سبتمبر 27, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

ورد الأمر بتلاوة القرآن الكريم وقراءته وترتيله في مواضع متعددة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مستخدماً صيغاً أمرية صريحة تدل على أهمية هذه العبادة ومكانتها. أولاً: من القرآن الكريم: الأمر الصريح بالتلاوة (صيغة “اتْلُ”): قال تعالى: “اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ” (العنكبوت 45). قال تعالى: “وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ” لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ” (الكهف 27). قال تعالى: “إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ” وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ” (النمل 91-92). الأمر بالترتيل والقراءة التدريجية: قال تعالى: “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا” (المزمل 4). قال تعالى: “فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ” (المزمل 20). أول ما نزل من الأمر بالقراءة: قال تعالى: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” (العلق 1). ثانياً: من السنة النبوية الحث على تعهد القرآن واستدامته: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (اقْرَءُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ). تحديد أثر القراءة والتلاوة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الْماهِرُ بالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ) ثالثاً: مقاصد الأمر بالتلاوة: العبادة والتقرب: تُعد تلاوة القرآن عبادة قائمة بذاتها يثاب عليها المسلم بالحرف. الباعدة عن الفحشاء: اقترنت التلاوة في الآيات بإقامة الصلاة لما لها من أثر في تزكية النفس. الفتح والتفكر: الأمر بالترتيل جاء ليصل القارئ إلى مرتبة تدبر المعاني وفهم الأحكام.

ورد في مدرسة أهل البيت عليهم السلام اهتمامٌ بالغ ومحوري بالأمر بتلاوة القرآن الكريم، حيث لم يقتصر توجيههم على مجرد السرد اللفظي للحروف، بل قرنوا التلاوة بأبعاد تربوية، وروحية، ومعرفية تجعل من القرآن منهج حياة عملياً. تتجلّى معالم الأمر بتلاوة القرآن الكريم عند أهل البيت في عدة أصول ومبادئ: 1. اقتران التلاوة بالتدبر والعمل: يؤكد أئمة أهل البيت أن الغاية الأساسية من الأمر بالقراءة هي الفهم والتطبيق، وليس مجرد الاستكثر من ختم الصور دون وعي: عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: (أَلا لا خَيْرَ فِي قِراءَةٍ لَيْسَ فِيها تَدَبُّرٌ، أَلا لا خَيْرَ فِي عِبادَةٍ لَيْسَ فِيها تَفَكُّرٌ). وعنه عليه السلام: (تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفاءُ الصُُُدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْحَدِيثِ). 2. الترتيل والخشوع وتغني القلوب: دعا أهل البيت إلى إعطاء القرآن حقّه من الإجلال والخشوع أثناء التلاوة: في تفسير قوله تعالى “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا”، رُوي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: (بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، وَلا تَهُذَّهُ هَذَّ الشِّعْرِ، وَلا تَنْثُرْهُ نَثْرَ الرَّمْلِ، وَلَكِنْ أَفْزِعُوا قُلُوبَكُمُ الْقاسِيَةَ، وَلا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ). وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْحُزْنِ فَاقْرَءُوهُ بِالْحُزْنِ)، مشيراً إلى تأثر الوجدان والنفس بوعيد القرآن ووعده. 3. تعهّد قراءة القرآن في البيوت: شدّدت التوجيهات على ضرورة جعل التلاوة ظاهرة حية داخل الأسرة والبيت: عن النبي صلى الله عليه وآله: (نَوِّرُوا بُيُوتَكُمْ بِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا كَما فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى فَإِنَّ الْبَيْتَ إِذا كَثُرَ فِيهِ تِلاوَةُ الْقُرْآنِ كَثُرَ خَيْرُهُ، وَاتَّسَعَ أَهْلُهُ، وَأَضاءَ لأَهْلِ السَّماءِ كَما تُضِيءُ نُجُومُ السَّماءِ لأَهْلِ الدُّنْيا). عن الإمام الصادق عليه السلام: (الْقُرْآنُ عَهْدُ اللهِ إِلَى خَلْقِهِ، فَقَرِيٌّ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَهْدِهِ، وَأَنْ يَقْرَأَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسِينَ آيَةً). 4. التلاوة في المصحف مباشرة: حذّر أئمة أهل البيت من ترك المصحف مهجوراً، وفضّلوا القراءة نظراً لما فيها من مشاركة حاسة البصر في العبادة: عن الإمام الصادق عليه السلام: (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ مُتِّعَ بِبَصَرِهِ، وَخُفِّفَ عَنْ والِدَيْهِ وَإِنْ كانا كافِرَيْنِ). 5. تلاوة القرآن ارتباطاً بالعترة (القرآن الناطق): تستند مدرسة أهل البيت إلى الحديث المتواتر (حديث الثقلين): (إنّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، حيث يرون أن التلاوة الصحيحة والمنتجة هي التي تستضيء بفهم أهل البيت وبأحاديثهم المفسّرة للنص القرآني، باعتبارهم أعدال الكتاب والمبيّنين لغوامضه وأحكامه.

تجلّى موقف العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره في تفسيره القيم (الميزان في تفسير القرآن) حيال “الأمر بتلاوة القرآن الكريم” من خلال منهجه التفسيري الفريد (تفسير القرآن بالقرآن)، حيث لم يقف عند حدود التكليف الفقهي الظاهري للقراءة، بل غاص في الأبعاد المعرفية، والروحية، والسلوكية لهذه الآوامر. ويمكن تلخيص أبعاد الأمر بتلاوة القرآن عند العلامة الطباطبائي في المحاور الآتية: 1. الفرق بين “التلاوة” و”القراءة” في التحليل المفهومي: يُميّز العلامة الطباطبائي بين مفهومي “التلاوة” و”القراءة” عند تفسير الآيات الآمرة بهما: التلاوة (اتْلُ): أصلها الاتباع، والأمر بتلاوة القرآن في الآيات (مثل: “اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ”) يعني قراءة الآيات وتتبعها لفظاً ومعنى ومفهوماً، بحيث يتبع القارئُ الملتوَّ بأثره عملاً وامتثالاً. القراءة (اقْرَأْ): تعني ضم الحروف والكلمات لإظهار المعنى. والأمر بها هو إيجاد للوعي والجمع المعرفي للنص القرآني. 2. التلاوة كطريق لإحياء القلوب وتزكية النفوس: عند تفسير قوله تعالى: “اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ” إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ” (العنكبوت: 45)، يبيّن الطباطبائي أن الأمر بالتلاوة هنا جاء مقدّمة ووقوداً روحياً لإقامة الصلاة، إذ إن تلاوة آيات الله والاستغراق في معانيها يثبّتان التذكر الإلهي في القلب، وهو السبب الأساس في نهي النفس عن الفحشاء والمنكر. 3. الترتيل: كشف المعاني بالنظم الشريف: في تفسيره لقوله تعالى: “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا” (المزمل: 4)، يوضح العلامة الطباطبائي أن الترتيل هو تبيين الحروف والألفاظ والتأني فيها، والغاية البلاغية والروحية من هذا الأمر الإلهي هي: إعطاء الفرصة للقلب لكي يتدبر المعاني القادمة من عالم الغيب. الاستعداد لتلقي “القول الثقيل” (“إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا”)، فالترتيل ليس تحسيناً صوتياً مجرداً، بل تهيئة لنفس القارئ لتلقي ثقل المعرفة القرآنية. 4. التلاوة وسيلة لـ “التدبر” كطريق لمعرفة الحقائق: يرى صاحب الميزان أن الأمر بالتلاوة هو المفتاح الأول للتدبر المأمور به في قوله تعالى: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ”. والتدبر عنده ليس تفكيراً سطحياً، بل هو التغلغل في تنسيق الآيات وانتظامها ليرى القارئ انسجام القرآن وعدم اختلافه، ومِن ثَمّ إدراك أنه تنزيل من حكيم حميد. 5. حقيقة القرآن الناطق والقرآن الصامت: يُؤكد العلامة الطباطبائي في مواضع متعددة من الميزان (استناداً إلى روايات أهل البيت) أن الأمر بتلاوة القرآن يدعو القارئ إلى الاقتراب من حقيقة القرآن الحية، فالتلاوة الظاهرية لحروف المصحف هي جسر للوصول إلى حقائق القرآن الروحية والمقامات المعنوية التي جُسِّدت في النبي وأهل بيته عليهم السلام.