
إيهاب مقبل
لا تنتهي الطبقية بمجرد مغادرة الإنسان وطنه. فقد يحمل المهاجر معه تصورات مرتبطة بالمكانة الاجتماعية والنجاح والتعليم والمهنة ونمط الحياة، ثم يعيد إنتاجها في المجتمع الجديد وفق معايير مختلفة. وفي سياقات الهجرة السورية، يمكن ملاحظة أشكال من التنافس على المكانة الاجتماعية، سواء داخل الجالية نفسها أو بينها وبين جماعات مهاجرة أخرى.
ولا يتعلق الأمر بالنجاح في حد ذاته، بل بما يحدث عندما يتحول النجاح إلى وسيلة لإثبات التفوق على الآخرين. فالمكانة الاجتماعية قد تصبح سباقًا حول من يتعلم اللغة أسرع، ومن يحصل على وظيفة أفضل، ومن يحقق دخلاً أعلى، ومن ينجح أبناؤه في المدرسة، ومن يبدو أكثر قربًا من المجتمع المضيف.
الطبقية تبدأ من الداخل
لا تقتصر هذه النظرة التراتبية على العلاقة بين السوريين والجماعات الأخرى، بل يمكن أن تظهر داخل المجتمع السوري نفسه. فقد كانت التصنيفات المناطقية والاجتماعية حاضرة في بعض البيئات السورية، من خلال تصورات مسبقة عن الأصل واللهجة والمنطقة والمكانة الاجتماعية.
وتظهر أحيانًا صور نمطية متبادلة بين أبناء المدن والمناطق، وبين الدمشقي والحلبي والحمصي وغيرهم، وقد تصل في بعض الحالات إلى السخرية أو الانتقاص أو النفور. وقد يشعر كل طرف بأنه ينتمي إلى بيئة أكثر رقيًا أو مكانة من الطرف الآخر.
وهذا يكشف أن المشكلة لا ترتبط بالهجرة وحدها، بل بعقلية اجتماعية مضطربة قد تقيس قيمة الإنسان وفق أصله ومنطقته ولهجته ووضعه الاقتصادي. وعندما تنتقل هذه العقلية إلى الخارج، يمكن أن تتوسع لتشمل جماعات مهاجرة أخرى.
من الطبقية إلى إثبات الذات
في بعض البيئات السورية، ارتبطت المكانة بالتعليم والمهنة والدخل والعائلة والمنطقة ونمط الحياة. ومع الهجرة، تظهر إلى جانب هذه المعايير معايير جديدة، مثل إتقان اللغة والاستقرار المهني والاستقلال الاقتصادي.
وهكذا يجد بعض المهاجرين أنفسهم أمام رغبة في إثبات النجاح داخل جماعتهم وإثبات الاندماج أمام المجتمع الجديد. وقد تتحول هذه الرغبة أحيانًا إلى منافسة مع جماعات مهاجرة أخرى، بحيث لا يكفي أن يكون الفرد ناجحًا، بل يصبح مهمًا أن يبدو أكثر نجاحًا واندماجًا من الآخرين.
الورود والسيارة عندما يصبح نجاح الآخر مصدرًا للتوتر
يمكن توضيح الفكرة بقصة حقيقية لجارين في قطر، رجل أردني ناجح في عمله وحياته، يعتني بالورود التي يزرعها أمام منزله، ثم يكتشف من خلال كاميرات المراقبة أن جاره السوري يقوم بقطع الورود والتسبب في أضرار لسيارته.
تطرح هذه القصة سؤالًا حول الغيرة والمقارنة والمكانة الاجتماعية. فالورود والسيارة قد تصبحان أكثر من مجرد ممتلكات، وقد تتحولان إلى رموز للنجاح والرفاهية والمكانة، بما يجعل نجاح الآخر مصدرًا للتوتر لدى من يقارن نفسه به.
ومن هنا يمكن أن تتحول المنافسة الطبيعية إلى رغبة في الانتقاص من نجاح الآخر أو حتى إفساده.
المدرسة كساحة للتنافس
تظهر المسألة بصورة أخرى بين الطلاب في المجتمعات الأوروبية. ففي بعض الحالات، يمكن ملاحظة نظرة دونية لدى بعض الطلاب السوريين تجاه طلاب صوماليين، بالتزامن مع محاولة إظهار التفوق الدراسي أو اللغوي والاجتماعي.
وقد لا يكون الهدف مجرد التفوق الأكاديمي، بل بناء هوية اجتماعية مختلفة. نحن أكثر نجاحًا، وأكثر اندماجًا، وأقرب إلى المجتمع الأوروبي. وهنا يتحول الاندماج من عملية مشاركة إلى معيار للمقارنة بين الجماعات.
ويصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما تتأثر هذه النظرة بالصور النمطية المنتشرة في المجتمع والإعلام الغربي عن بعض الأقليات، فتنتقل تلك الصور إلى الطلاب وتصبح جزءًا من الطريقة التي ينظر بها بعضهم إلى زملائه.
عندما يصبح المهاجر وصفًا للآخر
تظهر المفارقة أحيانًا في خطاب بعض أولياء الأمور السوريين الذين يصفون الصوماليين بأنهم مهاجرون، رغم أن الوجود الصومالي في السويد يعود إلى عقود، وأن كثيرًا من أبناء هذه الجالية ولدوا في السويد ونشؤوا فيها قبل وصول السوريين أنفسهم إلى البلاد.
وتزداد المفارقة عندما تصدر هذه النظرة عن سوريين حديثي الوصول إلى السويد، لم يستقروا بعد بصورة كاملة من حيث الإقامة والعمل واللغة والعلاقات الاجتماعية. ومع ذلك، قد ينظر بعضهم إلى جماعة أقدم وجودًا في البلاد باعتبارها الآخر المهاجر.
هنا يتحول مفهوم المهاجر من وصف تاريخي إلى تصنيف اجتماعي. فالمقصود لا يعود مجرد شخص جاء من بلد آخر، وإنما شخص يُوضع في مرتبة اجتماعية أدنى، بينما يحاول المتحدث وضع نفسه وجماعته في موقع أقرب إلى المجتمع المضيف.
من التمايز إلى الوصم
تبلغ الظاهرة مستوى أكثر حدة عندما تتحول المقارنة إلى أوصاف جماعية مهينة، مثل وصف الصوماليين بأنهم إرهابيون. فهذا النوع من الخطاب لا يميز بين الأفراد، بل يربط جماعة كاملة بصورة نمطية واحدة.
وقد يحاول بعض المهاجرين التخلص من صورة نمطية سلبية من خلال إبعاد أنفسهم عن جماعة أخرى تحمل تلك الصورة. وبدل أن يقول الفرد أنا مهاجر مثلهم، يصبح الخطاب نحن مختلفون عنهم.
وبذلك يعاد إنتاج التراتبية الاجتماعية داخل مجتمع المهاجرين، فالجماعة التي تسعى إلى تحسين مكانتها قد تفعل ذلك أحيانًا من خلال خفض مكانة جماعة أخرى.
مفارقة المهاجر الجديد
المفارقة أن بعض الذين يسعون إلى إثبات أنهم أكثر اندماجًا قد يكونون أنفسهم في بداية الطريق، فما زالوا يتعلمون اللغة، ويبحثون عن الاستقرار المهني، ويبنون علاقاتهم الاجتماعية، ويحاولون فهم المجتمع الجديد.
ومع ذلك، قد يستخدم بعضهم المقارنة مع جماعة أقدم في السويد لتأكيد مكانته. وهذا يكشف أن التنافس الطبقي لا يعتمد دائمًا على امتلاك المكانة فعليًا، بل قد يعتمد على الرغبة في الحصول عليها رمزيًا.
كيف يمكن تجاوز الظاهرة؟
مواجهة هذه الظاهرة لا تعني رفض طموح المهاجر أو التقليل من أهمية النجاح والاندماج. المشكلة تبدأ عندما يصبح النجاح بحاجة إلى شخص آخر في مرتبة أدنى حتى يشعر صاحبه بقيمته.
فالاندماج الحقيقي لا ينبغي أن يكون سباقًا بين السوري والصومالي والعراقي وغيرهم لإثبات من أصبح أكثر سويدية. اللغة والتعليم والعمل والنجاح الاقتصادي أدوات للمشاركة في المجتمع، وليست أدوات للحكم على قيمة الإنسان أو أصله.
كما أن مواجهة الصور النمطية تبدأ من الأسرة والمدرسة والمجتمع المحلي، عبر تعليم الأطفال أن نجاحهم لا يتطلب إقصاء الآخرين، وأن تجربة الهجرة لا تمنح أي جماعة حق تصنيف جماعة أخرى أو الانتقاص منها.
خاتمة
تكشف تجربة الهجرة عن تنافس خفي على المكانة والاعتراف والانتماء. وقد ينتقل هذا التنافس من المجتمع الأصلي إلى مجتمع الهجرة، فيتخذ أشكالًا جديدة مرتبطة باللغة والتعليم والعمل والاندماج.
وفي الحالة السورية، يمكن أن تتداخل بعض الموروثات الطبقية والمناطقية مع الرغبة في إثبات النجاح، فتتحول المقارنة الاجتماعية أحيانًا إلى نظرة دونية تجاه جماعات أخرى، بل وقد تبدأ داخل المجتمع السوري نفسه.
لكن الاندماج لا ينبغي أن يكون وسيلة للارتقاء فوق الآخرين، بل وسيلة للمشاركة معهم. فالمجتمع المتعدد لا يحتاج إلى مهاجر يثبت أنه أفضل من مهاجر آخر، وإنما إلى أفراد يستطيع كل منهم أن ينجح دون أن يجعل نجاحه مبررًا لانتقاص الآخرين.
انتهى

