأخوذ من “العَرْض” و”عَرَّضَ” أي أظهر عَرْضَ وجهه وجانبه، فالْمُعْرِضُ يولي عَرْضَ عنقه وجانبه للشيء كراهةً له ورغبةً عنه. فالإعراض أشدّ وأبشع من مجرد الترك، لأنه يجمع بين التخلي العملي والاستكبار والرفض النفسي. الاستعمال القرآني: جاء “الإِعْرَاض” في القرآن الكريم غالباً في مقام ذم الكافرين والمنافقين الذين يصدون عن آيات الله وحكمه: “فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ” (المدثر 49) صدود واستكبار نفسي وجسدي. “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا” (طه 124) صدودٌ ورفضٌ منهجي. “فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ” (النساء 81) أمر بالانصراف النفسي والإجرائي عن كيد المنافقين. خلاصة الفرق: التَّرْك هو التخلي الفعلي والإجرائي عن الشيء وإبقاؤه (قد يكون بحب أو كره، باختيار أو اضطرار)، بينما الإِعْرَاض هو التولي بالوجه والقلب صدوداً واستكباراً ورفضاً (موقف نفسي بدني ينطوي على المقت والاستهانة). فالإعراض تركٌ وزيادة، إذ يتضمن الرفض الوجداني والتولي بالصفحة والجانب.

يبرز الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين الوَليّ والتَّوَلِّي، فكلاهما يرجع في أصله اللغوي إلى جذر واحد وهو (و-ل-ي) الذي يدور حول القُرْب والإدناء والتبعية، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً بين اسم الصفة الذاتية أو المفهوم الإيجابي القائم على النصرة والمحبة، وبين الفعل أو المفهوم السلوكي الذي يغلب استخدامه القرآني في الانصراف والفرار والرفض: الوَليّ (القريب الناصر والمُتولِّي للأمر بالمحبة والإعانة) المفهوم: هو القريب، والناصر، والمُحب، والمدَبِّر للأمر، فالوليّ هو من يتولى أمورك بالنصرة والحماية والرعاية، ولا يكون بينك وبينه حاجزٌ أو فاصل. الأصل والصفة: مأخوذ من “الْوَلْي” وهو القُرْب والدُّنُوّ، يُقال “جَلَسَ مِمَّا يَلِينِي” أي بالقرب مني مباشرة. والوَلاية (بالفتح) هي النصرة والمحبة، والوِلاية (بالكسر) هي الإمارة وتدبير الأمر. والأصل في “الولي” التلاحم والولاء الإيجابي. الاستعمال القرآني: ورد “الوَليّ” وجمعه “أَوْلِيَاء” في القرآن الكريم بصفة إيجابية جليلة في حق الله تعالى ورسوله والمؤمنين، كما جاء في حق الشيطان وأتباعه لبيان التبعية القريبة: “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” (البقرة 257) إحاطة بالرعاية والتوفيق والنصرة. “أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (يونس 62) القريبون من الله بطاعته. “وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا” (النساء 119) التبعية والطاعة لغير الله. التَّوَلِّي (الانصراف والمدابرة والرفض، أو اتخاذ الولي) المفهوم: هو الفعل الحركة السلوكية التي تعني في أغلب الاستعمال القرآني الانصراف عن الشيء بالظهر، والإعراض عنه، أو الفرار في القتال، وترك الحق، ويأتي أحياناً بمعنى اتخاذ الشيء ولياً وإعطاء الولاء. الأصل والصفة: مأخوذ من “تَوَلَّى” (على وزن تَفَعَّلَ)، والغالب فيه إعطاء “الوَلِيّ” (أي القفا والظهر) للشيء، أي الاندحار والانصراف كراهةً أو جبناً. ولهذا كان التولي يوم الزحف من الكبائر، والتولي عن الذكر إعراضاً واستكباراً. الاستعمال القرآني: جاء “التَّوَلِّي” في القرآن الكريم في معظم مواضعه في مقام الذم والإنكار على المنصرفين عن الحق والمُدْبِرين في المعارك: “فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ” (آل عمران 63) أي إن إعرضوا وانصرفوا عن الاتباع. “وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ” (الأنفال 16) التولي والفرار من المعركة. وتأتي بمعنى اتخاذ الولاء في مثل: “وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ” (المائدة 51). خلاصة الفرق: الوَليّ هو اسم وصفة للقريب الناصر والحليف والمُدبِّر للأمر بالمحبة والنصرة (قُرْبٌ والتزامٌ ورعاية)، بينما التَّوَلِّي هو فعل وانصرافٌ وجسدي أو منهجي بالظهر والإعراض (إدبارٌ وتركٌ للحق وفرار)، وإن أُعطي بغير حق كان اتخاذاً لغير الله ولياً. فالوليّ يتجه إليك بالقُرْب والنصرة، والتَّوَلِّي يتجه عنك بالإدبار والانصراف.

يوضح الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين العِلْم والمَعْرِفَة، فكلاهما يرجع إلى الإدراك والتمييز، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الشمول، والسبق بالجهل، وإدراك الكليات مقابل الجزئيات، والاستعمال القرآني: العِلْم (الإدراك الشامل واليقين المحيط بالحقائق) المفهوم: هو التثبت واليقين الجازم المطابق للواقع، وإدراك الكليات والعلاقات والعلل إدراكاً كلياً شاملاً لا يسبقه جهل ولا يعتريه شك أو نسيان عند إسناده إلى الله تعالى. الأصل والصفة: مأخوذ من “العَلَامَة” وهي السمة الواضحة، فالْعِلْمُ ينفذ إلى جوهر الشيء وحقيقته وأسبابه. والعلم أعم وأشمل، إذ يتعدى إلى مفعولين في اللغة (تقول: علمتُ فلاناً مسافراً)، ولا يقتصر على مجرد التمييز الظاهري. الاستعمال القرآني: وُصف الله تعالى بـ “الْعَلِيم” و”الْعَالِم” و”العَلَّام”، وأُسند إليه “العِلْم” في مواضع لا تحصى، ولم يُوصف سبحانه قط بـ “العارف” أو “المَعْرِفَة”، لأن العلم الإلهي أزلي محيط لا يسبقه عدم أو جهل: “اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ… يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ” (البقرة 255). “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا” (طه 114). المَعْرِفَة (إدراك الأثر والتفاصيل الجزئية المسبوقة بالجهل أو النسيان) المفهوم: هي إدراك الشيء بتدبر أثره وتفاصيله ونظائره حتى يتميز عن غيره، وغالباً ما تكون مسبوقة بجهلٍ أو غفلةٍ أو نسيان، وتتعلق بالجزئيات والسمات الظاهرة. الأصل والصفة: مأخوذة من “العُرْف” وهي الرائحة الطيبة أو الأثر الظاهر، تُقال “عَرَفَ الدَّارَ” أي التمس آثارها وتفاصيلها حتى تميزت عنده بعد أن كانت مجهولة. وتتعدى المعرفة في اللغة إلى مفعول واحد (تقول: عرفتُ محمداً). الاستعمال القرآني: جاءت “المَعْرِفَة” وفعله في القرآن الكريم مضافة للمخلوقين عند التمييز بعد الخفاء، أو الاعتراف بالحق بعد جهله: “يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا” (النحل 83) إدراك النعمة بعد ظهورها. “وُجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ” (يوسف 58) تمييز ذواتهم بعد غياب طويل وخفاء. “مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ” (المائدة 83) إدراك الحق وتمييزه بعد الاستماع. خلاصة الفرق: العِلْم هو الإدراك الشامل اليقيني للكليات والحقائق (أعم وأشمل، ولا يلزم أن يسبقه جهل، ولذلك يوصف الله به)، بينما المَعْرِفَة هي إدراك الجزئيات والسمات المميزة للشيء بعد جهل أو خفاء أو غفلة (أخص وأقل شمولاً، وتخص المخلوقين ولا تُطلق على الله تعالى). فكل عِلْمٍ محيطٍ يستلزم معرفة، وليست كل مَعْرِفَةٍ لجزئية تُسمى عِلْماً كلياً.