
د. فاضل حسن شريف
تتجسد قاعدة عدم الاضطهاد وحرية العقيدة في القرآن الكريم من خلال منظومة متكاملة من النصوص القرآنية التي تؤكد على التسامح والمسؤولية الفردية، ويمكن إيجاز أبرز محاورها في النقاط التالية: 1. نفي الإكراه والجبر في الدين: تُعد آية سورة البقرة القاعدة التشريعية والفكريّة الأساسية لمنع الاضطهاد القائم على العقيدة: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” (البقرة 256) تؤكد الآية أن الإيمان الحر الصادر عن اقتناع هو الأساس، أما الإكراه فإنه يتنافى مع طبيعة التكليف والمسؤولية الفردية. 2. تحديد مهمة الرسل بالبلاغ والتذكير: بيّن القرآن الكريم أن وظيفة النبي هي الدعوة والتبيين، وليس القهر أو السيطرة على العقول والضمائر: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ” (الغاشية 21-22) “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس 99) “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف 29) 3. إقرار البر والقسط في التعامل مع المخالفينك أمر القرآن بالعدل والإحسان إلى المخالفين في الدين طالما لم يمارسوا العدوان أو التهجير: البر والعدل: “لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة 8) الحوار بالحسنى: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ” (العنكبوت 46) التعايش والسلم: “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” (الكافرون 6) 4. النهي عن الاستخفاف بعقائد الآخرينك حظر القرآن الكريم سب آلهة أو مقدسات الآخرين تفادياً لإثارة الضغائن ومنعاً للاحتكاك الطائفي أو الديني: “وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ” (الأنعام 108) 5. حماية دور العبادة لمختلف الأديانك جعل القرآن من مقاصد تشريع الدفاع عن النفس حماية حرية العبادة وصيانة دورها لجميع أصحاب الأديان دون تخصيص: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا” (الحج 40).
يتجلى موقف أهل البيت عليهم السلام في رفض الاضطهاد العقائدي وحماية حرية الضمير كاستمرار طبيعي للنهج القرآني، حيث تميزت سيرتهم ورسائلهم بالدعوة إلى التسامح، والعدل الشامل، والمواطنة الإنسانية دون النظر إلى الانتماء الديني أو الفكري. يمكن إيجاز أبرز ملامح هذا النهج في النقاط التالية: 1. إرساء مبدأ الشراكة الإنسانية والعدالة الشاملة: تُعد وثيقة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى مالك الأشتر الحاكم الفعلي والمنهجي في التعامل مع الرعية بغض النظر عن عقائدهم، حيث أصل فيها للحقوق الإنسانية الأصيلة: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم… فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق). تؤكد هذه القاعدة أن الحقوق الإنسانية والعدالة الاجتماعية لا تسقط بالتخالف في العقيدة، بل تُمنح للإنسان لمجرد كونه إنساناً. 2. حماية حقوق غير المسلمين والمخالفين: وردت عن أهل البيت مواقف وتوجيهات صارمة تنهى عن التعدي على حقوق الآخرين أو ظلمهم بسبب دينهم: حماية أهل الذمة والتأكيد على حقوقهم: رُوي عن الإمام علي عليه السلام قوله في حقوق غير المسلمين في الدولة: (إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا)، وهو ما يلغي أي مظهر من مظاهر التمييز أو الاضطهاد في الحقوق المدنية والأمان. استنكار الانتهاكات بحق غير المسلمين: في حادثة الإغارة على الأنبار، غضب الإمام علي عليه السلام أشد الغضب عندما سُلبت امرأة غير مسلمة حليها، وقال معبراً عن فداحة الجرم: (فلو أن إمراً مسبتاً أسفاً من بعد هذا ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جدير)، مميزاً بين الخصومة السياسية والعسكرية وبين المساس بأمان الأفراد بناءً على دينهم.
نهج الحوار الهادئ ورفض الإكراه: اعتمد أهل البيت عليهم السلام نهج المناظرة العقلانية والحوار المفتوح مع أصحاب الأديان والفلسفات الأخرى (كاليهود، النصارى، الزرادشتيين، والزنادقة)، دون استخدام سلطة أو قمع: مناظرات الإمام الرضا عليه السلام: تُعد مناظراته الشهيرة في مرو مع رؤساء الأديان والمذاهب (مثل الجاثليق رأس النصارى، ورأس الجالوت عالم اليهود) أنموذجاً حياً لترسيخ حرية التعبير، حيث كان يستمع لآرائهم ويحاورهم باستخدام كتبهم ومقومات عقائدهم دون أدنى ضغط أو مصادرة لآرائهم. أخلاقيات الجدال: أكد الإمام الصادق عليه السلام على أصحابه ضرورة الالتزام بالرفق واللين عند محاورة المخالفين في العقيدة، ونهى عن التعنيف أو التجريح الكلامي، مستشهداً بضرورة إظهار محاسن الكلام ليُترك للخيار الحر أن يعتبِر. 4. كفالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للجميع: لم يقتصر نهج أهل البيت على صيانة النفوس، بل امتد ليشمل الرعاية الاجتماعية للفقراء والمعوزين بغض النظر عن عقيدتهم: مر الإمام علي عليه السلام بفقير كبير السن يستعطي، فلما علم أنه نصراني استنكر إهماله قائلاً: (استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه؟! أنفقوا عليه من بيت المال)، ليرسي بذلك مبدأ الضمان الاجتماعي القائم على الإنسانية لا على العقيدة. 5. أدبيات الحقوق والرعاية الإنسانية: صاغ الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في (رسالة الحقوق) قواعد التعامل مع المخالفين وأهل الكتاب، متضمنةً كفالة الأمان، والوفاء بالعهود، وعدم إلحاق الظلم بهم، ورعاية حقوقهم ما داموا متمسكين بالسلم، محذراً من غدرهم أو الانتقام منهم.
يتناول الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في تفسيره “التبيان في تفسير القرآن” مسألة عدم الاضطهاد وحرية العقيدة والتعايش السلمي من خلال تحليله اللغوي والفقهي والكلامي للآيات القرآنية. ويرتكز منهج الطوسي على إرساء المبادئ القرآنية التي تمنع الإكراه وترفض القسر في القضايا الإيمانية. تتجلى أبرز الآراء والتطبيقات التفسيرية للشيخ الطوسي في “التبيان” ضمن المحاور التالية: 1. تفسير آية “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (البقرة 256): يرى الشيخ الطوسي أن الآية المحكمة تنفي الجبر والإكراه في قبول العقيدة، ويوضح ذلك عبر اتجاهين رئيسيين: عدم جواز الإكراه عقلاً وشرعاً: يؤكد الطوسي أن الإيمان هو تصديق بالقلب واستدلال بالنفس، والإكراه ينافي التكليف والابتلاء، إذ إن الإيمان المقسور لا يستحق صاحبه الثواب. سبب النزول والبعد التاريخي: يستشهد بالروايات التي تنص على أن الآية نزلت في رجل من الأنصار (أبي الحصين) كان له ابنان تنصّرا، فأراد أن يجبرهما على الإسلام، فأنزل الله الآية لمنعه من إكراههما على ترك دينهما بالقوة. رأيه في النسخ: يميل الشيخ الطوسي إلى أن الآية ليست منسوخة، بل هي محكمة وتحدد أصل التعامل في إقرار الحرية الفكرية والعقائدية. 2. حدود وظيفة الرسول “لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ” (الغاشية 22) في تفسيره لآيات البلاغ والتذكير (مثل آيات سورة الغاشية وسورة يونس)، يقرر الشيخ الطوسي ما يلي: النبي مبعوث للتذكير، وإقامة الحجة، والإنذار، وليس موكلاً بممارسة السلطة القسرية على الضمائر. الإيمان القسري يرفع القيمة الأخلاقية للعمل، لذا ينفي القرآن عن النبي أي سلطة إكراهية تُلزم الناس بالإيمان رغماً عن اختيارهم الحر.
3. حقوق غير المسلمين والعدل معهم “أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ” (الممتحنة 8) عند تفسيره لآية سورة الممتحنة، يؤكد الشيخ الطوسي على النهج العدلي في التعامل مع المخالفين في العقيدة: البر والقسط: يفسر “البر” بالإحسان والتواصل، و”القسط” بالعدل في الأحكام والمعاملات المالية والاجتماعية. شرط عدم العدوان: يقرر الطوسي أن الأصل في التعامل مع المعاهدين وغير المسلمين ممن لم يقاتلوا المسلمين أو يخرجوهم من ديارهم هو السلم والبر والإنصاف، ويرفض أي شكل من أشكال الظلم أو الاضطهاد الموجه إليهم لمجرد اختلاف الدين. 4. حظر التعرض للمقدسات والعقائد “وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ” (الأنعام 108) يبيّن الشيخ الطوسي في تفسير هذه الآية القاعدة الأخلاقية والحضر الاجتماعي للتعدي على عقائد الآخرين: يرى أن النهي عن سب آلهة المشركين جاء لسد الذريعة لمنع ردود الفعل العنيفة التي قد تؤدي إلى سب الله أو إثارة الفتن والضغائن. يستنتج من ذلك ضرورة التزام الأدب في الحوار والمناظرة، واعتماذ الاستدلال العقلاني دون اللجوء إلى الإهانة أو الاستخفاف بعقائد المخالفين. 5. حماية دور العبادة لجميع الأديان “لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ” (الحج 40) في تفسيره لهذه الآية، يبرز الطوسي الشمولية القرآنية في حماية حرية التعبد: يوضح أن التشريع الإسلامي في الدفاع عن النفس جاء لرد العدوان وحماية المنشآت الدينية بمختلف أنواعها: الصوامع (لدير الرهبان)، والبيِع (كنائس النصارى)، والصلوات (معابد اليهود/الصلوات)، والمساجد. يستدل بذلك على أن حماية أماكن عبادة المخالفين وصيانتها من الهدم والاعتداء هي مقصد من مقاصد التشريع لمنع الفساد في الأرض.

