سبتمبر 26, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

تنزيه القرآن الكريم عن الشعر هو أصل عقدي وبلاغي قام عليه فهم إعجاز النص القرآني، حيث حرص القرآن الكريم والدراسات البيانية في التراث العربي على توضيح الفروق الجوهرية والمنهجية بين طبيعة الوحي القرآني وطبيعة الشعر العربي. الأدلة القرآنية على تنزيه القرآن عن الشعر: ورد التنزيه صريحاً ومباشراً في عدة مواضع، منها: نفي القدرة والغاية: “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَايَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌوَقُرْآنٌ مُّبِينٌ” (يس 69). نفى الله سبحانه وتعالى أن يكون النبي قد عُلِّم الشعر، ونفى ملاءمته لمقامه ومهمته الرسالية. نفي وصف النبي بالشاعر: “وَمَاهُوَبِقَوْل ِشَاعِرٍقَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ” (الحاقة 41). ردٌّ صريح على ادعاءات المشركين الذين حاولوا تفسير الإعجاز القرآني بوصفه شعراً. الفروق الجوهرية بين القرآن والشعر: من حيث الوزن والبناء: القرآن كلام منثور معجز، يُراعى فيه تناسق الفواصل دون التزام بتفاعيل الخليل أو البحور الشعرية، بينما يقوم الشعر أساساً على الوزن الصارم والقافية الملتزمة. من حيث الحقيقة والغاية: القرآن حق مطلق وهداية، يُبنى على الصدق والمشاهد اليقينية والتشريع، بينما يتأسس الشعر غالباً على التخييل، المبالغة، والتأثير العاطفي. من حيث مصدر التلقي: القرآن وحي إلهي متعبَّد بتلاوته مُنـزَّل من رب العالمين، في حين أن الشعر نتاج بشري يعتمد على القريحة والعاطفة والموهبة الفردية. من حيث المقصد: القرآن منهج حياة كامل يستهدف هداية البشرية وبناء العقيدة، بينما يستهدف الشعر التعبير عن وجدان الفرد من فخر وهجاء وغزل وتكسّب. دلالات تنزيه القرآن عن الشعر: إثبات المصدر الإلهي: تمييز القرآن عن الأجناس الأدبية البشرية للتأكيد على أنه وحي من الله وليس مؤلَفاً أدبياً. صيانة الحق والصدق: الشعر يرتكز على الصور البلاغية التي قد تبتعد عن الحقيقة لغرض التأثير الوجداني، بينما النص القرآني صدق محض في أخباره وأحكامه. تفنيد الشبهات: إبطال أوهام قريش التي حاولت إرجاع ظاهرة الإعجاز اللغوي في القرآن إلى ما ألفوه من مهارات الشعراء والكهان. تنزيه القرآن الكريم عن الشعر لا يعني حطاً من قدر اللغة والبلاغة، بل تحديداً لدقة جنس النص القرآني باعتباره كلام الله المعجز الذي تجاوز أساليب العرب المنظومة والمنثورة دون أن يشابهها.

تنبثق عقيدة أهل البيت عليهم السلام في تنزيه القرآن الكريم عن الشعر من المنهج القرآني الأصيل الذي يفرق تفريقاً جوهرياً بين طبيعة الوحي الإلهي وطبيعة القريض البشري، مع بيان الفوارق البلاغية والمعنوية بينهما في أحاديثهم وتفاسيرهم.الأدلة والتأويلات عند أهل البيتتفسير الآيات النافية للشعر: يتوقف مفسرو أهل البيت عند قوله تعالى: “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ” (يس 69)، ليبينوا أن نفي الشعر عن النبي والمقام القرآني هو نفيٌ لتطرق الظنون أو المبالغات أو التخيل إلى كتاب الله. ويرى أئمة أهل البيت أن النص القرآني يتجاوز جنس الشعر وزناً وبناءً وغرصاً، ولا يصح قياس كلام الخالق بكلام المخلوقين.التفريق بين حقيقة القرآن وطبيعة الشعر: يُؤكَّد في رواياتهم أن الشعر يقوم على المخيلة والإغراق في التشبيه واستمالة العواطف، بينما القرآن حق محض وصدق مطلق وهداية، لا يعتريه الزلل ولا يتأثر بالتغيرات النفسية أو الانفعالات التي تصاحب نظْم الشعر.الموقف من الشعر ونسبته للنص القرآنيالتنـزيه لا يعني إبطال أصل الشعر: يفرّق أهل البيت بين استخدام الشعر كوسيلة تربوية وأدبية للدفاع عن الحق والفضيلة (كشعر الحسان بن ثابت أو دعبل الخزاعي)، وبين إسباغ صفة الشعر على القوالم والآيات القرآنية. فبينما يُستحسن الشعر الصادق في موضعه، يُنزَّه القرآن تماماً عن أن يُصنَّف ضمن الأشكال الشعرية.البناء اللغوي والمعجزة: يشدد الرواة والمفسرون عن أهل البيت على أن نظم القرآن معجز بذاته، فلا هو بالشعر الذي يخضع للبحور والأوزان، ولا هو بالنثر الكاهني أو السجع التكلفي، بل هو جنس قولي فريد ومستقل، يعلو ولا يُعلى عليه في بلاغته وبيانه.دلالات التنزيه في المدرسة الفكرية لأهل البيتإثبات الوحي والرسالة: التأكيد على أن القرآن كلام الله المنزل، قطعاً للطريق على من حاول رمي النبي بالكهانة أو الشعر.صيانة المفهوم الإيماني: تنزيه العقيدة والتشريع من شائبة التخييل والمبالغة المقترنة بالشعر العربي عادة.بيان أصالة البيان القرآني: إبراز الإعجاز البلاغي القائم على نظم الفواصل وحسن النسق دون الحاجة إلى التزام القوافي والتفاعيل الخليلية.

يتناول العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره في تفسيره الشهير “الميزان في تفسير القرآن” مسألة تنزيه القرآن الكريم والنبي الأكرم عن الشعر عند تعرضه للآيات الشريفة (مثل الآية 69 من سورة يس “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ” (يس 69)، والآية 41 من سورة الحاقة “وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ” (الحاقة 41))، محدداً الفروق الدقيقة بين ماهية الوحي القرآني وماهية الشعر من منظورتين فلسفي وبلاغي.أركان التنزيه عند العلامة الطباطبائيالفرق بين الحقيقة والتخييل:يشير الطباطبائي إلى أن حقيقة الشعر تبتني أساساً على التخييل وإثارة العواطف والانفعالات النفسية (كالترغيب، الترهيب، المدح، أو الهجاء) عن طريق إلباس المعاني صوراً وهمية أو مبالغ فيها، حتى وإن تحقق فيه الوزن والقافية. بينما يقوم القرآن الكريم على الحق والصدق المطلق، والعدل في القول، والداعي فيه هو الهداية إلى الواقع والجدية في الخطاب، وهو ما ينافي جوهر التخييل الشعري.الغاية والهدف المفهومي:الهدف من الشعر غالباً ما يكون التأثير العاطفي والجمالي القائم على استنزال أهواء النفوس وتلذذ المسامع، في حين إن الغاية من القرآن هي إيقاظ العقول، وبيان المعارف الإلهية، والتشريع، والذكر المبين. لذا فإن طبيعة المقصد القرآني تجعل من أساليب الشعر وأدواته القائمة على المبالغة أمراً “لا ينبغي” لمقام الوحي ولا لمقام النبي.معنى “وَمَا يَنبَغِي لَهُ”:يرى العلامة الطباطبائي في تفسيره لقوله تعالى: “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ” (يس 69) أن النفي هنا ليس مجرد نفي للقدرة الظاهرية، بل هو نفي للملاءمة والتناسب، أي إن طبيعة النبوة والرسالة الإلهية والقرآن الكريم تأبى بطبعها ومضمونها وصياغتها أن تكون شعراً، فالشعر لا يساوق مقام الذكر والحكمة الإلهية.النظم القرآني والإعجاز البياني:ينبه الطباطبائي إلى أن جودة اللفظ وتناسق الفواصل والجمال البياني في القرآن لا تجعله شعراً، لأن الجمال القرآني نابع من كمال المعنى وصدقه وحسن نسقه الفطري، وليس من التكلف الأسلوبي أو القواعد العروضية المحدودة ببحور الشعر وتفاعيله. رأي العلامة الطباطبائي في أن تنزيه القرآن عن الشعر ليس مجرد سلب للوزن والقافية الخارجيين، بل هو تنزيه للمضمون والمنهج، فالقرآن كلام حق جاد يهديك إلى الواقع كما هو، بينما الشعر في أصله البلاغي القديم صياغة قائمة على التخيل والاستعارات المبالغ فيها لتغيير انفعالات النفس لا لإظهار الحقائق.