
د. فاضل حسن شريف
جاء في موقع الرابطة المحمدية للعلماء عن آفات اللسان، (الغيبة والنميمة والكذب وغيرها) من مهلكات القلوب للدكتور عزيز بو زغيبة: مفهوم آفة اللسان: قال وهبة الزحيلي في التفسير الوسيط بأن الآفة هي: (كل ما يُصيب الشيء فيُفسدُه، من عاهة أو مرض أو قحط)، وقال ابن منظور: (والأفة العاهة، وفي المحكم: عرض نفسد لما أصاب من شيء، ويقال: آفة الظرف الصّلَفُ وآفة العِلم النِّسيانُ وطعامٌ مؤُوفٌ: أصابته آفةٌ). وفي الاصطلاح: (كل مَا يُصِيب شَيْئاً فيفسده من عاهة أَو مرض أَو قحط يُقَال آفَة الْعلم النسْيَان). وفي معجم لغة الفقهاء: (الآفة بالمد والتحريك، ج آفات، العاهة، وهي عرض يفسد ما يصيب من شيء). أنواع آفات اللسان: الغيبة: قال الغزالي: (حد الغيبة: أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرته بنقص في بدنه، أو نسبه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه.. حتى في ثوبه، وداره، ودابته). وورد في الحديث: (قيل ما الغيبة يا رسول الله؟ فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته). تعتبر آفات اللسان من بين آفات القلوب المهلكة التي تحبط الأعمال، وتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ومن هذه الآفات على سبيل المثال لا الحصر، الغيبة، والنميمة، والمراء، والجدال، والكذب ومصدر هذه الآفات هو اللسان، لأنه منبع الخير، ومنبع الشر في ذات الوقت، ويعتبر من أجل النعم التي أنعم الله بها عباده قال تعالى: “أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ” (البلد 8-9)، قال الإمام أبو حامد الغزالي أما بعد فإن اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه البديعة فإنه صغير جرمه عظيم طاعته وجرمه إذا لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان. لذلك فعلماء التربية الصوفية ركزوا كثيراً على أهمية حفظ اللسان، والاحتراز عن كل ما يصدر منه مستدلين بقوله تعالى: “وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (الإسراء 53)، وقال جلت قدرته: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا” (البقرة 83). قال الإمام أبي حامد الغزالي: (اعلم أنّ خطر اللّسان عظيم، ولا نجاة منه إلا بالنطق بالخير)، فعن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه). فكل ما يصدر عن اللسان، فإنه يسجل ويكتب في كتاب، قال جلت قدرته: “وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا” (الكهف 49). لقد تبين لعلماء التربية الصوفية أن من بين الأسباب التي تحجب القلوب عن معرفة الله، وعن الاستفادة من التربية الباطنية، هي آفات اللسان، وتتبع عورات النّاس، الشيء الذي يبعد المريد عن ذكر الله والاشتغال بعيوب الناس وفضح عوراتهم. فقد قيل للربيع بن خثيم: (ما نراك تغتاب أحداً؟ فقال: لست عن نفسي راضياً، فأتفرغ لذم الناس). وقال يحيي بن معاذ: (ليكن حظ المؤمن منك ثلاثاً: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه). فلا غرو أن شأن اللسان عظيم وخطير، إذا صدرت منه الأقوال التي تؤدي النّاس في حياتهم العامة والخاصة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ).
عبارة بعضكم بعضا تعني تعامل المجتمع مع بعضه البعض قال الله تعالى عن بعضهم بعض “ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ” ﴿المؤمنون 44﴾، “لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ﴿النور 63﴾، “وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا” ﴿الفرقان 20﴾، “وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ” ﴿العنكبوت 25﴾، “فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ” ﴿سبإ 42﴾، “قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِّنْهُ ۚ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا” ﴿فاطر 40﴾، “أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ” ﴿الزخرف 32﴾، “الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ” ﴿الزخرف 67﴾، “فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ” ﴿محمد 4﴾، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ” ﴿الحجرات 2﴾، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ” ﴿الحجرات 12﴾.
عن جعفر بن محمّد عليه السلام أنّه سئل عمّا يرويه النّاس عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله أنّه قال: (إنّ اللّه يبغض أهل البيت اللّحميّين) قال جعفر بن محمّد عليه السلام: (ليس كما يظنّون من أكل اللّحم المباح أكله الّذي كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله يأكله ويحبّه إنّما ذلك من اللّحم الّذي قال اللّه عزّ وجلّ: “أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً” (الحجرات 12) يعني بالغيبة له والوقيعة فيه).
يقول الشيخ الآصفي رحمه الله: ويقول تعالى: “وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ” (الحجرات 12). إن للغيبة ظاهراً وباطناً أما الظاهر منه فهو الذي يشهّي الناس ويرغبهم فيها، وأما باطنها فهو أكل لحوم الأموات. وفي الحياة الدنيا لا يرى الناس إلّا هذا الظاهر الذي يشهّيهم في الغيبة، ولو كانوا يرون باطن الغيبة، ويعرفون أنهم يلوكون بالغيبة لحوم إخوانهم لاشمأزوا ونفروا من الغيبة. إنّ ما يلقاه المجرمون في نار جهنم من عذاب وسعير إنما هي أعمالهم تجسدت لهم في الآخرة بهذه الصورة وكذلك العكس ما يلقاه المؤمنون أصحاب التقوى والعمل الصالح من نعيم ورحمة في الجنة هو أعمالهم الصالحة تلقوها في الآخرة بهذه الصورة الجديدة التي لم يألفوها من قبل في الدنيا. إن عمل الإنسان لا ينعدم من خير أو شر، فإذا مات الإنسان واجه عمله بعينه، غير أنه في الآخرة يظهر له بشكل آخر غير ما كان يعرفه في الدنيا.




